كان سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، من الصحابة السابقين إلى الإسلام ومن خيرة الرجال في الحقبة الراشدية . وقد أقام بالمدائن بعد الفتح فأثر جوها في المسلمين، فتغيرت ألوانهم، فأوفد منهم وفداً إلى عمر، رضي الله عنه، فرأى اصفرار وجوههم وتغير ألوانهم، فسألهم عن السبب، فأخبروه أنه وخومة البلاد، فكتب الخليفة إلى سعد أن يبعث سلمان وحذيفة رائدين . فليرتادا منزلاً برياً، بحرياً، ليس بيني (عمر) وبينكم فيه بحر ولا جسر .

ونفذ سعد أمر الخليفة عمر، فأرسلهما . فخرج سلمان حتى أتى الأنبار، فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى مكان الكوفة . وسار حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى مكان الكوفة . (وكل رملة وحصباء مختلطان هما كوفة) فأعجبتهما البقعة . فنزلا فيها، فصليّا، ورجعا إلى سعد بالخبر . فكتب سعد إلى القعقاع بن عمر وعبد اللّه بن المعتم أن يستخلفا على جنديهما ويحضرا عنده . وارتحل سعد مع جيشه حتى نزل الكوفة في المحرم (17 هـ) . وكان بين نزول الكوفة ووقعة القادسية سنة وشهر . وقيل أكثر . فلما نزلها كتب إلى عمر، رضي الله، عنه فكتب إليه بالبناء .

لبّى سعد توجيهات عمر بالسرعة القصوى . واستدعى السائب بن الأقرع وأبا الهباج الأسدي . فجعلا المناهج أربعين ذراعاً وما يليها ثلاثين ذراعاً . وبين ذلك عشرين ذراعاً . وجعلا الأزقة سبعة أذرع، وليس دون ذلك شيء . أما القطائع فجعلاها ستين ذراعاً وعين سعد، رضي الله عنه، موقع المسجد الجامع . ثم اختط الناس خططهم على بعد مرمى سهم من المسجد الجامع والذي جعله بمحاذاة دار الإمارة ودار العطاء.

سكان الكوفة

ونزل المسلمون في الكوفة بدايةً، على سبع خطط بأمر من الخليفة عمر، رضي الله، عنه، فكانت كنانة وحلفاؤها من الأحباش وغيرهم، وجديلة وهم بنو عمرو بن قيس عيلان وقضاعة والأزد ومذحج وغطفان وتميم وإياد . وكان عدد من نزل الكوفة على يد سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، عند تمصيرها عشرين ألفاً منهم اثنا عشر ألفاً من أهل اليمن، وثمانية آلاف من نزار . ثم ردفتهم الروادف وتتالت هجرة القبائل العربية إلى الكوفة في عهد الخليفة عثمان، رضي الله عنه، حتى غلبت الروادف على أهل الرياسة والبيوتات، واضطرب أمرها، مما جعل سعداً، رضي الله عنه، يشكو ذلك إلى الخليفة .

وكان من حسن سياسة سعد أنه أذن لأجناس آخرين من غير العرب أن يسكنوا الكوفة بعد تمصيرها، خصوصاً الديلم . وهم من الفرس الذين تخلفوا عن قتال العرب في القادسية وانضموا إلى المسلمين واشتركوا معهم في أعمال الفتوح في جند من الأمناء والحمراء (متطوعة الأعاجم) .

واتخذ العرب من القصب بيوتاً، إذا غزوا قلعوها، وإذا عادوا بنوها، انسجاماً مع السرعة في حركة الفتوح التي قادها سعد رضي الله عنه هناك . غير أنه إثر حريق أصابها، استأذن سعد، عمر بالبناء باللبن، فوافق على طلبه . واشترط عليه ألاّ يزيد أحدهم على ثلاث أبيات، وألا يتطاولوا في البناء . وأن يلزموا السنة حتى تلزمهم الدولة . وأوصاهم ألاّ يرفعوا بنياناً فوق القدر الذي يقربهم من السرف .

وكان من حسن سياسة سعد في تمصير الكوفة وإخلاصه للإسلام، تثبيت القبائل العربية المهاجرة إلى العراق، لوقوعها على أطراف السواد مما يلي البادية . كذلك ساعدت الكوفة على جذب كثير من القبائل العربية، مما أدى إلى انتشارها في أرض السواد وخراسان . وهذا ما أسهم في انتشار الإسلام وانتشار العربية في المناطق الشرقية وخراسان، بسبب نزول القبائل العربية واختلاطها بالتجمعات الأهلية المحلية، من فرس ونبط ونصارى ويهود ومجوس وزط وسبابجة . وبذلك يكون سعد رضي الله عنه أول من وضع خطة لاندراج الأقوام في بوتقة الإسلام، ومن ثمّ اندماجهم في المجتمع الإسلامي الكبير الذي يظللهم فترعاهم دولته الواسعة الآفاق .

عزل سعد

وظل سعد، رضي الله عنه، أميراً على الكوفة حتى كانت معركة نهاوند حيث أعد الفرس العدة العظيمة لحرب المسلمين، فعزل الخليفة سعداً، رضي الله عنه بعد استطلاع رأي أهل الكوفة وكان ممن طالبوا بعزله أسامة بن قتادة العبسي الذي قال: اللهم إنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، ولا يغزو في السرية . وقد عين عمر رضي الله عنه مكانه، على الكوفة عبدالله بن عبدالله بن عتبان . ثم ندم عمر وشعر بأنه غبنه حقه، فأراده على الإمارة مرة ثانية فأبى وقال: كيف أتأمر على قوم يزعمون أني لا أحسن أن أصلي .

ولما طعن عمر، رضي الله عنه، أوصى الخليفة بعده أن يؤمر سعداً، فأعاده عثمان رضي الله عنه إلى الكوفة نحواً من سنتين . وكان حسن الإمارة كثير التتبع لأحوال الرعية، منصفاً بين المسلمين، شديداً على المعتدين . وقد أنصفه عمرو بن معد يكرب، حين وفد على عمر، رضي الله عنه، وكان لا يفتأ يسأل عن سيرته، كما هو دأبه مع جميع العمال، فسأله عن سعد فقال: متواضع في خبائه، عربي في غرته، أسد في تامورته (عرينه)، يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، ويبعد في السرية، ويعطف علينا عطف الأم البرة، وينقل إلينا حقنا، نقل الذرة .

أقيل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من منصبه في تاريخ مبكر (20 هـ - 640 - 641م) بعد أحداث شغب لخليط من جميع العناصر: عرب وفرس ويهود ونصارى، اتهموه بالجور والطغيان . وعندما ظهر محمد بن مسلمة في الكوفة موفداً من عمر رضي الله عنه للتحري عن سلوكه، لم يجسر على المجاهرة ضده إلاّ رجل أو رجلان . وقد قبل سعد رضي الله عنه الإقالة . وقبل تعيين عمار بن ياسر، على الرغم من خدماته العسكرية والإدارية الكبرى، والتي قدرها عمر رضي الله عنه حق قدرها .

قدر عمر رضي الله عنه في سعد بطولاته في فتوح العراق . وقدر صحبته لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم كذلك قدر منزلته في الإسلام حين عدّه النبي صلى الله عليه وسلم بين العشرة المبشرين بالجنة . ولهذا: أوصى عمر، رضي الله عنه الخليفة من بعده، أن يفيد منه في منصبه من الخلافة . وعندما عهد وهو على فراش الموت إلى ستة من أخلص الصحابة باختيار خليفة للمسلمين في خلال ثلاثة أيام، اختار عمر رضي الله عنه سعداً رضي الله عنه، وجعله أحد مشيريه . بل يقال إنه ابدى أيضاً أنه إذا لم يبايع سعد بالخلافة، فإنه يوصي الخليفة القادم بأن يعوضه عن ذلك بولاية إقليم من الأقاليم، لأنه سبق أن أقيل من منصبه لا لعجز ولا لوصمة شانت سلوكه .

وكان عثمان رضي الله عنه، يقدر في سعد رضي الله عنه بطولاته، ويقدر له صحبته لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين كان ثلث الإسلام ومن العشرة المبشرين بالجنة، وممن وصّي به الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه . ولذلك نراه بعيد تسلمه الخلافة، يسارع إلى العمل بهذه الوصية، فيعيده أميراً على الكوفة سنة 25 هـ / (545- 546م) . وعندما قرر أن يكون وسطاً ويعتزل الفتنة بعدما كثر الشغب على عثمان رضي الله عنه، نراه لا يساوم على الولاية، بل يتخلى عنها، حين أقاله الخليفة وولى مكانه الوليد بن عقبة بن أبي المعيط .