تحقيق: إيمان عبدالله
الكهوف عالم مجهول ومنظومة من الأسرار، تظهر على شكل فجوات في باطن الأرض أو في الجبال، تنفرد بفتحاتها الغريبة وعمقها وظلامها الدامس وتكويناتها النادرة، وتكشف تاريخ المنطقة وجغرافيتها، ولكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى دراسة لرصد أشكالها البديعة من صواعد وهوابط ودهاليز .
ومازالت عوالم وأسرار الكهوف في الإمارات مجهولة، ولم تستغل اقتصادياً وسياحياً بشكل لافت، في السطور المقبلة نسلط الضوء على طرق تكوينها وأماكن تواجدها في الدولة في محاولة لكشف أسرارها .
د . أحمد علي مراد، الأستاذ المشارك في قسم جيولوجيا المياه بجامعة الإمارات يوضح: الكهوف عبارة عن فجوات أو كسور في الصخور الجيرية، تسببها المياه التي تتجمع بعد سقوط الأمطار تكون على هيئة محلول حمضي مخفف نتيجة لذوبان غاز ثاني أكسيد الكربون في الماء مما يكون فجوات كبيرة مكونة الكهف الجيري والصواعد والهوابط .
ويضيف: تقع الكهوف داخل الجبال المنتشرة على أرض الإمارات وأهمها جبل حفيت، جبال رأس الخيمة المتكونة من الصخور الجيرية، وأيضاً يوجد كهف مشهور في الصخور النارية بمنطقة خورفكان . وتعد الكهوف وجهة سياحية وخاصة كهف خورفكان الذي تحتاج لرؤيته أن تستأجر مركباً لأنه يقع داخل الخور بعيداً عن الشاطئ . كما أن التكوينات المتصلة بالكهوف كالصواعد والهوابط والأعمدة الجيرية تعد وجهات سياحية طبيعية مهمة في أغلب دول العالم التي تتواجد فيها هذه التكوينات . لافتاً إلى أن الكهوف تكونت ببطء على مدى مئات الآلاف من السنوات، وتضم أشكالاً ذات جمال باهر ولكنها معرضة للتدمير في ثوان من قبل أي زائر مهمل، فنحتاج لمشاركة الجميع لحماية وحفظ هذا الجزء الجميل .
وكشف د . مراد إلى أنه لا يوجد حتى الآن استغلال أمثل للكهوف في الدولة، حيث تكون الزيارات مزرية ولذلك نحتاج إلى المزيد من التوعية والدعاية لتوضيح وتوصيل ذلك لجميع أفراد المجتمع . ويجب التنسيق مع هيئات السياحة والتراث والآثار .
ويضيف: بعض الكهوف موجودة على الخرائط الجيولوجية للدولة، مثل الكتاب الذي نشرته جمعية الإمارات للتاريخ الطبيعي وكتاب جبل حفيت ومنشورات هيئة السياحة والتراث والآثار، والبعض الآخر مازال يحتاج إلى أن يخرج للنور لتتعرف إليه الناس وتقوم بزيارته، وعمق الكهوف في الإمارات يتراوح ما بين أمتار عدة إلى مئة متر، ويعود جزء كبير من الإعجاب الذي يبديه الناس للكهوف إلى الأنواع المتباينة من الرواسب التي تتشكل داخل الكهوف بعد انخفاض مستوى سطح الماء الباطني وجفافها، ويوجد نوعان رئيسان من هذه الرواسب هي الهوابط التي تكونت بفعل سقوط المياه من السقف، وتكون متدلية على شكل مخاريط من سقف الكهف، والصواعد التي ترتفع من أرضية الكهف بفعل تساقط قطرات الماء فوق بعضها بعضاً، وتحتوي بعض الكهوف على طبقات جميلة من المعادن نتيجة لجريان طبقات خفيفة من الماء على جدرانها أو على طول المنحدرات، بينما تحتوي بعضها على رواسب صغيرة تشبه الحصى أو لألئ الكهوف التي تنمو داخل برك صغيرة .
وتقول د . أسماء الكعتبي، مؤسسة ورئيسة الجمعية الجغرافية الإماراتية: نظمنا بعضة علمية استكشافية للكهوف مؤلفة من فريق إماراتي وآخر سلوفاني، وكانت لدي الرغبة برسم خريطة كهف شعم الجير الواقع في أقصى شمال إمارة رأس الخمية، ودحض أقاويل كانت قد ظهرت حوله في نهاية التسعينات وكانت أحاديث جانبية تدور بين السكان المحليين، الذين أكد جزء منهم أن الكهف مظلم، وأوضح الجزء الآخر أن الكهف مجرد غرفة كبيرة، كان يسكنه الناس، ويبيتون فيه، قبل قيام الاتحاد، وعندما دخلنا إلى الكهف تبين أن الجزء الأخير من الأقاويل كان صحيحاً، وأن عمقه لا يتجاوز 14 متراً، إضافة إلى ذلك اطلقنا لقب "أشباح الكهوف" على الكهوف التي وجدت عند مدخل وادي حقيل، ففي هذه المنطقة وجد الفريق العلمي بقايا كهوف غير موجودة الآن وكأنها شبح، لأن سقف الكف قد انهار بسبب عوامل التعرية، أو ربما الهزات الأرضية، وجرفت الأودية الكثير منه بعد انهياره، لكن بعضاً من تلك الرواسب مازالت على جوانب المنحدر الصخري، وتشهد بنشوء الكهف كما تشهد بتلاشيه، فعلى تلك الجوانب تظهر جميع المظاهر الجيمورفولوجية التي تتكون في الكهوف من أعمدة صاعدة وهابطة وقنوات مائية . ولو كان سقف هذا الكهف قائماً لاعتبر من أهم المعالم السياحية في الدولة .
وتشير د . الكتبي إلى أن الكهوف التي وجدوها خلال البعثة الاستكشافية لم تتعد الثلاثة أنواع، وأكثر الكهوف انتشاراً هي الكهوف التي تكونت بفعل النحت الجانبي لمياه الأودية، التي تعرف بالكهوف المذابة أو المنحوتة، وهذا النوع واسع الانتشار على مستوى العالم وليس في الإمارات فقط، وتتكون في صخور اللايمستون والصخور الطباشيرية والدلومايت، والملحية والجيرية، والرخامية، حيث تتعرض هذه الصخور للإذابة من المياه الجوفية في الشقوق الصخرية، فتكون الكهوف أو النظام الكهفي المعروف بالكارست . لافتة إلى الأهداف السياحية التي قد تخدم الوطن من ناحية اقتصادية مازال البحث عن كهوفها مستمر .
د . عثمان عبدالغني عثمان، الأستاذ المشارك في قسم الحفريات والطبقات بجامعة الإمارات، يشير إلى أن الكهوف تمثل فوهات جوفية ممتلئة بالهواء نشأت بفعل حركة المياه سابقاً على الصخور مما أدى إلى إذابة الصخور على مدى فترة زمنية طويلة، وتكوين فتحات وأنفاق داخل الأرض، والفتحات والأنفاق الموجودة في نظم الكهوف غالباً ما تكون متصلة ببعضها تبعاً لكيفية تسرب المياه عبر الصخور على طول الفوالق والشقوق والكسور وصولاً إلى منسوب الماء الباطني تحت سطح الأرض .
وعن أهمية الكهوف وأعمارها، يقول: لا تقتصر أهميتها على القيم الجمالية فقط، بل تعد سجلاً تفصيلياً عن المناخ والعمليات السطحية وأنواع الحيوانات والنباتات التي كانت تعيش في الماضي، فالتحليل الكيميائي الدقيق للرواسب الكهفية يكشف معلومات حول وجود نظائر مختلفة من الكربون والكبريت وآثار بعض العناصر الأخرى التي كانت موجودة في الغلاف الجوي عندما تكونت الرواسب وتسمح بتحديد عمرها، كما أن المعلومات الكيميائية والزمنية تعطي سجلاً تاريخياً للتغيرات المناخية، وتعطي معلومات حول أنواع الحيوانات والنباتات التي كانت سائدة في الماضي القريب في مناطق أصبحت حالياً صحراء .
وأضاف: القيام بمسح الكهوف ورسم خرائط أنواع وتوزيع الرواسب الكهفية يوفر معلومات حول ارتفاع وهبوط مستوى المياه الجوفية والذي يعد بدوره مفتاحاً لفهم المعدلات المتغيرة لتصريف وتغذية المخزون المائي وزيادة ونقصان معدلات هطول الأمطار .
ويشير د . عثمان إلى أن معظم الكهوف المشهورة على مستوى العالم تتكون داخل الصخور الجيرية ولكن القليل منها داخل الصخور النارية مثل كهف خورفكان . مؤكداً أنه يتم تحديد عمر الكهف باستخدام النظائر المشعة للأعمدة التي تكونت بداخله أو عظام الحيوانات المتواجدة داخل الكهف أو حبوب اللقاح التي حملتها الرياح وسكنت داخل هذا الكهف منذ نشأته، لافتاً إلى أن المطر هو العامل الأساسي لتكوين تلك الأعمدة . مؤكداً أنه بالإمكان تحديد الخصائص الطبيعية والجغرافية للمنطقة من خلال دراسة الكهوف عن طريق التعاون البحثي والعلمي بين الجيولوجي والجغرافي والجيومورفولوجي للمنطقة المتواجد بها الكهف .
سمع محمد العبيدلي، متقاعد من القوات المسلحة، العديد من الحكايات من أجداده عن استخدامات الكهوف، ويقول: كان للكهف أهمية كبيرة في السابق، قبل استخدام الكهرباء وتشيد البيوت العصرية، فكان الملاذ الأول للناس، ويسكنونها لتقيهم من الحر والمطر، إضافة إلى ذلك كانت تستخدم لتخزين المواد، وكنا نسمع بعض القصص من أجدادنا والتي ربطتنا بها مثل التي توحي بوجود أشباح في تلك الكهوف، رغم أنها ليست عميقة .
ويعشق سالم الشحي، موظف في الشرطة، المغامرات والإثارة، ويجد المتعة الحقيقية في استكشاف الكهوف خلال رحلته إلى المناطق الجبلية، ويقول: قبيلة الشحوح تعشق استكشاف الكهوف، ولدينا رحلات فردية لاستكشاف بعض الكهوف في رأس الخيمة، وكلما نجد كهفاً نحرص على دخوله والوصول إليه، واقتحمنا مؤخراً 5 كهوف في روافد وادي الطويين، ووصل طول الكهف إلى 53 متراً، وهناك كهوف الوصول إليها صعب، ولكن متعة المغامرة والاستكشاف يسهل علينا المسألة .
ويضيف: لا يوجد استغلال سياحي صحيح لتلك الكهوف، فبعض الكهوف التي يسهل الوصول لها بالإمكان تعديلها، وإضافة بعض اللمسات البشرية إليها لجعلها مطاعم مفتوحة في أجواء الطبيعة، لتصبح محط جذب أهل البلاد والسياح .
تكشف تاريخ المنطقة وجغرافيتها ولم تستغل
الكهوف كنوز طبيعية نادرة التكوين
11 ديسمبر 2013 01:34 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 ديسمبر 01:34 2013
شارك