نادرة؛ تلك الحواريات، التي تجري بين اثنين من عمالقة الأدب والفنون والثقافة بشكل عام؛ ذلك أن كل قامة أدبية أو ثقافية هي «مؤسسة» في حدّ ذاتها، لها حدود من الكبرياء والغرور أيضاً؛ ولذلك لا يقترب كاتب كبير من كاتب كبير آخر إلا في حدود ضيقة جداً. حتى الصداقات نادرة بين كبار الكتّاب، لا بل إن الخصومات هي ما «يجمع» أحياناً بين كاتبين كبيرين.
في ضوء هذه المقدمة الموجزة تصبح «الحوارية»، التي ينظمها صحفي ما بين عملاقين هي عمل أدبي.. ولكن ماذا تتوقع أن يكون محتوى هذه الحوارية؟
المحتوى معروف سلفاً، فلن يخرج الحوار عن دائرة الكتابة، والقراءة، لن تخرج الحوارية عن دائرة الكتاب بشكل عام، بكل ما فيه من تداعيات.
الكتب بالنسبة للكتّاب الكبار هي «أسرار»؛ ذلك أن لكل كاتب عبقري طريقته في القراءة، ولكل كاتب رؤيته النقدية، أيضاً للمؤلف الذي يبدو أنه لا يموت، بخلاف ما يرى «رولان بارت»، فالمؤلف حي حتى وهو ميت، وإن كان موتاً مجازياً أو واقعياً؛ ذلك أنه يجب أن يوضع في دائرة النقد.
كيف كان يقرأ القاص والروائي والشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس 1899 إلى 1986، وما الكتب التي قرأها هو ونظيره وابن بلاده الكاتب والرسام وعالم الفيزياء إرنستو ساباتو 1911 2011؟، وأية حوارية هادئة أو صاخبة في قناع من الهدوء جرت بينهما ونجم عنها كتاب.. يمكن أن يكون بين صفحاته أكثر من كتاب؟
هذه الأسئلة تعرف إجاباتها من «اورلاندو بارون»، الذي اقترح على بورخيس وساباتو حوارية مشتركة لم يكن يتوقع أن تنتظم بهذه السهولة، فالرجلان ليسا صديقين في أي يوم من الأيام، كما يقول بارون، ولم يدعيا ذلك؛ ولكنهما قبلا التحاور معاً.
* نشير هنا للأمانة الصحفية وللأهمية القصوى لهذه المادة أن الفضل في ترجمتها إلى العربية يعود للكاتب والمترجم المغربي أحمد الويزي، الذي اشتغل على ترجمة مهنية بلغة صافية بالغة الشفافية، وهو جهد كبير في الواقع فقرأه في مجلة «نزوى» على ثلاث حلقات تشكل كتاباً كاملاً، ونحن في قراءتنا للمادة سنأخذ مقطعاً محدداً من هذه الحوارية وهو الكتب التي قرأها بورخيس وساباتو وتحاورا حولها.. ومن الملاحظ في الحلقة الأولى والثانية من هذه الحوارية (وربما الثالثة) أنهما لم يتطرقا إلى أي كتاب عربي.
يقول بارون: إن اللقاءات التي نظمها بين بورخيس وساباتو كانت تستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات في الأسبوع.. «.. امتدت من بداية صيف 1974 إلى غاية مارس 1975»، وما بين صدور المادة المسجلة على الأشرطة في كتاب صدرت طبعته الأولى 1976، وبين إعادة طبعه عام 1996.. يتحدث بارون بهذه الحرارة وبهذه الذكريات المريرة عن هذا الكتاب..، وتستطيع القول إن هذه الكلمات هي جزء من تاريخ كتاب حوارية بورخيس وساباتو، يقول بارون: «.. بين الحدين.. يقصد من العام 1976 وحتى العام 1996.. كانت الحياة قد مضت بالكل..»، وباختصار يموت بورخيس في 1995.. خورخي ساباتو الابن البكر لإرنستو ساباتو، وأحد القراء الأوائل لهذا الكتاب يلقى حتفه في حادثة سير مروعة ومأساوية.. تاركاً والده فريسة آلام ومواجع لا يشفى منها، حتى بارون نفسه تغير، وتغير أسلوبه في الكتابة.. يقول: «.. أنا نفسي لم أعد كما كنت؛ إذ ظهر لي أني كنت في النصوص التي قدمت بها للقاءات ميالاً إلى التعبير الأدبي المشبع بحس الرومانسية، بينما صرت اليوم ربما أكثر جنوحاً إلى الأسلوب الصحفي المفعم بالحياد..».. طبعاً علينا الآن ونحن نقرأ هذه الكلمات أن بارون كتب ذلك قبل حوالي عشرين عاماً.. وهي لقطة نافعة لمن يأتي إلى الصحافة من باب الأدب؛ إذ عليه أن يتخلى عن لغة الأدب في المادة الصحفية.
كما ذكر قبل قليل، فإن الكتّاب الكبار لهم زاوية قراءة خاصة تختلف عن القارئ العادي، فهؤلاء يربطون بين الكتاب ومؤلفيه والسياقات الثقافية والحضارية السابقة واللاحقة على الكتاب أو المؤلف.. إنهم يمتلكون رؤية نقدية تختلف كلياً عن الناقد الأدبي صاحب المنهج والأدوات والمصطلحات، ولا توجد مصطلحات نقدية بعينها عند بورخيس وساباتو.. بل الكتاب برمته على طاولة القراءة.
رواية مثل «دون كيشوت»، التي يعتبرها الكثير من النقاد في الغرب «أول رواية أوروبية حديثة، وواحدة من أعظم الأعمال الأدبية في العالم..» للكاتب الإسباني «سيرفانتيس» شملها مختبر بورخيس وساباتو بالقراءة على النحو التالي في الحوارية بين الرجلين:
يقول ساباتو موجهاً كلامه إلي بورخيس.. أود لو أننا تناقشنا في رواية «دون كيشوت»..، يقول بورخيس.. «.. يعزّ عليَّ أن أنتقد ذلك الكتاب، فقد وقعت كثيراً تحت تأثير «بيوي كاساريس- ناقد-: كان يتحدث إليَّ دائماً عن هذا المؤلف باستخفاف وازدراء؛ لكن تبين لي أنني كنت مخطئاً، أعتقد بأن سيرفانتيس قد خلق شخصية أدبية لا يمكنها أن تنسى أبداً..» ويقول موضحاً رأيه في سيرفانتيس.. «.. أعتقد بأني كنت ظالماً في حكمي؛ لأني منذ زمن غير يسير ظللت أعتقد بأن كيبيدو كان أفضل من سيرفانتيس، ربما كان كيبيدو كاتباً جيداً بالنظر إلى جودة ما كتبه.. صفحة بصفحة وسطراً بسطر؛ لكنه بالجملة أقل بكثير من سيرفانتيس؛ لأنه لم يخلق شخصية شبيهة بدون كيشوت..».
بالطبع، سنفهم من رأي بورخيس هذا أنه كان يشكك في جودة ما كتبه سيرفانتيس، وها هو يتراجع في موقفه النقدي عندما يقارن بين سيرفانتيس وكاتب آخر.. ولكن ما رأي ساباتو في رواية «دون كيشوت».. يقول ساباتو.. «.. بالنسبة لي، يكمن سبب اعتبار «دون كيشوت» واحدة من بين أعظم التآليف الروائية، وأشدها نبوغاً وعبقرية في العالم، في أن سيرفانتيس قال ما ينبغي له أن يقال فيها، وصاغها بالشكل الذي كان يتعين عليه أن يصوغها به؛ لأننا لا نستطيع أن نفصل نهائياً بين الشكل والمضمون..».
شغلت ثنائية الشكل والمضمون «مثل ثقافية الأدب الملتزم واللاملتزم» أقلام الكثير من الكتّاب العرب في أثناء صعود اليسار «الثقافي» العربي في ستينات وسبعينات القرن الماضي، البعض كان يرفض الفصل بين الشكل والمضمون، والبعض كان يرحب ب«الثورة» على الشكل والمضمون، والبعض كان يرحب ب«الثورة» على الشكل بوصفه «صورة مرنة»، والبعض كان يقول إن المضمون هو الذي يصنع الشكل، وليس العكس، وفي تلك الأثناء صدرت عناوين كثيرة بأقلام نقاد ومنظرين عرب في الأدب، ولم تكن رواية «دون كيشوت» بعيدة عن هذا السجال.
المهم هنا، طالما أننا ما زلنا في إطار أفكار ساباتو بشكل خاص، والتي تبدو مفاجئة أحياناً.. موقفه من شكسبير. يقول ساباتو: «.. إن شكسبير كان يأخذ أفكاره من بعض الكتّاب الرديئين، الذين لم ينجزوا بها أي أدب جيد يذكر، فيكتبها في مسرحياته المأساوية الكبرى».. وفي مكان آخر، يكرر الرأي نفسه ضد شكسبير بلغة هجومية أكثر عنفاً.. يقول عن شكسبير: «.. كان يستمد مواضيع تراجيدياته من كتّاب الدرجة الثانية المعاصرين له انطلاقاً من تلك الخطاطات المبتذلة، وهذا ما يعني أن الموضوع في التأليف، ليس تقريباً شيئاً يذكر..».
لم تنجب اللغة الإسبانية «شكسبيراً»؛ ولكنها أنجبت سيرفانتيس، كما لم تنجب اللغة الإنجليزية «سيرفانتيس»؛ ولكنها أنجبت شكسبير، وربما يعود رأي ساباتو في صاحب «ماكبث» و«الملك لير» إلى نوع من «الشوفونية» اللغوية لا أكثر.. لكن في الحالين، فإن اللغة مشاع.. فالكثير من كتّاب أمريكا اللاتينية والكاريبي ليسوا إسبانيين، ولكنهم يكتبون بالإسبانية، ويقوم الأدب وغير الأدب في أمريكا على لغة إنجليزية بلكنة أمريكية.. لكن هذه اللغة أنجبت عزرا باوند.. الموازي في حضوره لبورخيس وساباتو الإسبانيين.
كتب «إدغار ألن بو» قصيدة الغراب بالإنجليزية.. فما رأي بورخيس بالقصيدة.. يقول: «قصيدة الغراب هي بكل بساطة رديئة».
هل هو انحياز «بورخيس= ساباتو» للإسبانية، وشبه نفي للغات الأخرى؟؟.. لا.. كلاهما كان يقرأ بلغة ثانية وثالثة، ولكن- من وجهة نظري- قد يكون انحيازاً للروح الإسبانية التي ترشح منها في هذه الحوارية روح أخرى هي روح الندية حدّ الكبرياء؛ بل، الغرور.. ولكن ماذا بشأن الألمانية؟، يقول بورخيس: «.. شخصياً أنا مقتنع بأن اللغة الألمانية أكبر من أدبها وأعتقد أن أكبر عمل أدبي ألماني هو اللغة الألمانية بالذات..».
كتب بورخيس القصة والرواية، وقرأ لمئات الكتّاب من الغرب والشرق أدباً يقع في إطار هذين الفنين.. وله رأي هنا في القصة وفي الرواية استناداً إلى ما كتبه، واستناداً إلى خزانة كتبه.. يقول: القصة القصيرة بمثابة رؤيا خاطفة، وكأنها هلوسة وجيزة، في حين يرى ساباتو أن الرواية أشبه ما تكون بقارة «.. ينبغي معها عبور الحدود بغتة أو اجتياز مستنقعات شاسعة..»، وعن الشعرية الكامنة في السرد الروائي يقول ساباتو: «.. إن الروايات الكبرى، رغم أنها لم تكتب على شكل أبيات، دائماً ما تقدم لقارئها لحظات شعرية عظيمة. يمكننا مثلاً أن نشعر بذلك حين نقرأ إما تولستوي، أو بروست، أو فوكنر، أو فرجينيا وولف، وإلى جانب هذا، أعتقد بأن على كل فن حتى يغدو فناً بالمعنى العميق للكلمة، إما الارتقاء إلى معارج الشعر، أو المكوث دون تحقيق ذلك..».
يشير بورخيس إلى وصية «إيمرسن».. يقول.. أنا لم أقرأ أبداً ولو صحيفة واحدة.. مثلما أوصى بذلك «إيمرسن».. هنا يسأله ساباتو فجأة.. وصية من يقول بورخيس.. إيمرسن إنه أوصى بقراءة الكتب لا الجرائد، وهنا توضح لنا الحوارية الكتب والقراءات والموضوعات المشتركة المقروءة بين الرجلين: فيثاغورس، الرواقيون، هنري جيمس، أنطوان دي سانت اكزوبري صاحب رواية «أرض البشر».. يقول ساباتو عن هذه الرواية: «.. أرض هؤلاء العفاريت المسكونين بالنقص والحاجة، هؤلاء الذين يعيشون على هذا الكوكب..».
ما هو مشترك أيضاً بين الرجلين هو وعيهما المبكر لنشر الكتاب وتبعات النشر وهمومه: وكأن ما أشارا إليه في زمنهما هناك ما يماثله اليوم في زماننا.. يروي بورخيس أن والده أعطاه 300 بيسوس طبع بها 300 نسخة من مجموعته الشعرية الأولى وزعها كلها مجاناً على أصدقائه يقول: «.. من ذا الذي كان سيكترث بشاب في مثل عمري حينها يدعى بورخيس، ويكتب الشعر فوق ذلك؟!! فيرد عليه ساباتو..«الناشر يطبع للكاتب المكرّس فقط، الذي يتهافت الجميع على اقتناء كتبه، وهذا ما يجعل كل بداية محفوفة بالمتاعب، ومع ذلك، فالأمر يبدو اليوم غريباً. حين ننظر إلى الكتب المعروضة في واجهة المكتبات، نلاحظ دفقاً هائلاً في الأسماء والعناوين.. لا بدَّ أن عدد الكتّاب يفوق بكثير عدد القراء..».
هذا الكلام يقوله ساباتو في العام 1974.. أي قبل أكثر من أربعين عاماً، وشيء من هذا الذي أشار إليه على صعيد النشر، وتهافت الناشرين، وكثرة العناوين ومقابلها قلة القراء موجود الآن في سوق الكتّاب، وفي سوق النشر على مستوى عربي بشكل خاص.
الطريف هنا في حوارية بورخيس وساباتو عند هذه النقطة بالذات أن الأخير يخبر بورخيس بوجود أكشاك تباع فيها الكتب، ويبدو أن هذه الظاهرة لم يرها ولم يعرف بها بورخيس الذي يتساءل مذهولاً أمام ساباتو قائلاً: كتب في الأكشاك؟، فيرد عليه ساباتو نعم يا بورخيس هناك كتب تباع في الأكشاك ومن بينها كتبك.
إذاً.. في إسبانيا السبعينات، كما يبدو، لم تكن ظاهرة بيع الكتب في الأكشاك وعلى الأرصفة مألوفة.. بل كما لو بورخيس امتعض من فكرة أن كتبه تباع في كشك أو على رصيف.. ولذلك.. «.. رفع رأسه أكثر إلى أعلى..» وهي لغة جسد تعني الرفض.
تباع الكتب أيضاً كما قال ساباتو في مخازن الحبوب إلى جوار لوازم الفلاحة،.. فيرد بورخيس مكذباً أو شبه مكذب «.. هذه المعلومة كان «هيرنانديز» بالذات هو من أشاعها، أو ربما اختلقها اختلاقاً. إن سكان البادية (يقصد الفلاحين).. أميّون..».
مكان الكتب بالنسبة لبورخيس هو الأرفف في مكتبة أنيقة نظيفة، مكان يليق بكرامة الكتاب وعظمته.. ولذلك لم يستسغ مطلقاً أن تكون الكتب موجودة في مخزن لبيع الغلال.
أفكار متوازية، وأحياناً متقاطعة؛ بل قد تكون دائرية إن جاز الوصف بين رجلين كل واحد منهما مخزن كتب، المحور دائماً هو الكتاب الذي لا يجب أن يتحول إلى «مرافعة رهيبة» بحسب ساباتو.
الكتب وقراءتها ومعاينة أبطالها ومؤلفيها ثقافياً وتاريخياً ونفسياً كان جزءاً من مختبر خورخي لويس بورخيس، وإرنستو ساباتو.. المختبر الذي تشعر لو دخلته أنك في حاجة للإقامة الجبرية فيه.
حوار على مدى 10 أشهر حول القراءة
الكتب بين بورخيس وساباتو
1 نوفمبر 2017 00:51 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 نوفمبر 16:40 2017
شارك
يوسف أبو لوز