كان العرب من أوائل الشعوب التي اهتمت بتحضير العقاقير والأدوية كما ذكرنا، وقد طافوا لأجلها البلاد البعيدة، فأحضروها من الهند والصين والأندلس وبلاد المغرب وجزر البحر المتوسط وبلاد الشام وفارس . وقاموا بنقل الكتب القديمة والكثيرة لأجلها، واكتشفوا الكثير منها، فكانوا بذلك روّاداً في علم النبات واستخلاص ما ينفع منه، وطوروا علم تركيب الأدوية، وألفوا فيه التآليف وسموها الأقراباذين وفتحوا حوانيت الصيدلانيات، فاقتبس عنهم العشابون والصيدلانيون الذين أتوا بعدهم في البلاد الأوروبية في عصر التنوير .

وكان للكحالين والعشابين حوانيت خاصة بهم في الأسواق داخل المدينة المدورة/ بغداد، ساهمت إلى جانب البيمارستانات ودور الشفاء بمعالجة الأمرض والاهتمام بالمرضى الذين يخضعون لمراقبة سير المرض عندهم، والتأكد من انتظام العلاج . كما أدى العمل بالبيمارستانات وحوانيت الكحالين والعشابين إلى الاهتمام بالنظام الطبي فيها والتخصص الدقيق لدى الكحالين والصيدلانيين، حيث كان هناك المعالج المختص بالأمراض والأوبئة، والمعالج المختص بالأمراض العصبية والنفسية، والمعالج المختص بالكحالة وطب العيون، والمعالج المختص بالأمراض الجلدية والنزف والتشقق والعسر المعوي .

وصف العين

ويروي المؤرخون وخصوصاً منهم ابن أبي أصيبعة في كتابه الذائع: عيون الأنباء في طبقات الأطباء (2/251)، أن علياً بن عيسى الكحال، كان له حانوت للكحالة في بغداد على الجسر في الجانب الشرقي من بغداد . وقد نبه في وصف العين وقال إن عدد عضلاتها تسع فأما مواضعها فواحدة في جانب الماق الأكبر تحرك العين إلى ما يلي الأنف، والأخرى في اللحاظ، تحرك العين إلى جانب الصدغ، والأخرى من فوق تحرك العين إلى فوق، والأخرى من أسفل تحرك العين إلى أسفل . وعضلتان فيهما اعوجاج إلى خارج تديران العين إلى فوق وإلى أسفل ويمنة ويسرة . وثلاث في فم العصبة المجوفة لتشد فمها وتمنع من أن تتسع، فتتبعد القوة الباصرة، وفيها منفعة أخرى، وذلك أنها تشد وتربط جملة العين (تذكرة الكحالين) . ويضيف علي بن عيسى أن للشعر النابت على الأجفان فائدة دفع الضرر الذي قد يصيب العين جراء الغبار، ويخفف حدّة الضوء الساقط على العين .

والواقع أن الأوروبيين كانوا قد تأثروا بالكحالين البغداديين في زمن هارون الرشيد، ويقول ريسلر في كتابه الحضارة العربية (ص 189): شوهدت في أوروبا منذ القرن الثاني عشر إقامة صيدليات عامة ومستشفيات للبرص ومستشفيات للجذام . وبلغ ما يوجد منها زهاء 20000 في القرن الثالث عشر الميلادي . وكانت قد أخذت طريقة المعالجة النظامية للمرضى في المستشفيات، وبخاصة المرضى بأمراضٍ معدية من تجربتها في الشرق الأدنى الذي كانت تنتظم فيه هذه الخدمات على وجه أفضل بكثير مما كانت عليه في العالم المسيحي .

صناعة اللقاحات

وعرف الكحالون في بغداد صناعة اللقاحات في حوانيتهم المتخصصة ضد الجدري . ويقول ريسلر (ص 196)، إن طريقتهم الفنية كانت تختلف عن طريقة الصينيين . وكان التلقيح يتم عن طريق فتح جرح في الجزء البض من اليد بين الإبهام والسبابة . وكان الجرح يدلك مفتوحاً بمساعدة جمرة أو جمرتين جدريتين، تشترى من حوانيت الكحالة .

ومن حوانيت الكحالين والصيدليات وأسواق العشابين في بغداد، كان يتم شراء الأدوية المركبة والأعشاب التي تعالج الرضوض واضطرابات الجروح والالتهابات وكذلك الأكزيما من كل نوع . وكانت أوراق الخيار وقرص العنة وأزهار البابونج، تحمّل في أول الأمر على النار، وتوضع ساخنة بحيث يكون من الممكن تحملها . وكانت هي وغيرها من الأوراق تستخدم لمعالجة وتيسير سيل القيح من الدمامل والخراريج والقروح . وكان الكحالون البغداديون يحضرون لأجل الشفاء التام لزقات أساسها مسحوق الحناء . وهو علاج له قيمته الخاصة في حالة الآلام العصبية والجروح المؤلمة، سواء كانت ذات تكوين متقيح أو بدونه . وكان الكحالون العرب في بغداد ينتفعون كما يقول ريسلر (ص 196) بالتعفنات المستخرجة من البنسليوم عفن الخبز، ومن العشب الفطري الذي كانوا يجمعونه على ظهور دوابهم . وكانوا يستعملونه في شكل مراهم لعلاج الجروح المتقيحة والمتعفنة . وكان لدى الكحالين البغداديين معرفة بطريقة تجريبية بالمقاومة ضد الأمراض البكتيرية، وضد الأمراض المعدية أو ضد الأمراض الميكروبية لبعض الكائنات المجهرية كما يقول ريسلر .

شروط مزاولة المهنة

وقد أخذت المعالجة بالأدوية والعقاقير والأغذية حيزاً كبيراً في المصنفات الطبية العربية التي ظهرت في العصر العباسي، حيث نجد في أي كتاب من الكتب الشاملة فصلاً أو أكثر للأدوية والعقاقير . وهكذا ارتبط الطب في العصر الذهبي في بغداد، ارتباطاً وثيقاً بالحذق في صناعة وتحضير الأدوية التي توصف للعلاج . كذلك ارتبطت الصيدلة من جهة أخرى بعلم الكيمياء، نظراً لافتقار صناعة الأدوية إلى التحضيرات والأجهزة العلمية . ولهذا نجد الكتب الكيماوية زاخرة بالتحضيرات النباتية والحيوانية والمعدنية التي لا تستغني عنها الأدوية .

وقد وضع محتسب الكحالين والعشابين شروطاً وامتحانات لمزاولة مهنة الصيدلة . وكان جهاز الحسبة هو الذي يراقب الأدوية ويمتحنها ويراقب الغش فيها . وكذلك يراقب أعمال الصيدلاني وأفعاله . إذ كان على الصيدلاني أن يثبت اسم الدواء بالألسن المختلفة ليعم نفعه . وذكر ماهيته من لون ورائحة وطعم وخشونة وملاسة، وذكر جيده ورديئه ليؤخذ أو يجتنب وذكر درجته في الكيفيات الأربع ليتبين الدخول به في التراكيب وذكر منافعه في سائر أعضاء البدن وكيفية التصرف به مفرداً أو مع غيره، وذكر مضاره، وذكر ما يصلحه، وذكر المقدار المأخوذ منه مفرداً أو مركباً، مطبوخاً أو منشفاً بجرمه أو عصارته أوراقاً أو اصولاً إلى غير ذلك من أجزاء النبات .