تحقيق: عزة سند
ما بين معارض للعقاب البدني في المدارس والمؤسسات التعليمية، باعتباره يشكل خطراً جسيماً على شخصية الطالب، وبين مؤيد له باعتباره أحد وسائل التوجيه نحو الاستقامة، يقف المعلم أمام طلاب يتنوعون في مدى استعدادهم للانضباط والجدية وطاعة المعلم تبعاً لرغبتهم في التعلم، حائراً في كيفية ضبط الصفوف بطريقة لا تتعارض مع آدمية الطالب وحقه في الاحترام وعدم النيل من كرامته، وفي الوقت نفسه تكون مجدية مع طالب قد لا يعرف قيمة المعلم ولا يستطيع أن يقدر قيمة عطائه وأهمية دوره في حياته .
يقول الطالب أدهم ثابت (أول إعدادي): إن أقسى أنواع العقاب التي يمكن أن يتعرض له هو الفصل لأيام عدة، ومن ثم تجاهل المعلم له داخل الصف، يأتي بعد ذلك العقاب البدني كونه يتسبب في إهانته، وهو يحرص على ألا تهان كرامته بين زملائه، ولا يخلو الأمر من استخدام العصا، ولكن يراعي المعلم دائماً أن لا يكون الضرب مبرحاً، وغالباً يكون بالوكز باليد على الكتف أو الظهر .
ويشير الطالب مصطفى أسامة (أول ثانوي) إلى أن كثيراً من المعلمين يلجأون للتهديد بنقص الدرجات، وهو أكثر ما يؤثر فيه ويدفعه للالتزام، لأن ذلك يعني له إما المكافأة بالمنزل أو العقاب من الوالدين، ويقول: "في المرحلة الثانوية يفترض فينا النضج، ولذلك لا يتبع أسلوب الضرب بالعصا، ولكن تكفينا النظرة الصارمة من المعلم، وحينما يسكت وينظر للصف الذي يموج في الفوضى، فإننا جميعاً ننتبه إلى أن ذلك نذير بنقص وشيك في الدرجات، لذلك نسكت ولسان حالنا الاعتذار عما بدر منا، لأننا في النهاية ملتزمون أمام آبائنا بضرورة الحصول على معدلات مرتفعة" .
لائحة سلوكية
ويسرد المعلمون تجاربهم مع أساليبهم المختلفة في ضبط الصف، ويقول أحمد النعيمي معلم الجغرافيا بمدرسة التفوق: أتعرض للكثير من المواقف في الميدان التعليمي، وأسعى بكل الوسائل إلى أن أتوجه لعقول وقلوب طلابي قبل الاستعانة باللائحة، وبالفعل استطعت أن أغير من مواقف الكثير من الطلاب نحو دراستهم من خلال الحوار الهادف والنصح السديد وإشراك ولي الأمر إن احتاج الوضع إلى ذلك، رغم أن الكثير من المواقف لا يتطلب الأمر تدخل ولي الأمر، حيث يشعر الطالب بأنني أبوه أو أخوه الأكبر فيبدي اهتماماً ملحوظاً في البداية سرعان ما يتطور لانضباط كامل" .
ويؤكد إبراهيم محمد، معلم تاريخ، أن الضرب ليس الوسيلة التربوية الوحيدة التي يمكن للمعلم أن يتبعها في ردع الطالب، مشيراً إلى العديد من الأساليب التي يتبعها مع الطلاب، وأهمها الحرمان، ويقول: "يعتمد الضبط والانضباط في الصف إلى حد بعيد على شخصية المعلم في الصف، وبالنسبة إليّ فإنني أتعامل مع الطالب بقدر كبير من الاحترام والتقدير، ولكن حينما يخطئ أو يهمل فيكفيه الحرمان من التحدث إليه لحصص عدة، أو الامتناع عن الابتسام في وجهه، أو تجاهله، أو مخاطبة ولي أمره في العديد من الحالات، وقد استطعت من خلال هذه الوسائل ضبط الطلاب، ليقيني أن العقاب المعنوي أفضل من العقاب المادي، وأن العصا قد أصبحت من ذكريات التعليم القديم وأضرارها تفوق فوائدها" .
ويقول عبدالرحمن إبراهيم، معلم لغة عربية: إن ضرر العقاب البدني أكثر من نفعه، فالنفع المرجو منه يكون وقتياً وقد يزول بغياب الشخص الذي يوقع العقاب عليه، كما أن الطالب قد يعتاد العقاب ولا يتحول إلى رادع، والخوف من العقاب قد يدفع الطالب للتفكير في أساليب تنجيه، كالكذب والغش، ومن هنا لابد من تغيير أسلوب الضبط في الصف، ليكون قائماً على الاحترام والحزم .
طفل مختلف
وتتحدث شيخة عبدالله -معلمة روضة- عن العقاب البدني في الصفوف المبكرة أو الصفوف الأولية من مراحل التعليم، قائلة: "طفل اليوم يختلف كثيراً عن طفل الأمس، وأساليب التربية تختلف أيضاً عن أساليب الأمس، وكذلك أساليب الحياة، فطفل اليوم طفل مدلل مدرك يتعامل مع أساليب التقنية الحديثة ويعي مايدور حوله من الانفجار المعرفي وقد يفوق معلمه استخداماً، وفوق هذا وذاك يحيطه أبواه بكل ألوان الرعاية والاهتمام، وأي تعامل قاس مع الطفل خلال هذه المرحلة قد يفقده الكثير من توازنه ويتسبب في انعكاسات سيئة على سيره التحصيلي والنفسي، ويجب على معلم هذه المرحلة أن يكسب ثقة تلميذه" .
ويقول عبدالله سعيد، معلم دراسات اجتماعية: "أتبع أسلوب عقاب مفيد جداً على الرغم من أن الكثيرين لا يلجأون إليه، فحينما يخطئ الطالب أطلب منه أن ينتقل إلى زاوية أسميها "ركن العقاب"، حيث يقف أو يجلس على كرسي محدد في جانب غرفة مفتوحة، وأقوم بإهماله لفترة تتراوح بين 5 دقائق إلى 10 دقائق، حيث أطلب من الطالب التنفيذ فوراً بهدوء وحزم، وإذا رفض آخذ بيده إلى هناك مع بيان السبب لهذه العقوبة من دون التحدث معه" .
الهجر والحرمان
أما الهجر والخصام فأسلوب يتبعه المعلم محمد أنس، معلم التربية الإسلامية، ويقول: "ربما أستخدم العصا للتهديد فقط، كوننا ممنوعين من استخدام هذه الوسيلة، كما أننا ممنوعين من التهديد بإنقاص الدرجات، وفي كل الأحوال فإن الأمر يتطلب من المعلم الكثير من الصبر والحكمه، والهجر من أفضل الأساليب التي يمكن اتباعها، حيث يمكن تجاهل الطالب يومين أو ثلاثة بحسب خطئه حتى يشعر بالذنب،كما اتبع أسلوب مدح زميله أمامه" .
ويؤكد محمد أنس أن الأسلوب الجديد في الدراسة تسبب في تراجع العقوبة إلى حد كبير،فقد تم منع الرسوب، والتهديد، ودرجة الامتحان صارت غير مؤثرة بدرجة كبيرة في معدل الطالب، وبالتالي لم يعد هناك ما يدفع المعلم للغضب والعقاب، بعكس الماضي الذي كان يتعين فيها على الطالب الحفظ والتحصيل والاستعداد للامتحان، كما تتبع المدرسة أساليب عقاب أخرى بالغة التأثير في سلوكيات الطالب، ومنها الحرمان من النادي الاجتماعي أو الالتحاق بالبطولات، او الرحلات، كما هناك عقوبة الفصل أياماً عدة، وهي جميعاً تؤتي ثمارها بشكل جيد جداً، خاصة بعد أن صار هناك وعي بأن كثرة الضرب يفقد معناه ويعزز الكراهية بين الطالب والمعلم .
لائحة السلوك الطلابي
أصدر مجلس أبوظبي للتعليم لائحة لدعم السلوك الإيجابي الطلابي على مستوى مدارس الإمارة، والتي طرحت للميدان كمرحلة تجريبية بهدف أخذ التغذية الراجعة لإجراء أي تعديلات أو تطويرات على اللائحة قبل اعتمادها بشكل نهائي، في إطار حرص المجلس على إشراك كافة الأطراف المعنية بهدف الارتقاء بالسلوك الطلابي في المدارس، حيث وضعت اللائحة إجراءات موحدة للتعامل مع حالات السلوكات الطلابية في إطار تأكيدها أهمية التزام الطلبة بالسلوك القويم، وتمكين الإدارات المدرسية في الوقت ذاته من اتخاذ الإجراءات المناسبة في حالة المخالفات السلوكية .
وخاطبت اللائحة مختلف العناصر المؤثرة في عملية متابعة سلوك الطالب من مسؤولين وإداريين ومعلمين وأولياء أمور وحددت مسؤوليات كل منهم، وركزت أيضاً على نقاط أساسية عدة، أبرزها مبدأ "أن العقاب وسيلة وليس غاية في حد ذاته"، وأن يكون العقاب الموجه للطالب يتناسب مع المرحلة الدراسية والفئة العمرية وجنس الطالب .
إضافة إلى التدرج فيه طبقاً لحجم المخالفة، كذلك حظر أنواع من العقوبات ذات التأثير البدني أو النفسي السلبي في الطالب .
عقوبات محظورة
طرحت اللائحة الإجراءات التأديبية المحظور استخدامها بالمدارس وتشمل، جميع أشكال العقاب البدني، وتخفيض الدرجات أو التهديد بذلك، العقاب الجماعي بسبب المخالفة السلوكية الفردية، وبالنسبة إلى طلبة ذوي الاحتياجات الخاصة فيتعين عليهم اتباع ذات القواعد السلوكية لأقرانهم الطبيعيين، ويجوز أن يحتاجوا إلى الحصول على قدر أكبر من المساعدة للتحصيل الدراسي واتباع القوانين، ولا يجب فرض إجراءات تأديبية أكبر عليهم للمخالفات السلوكية الصادرة عنهم، ويتعين دراسة طبيعة السلوك الصادر عنهم وتقييمه ووضع خطة علاجية في ظل اللوائح السلوكية .