عندما تدخل المقابر ترى العجب، فمن الناس من بنى على القبر ما يشبه حجرة، ومنهم من حوط القبر وحوّله إلى حديقة مملوءة بالأشجار والورود والزهور.
ومن الناس من يبالغ في الكتابة على القبر، فيستخدم أغلى أنواع الرخام، ويختار أطول آيات القرآن الكريم، ويكتبها على القبر، بدءاً باسم الله الرحمن الرحمن، وانتهاء بصدق الله العظيم.
يفعل الناس ذلك وهم يعلمون أن الميت إذا حمل إلى قبره شيعه ثلاثة: ماله وأهله وعمله، فيرجع اثنان: ماله وأهله، ويبقى واحد هو عمله.
إذن مهما أظهرنا حبنا للميت وتعاطفنا معه، وبالغنا في بناء قبره، وسقيناه بماء الورد، فإن ذلك لن يزيد الميت إلا إثماً، إذا كان قد أوصى به، ولن يزيد أهل الميت الا وزراً إذا كانوا قد ابتدعوا ذلك من عند أنفسهم.
والمقابر لها سنة متبعة من الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً الا سويته.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض إلا بقدر ما يعرف أنه قبر، لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه.
وقال الإمام الشافعي: أحب ألا يزاد في القبر تراب من غيره، وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبراً أو نحوه، وأحب الا يبنى ولا يجصص، فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة، وقد رأيت من الولاة من يهدم ما بني في المقابر، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك.
والإمام الشوكاني يقول: الظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، لأنه قد يؤدي إلى تمسح الجهلة بها، واعتقادهم بأنها قادرة على جلب منفعة أو دفع مضرة.
واتفق الفقهاء على جواز تسنيم القبر وتسطيحه، ونقل القاضي عياض المالكي عن أكثر أهل العلم أن التسنيم أفضل، وقد ورد في البخاري أن سفيان النمار رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً، وذهب إلى هذا جمهور الفقهاء الأربعة، ورأى الشافعي أن التسطيح أفضل، لأن الرسول أمر بتسوية القبور بالأرض.
هذا هو القبر من حيث هو مكان لدفن الميت فيه، وأما ما يوضع على القبر بعد ذلك، فقد أجاز العلماء وضع الخشب أو الحجر أو غير ذلك مما يعرف به الميت، بل يجوز أن يكتب على القبر بالقدر الذي يعرف الميت به، فالرسول صلى الله عليه وسلم وضع بيده الشريفة حجراً على قبر عثمان بن مظعون وقال: أعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي (رواه أبو داوود).
على ألا يتعدى هذا القدر تاريخ الوفاة وما يدل على الميت مثلاً، فيعرف من هو، لا أن يكتب على القبر آيات القرآن أو اسم الميت واسم أبيه وجده بالتفصيل.
فالميت كما قلنا لا ينتفع بزخرفة القبر ولا بالزراعة عليه، لكن ينتفع بالدعاء والصدقة، فمن شاء أن يبر أمواته فليصلهم بالدعاء والمغفرة والتصدق عنهم، ويتجنب ارتكاب البدع والمحظورات.