اللابون جماعات تعيش وتسكن في المناطق الشمالية من روسيا وفنلندا والسويد والنرويج في خيام من القماش تفضلها على أي مسكن آخر، وهذه المناطق يغطيها الجليد والثلج بشكل شبه دائم وتعتمد جماعات اللابون على حيوان شبيه بالجمل اسمه الرنة في تنقلاتها من مكان إلى آخر بحثاً عن الطعام، وقد عرفت هذه الجماعات بمهارتها في صناعة الجلود والصوف.

وعلى الصعيد الإثني ليس للابون أية سمات مشتركة مع السويديين والنرويجيين والفنلنديين والروس لكن لغتهم تنتمي إلى مجموعة لغات الفينو أوغرية الشبيهة بلغة فنلندا ويعتقد البعض أن التحدث عن اللابون الروس أو الفنلنديين أو السويديين أو النرويجيين يعني أنهم شعوب عدة لكنها مغالطة يجب تفاديها لأن اللابون شعب واحد رغم انتشاره في هذه البلدان الأربعة كما أن تشبيههم بأسكيمو جرينلاند يعد خطأ آخر لأن اللابون يعيشون في المناطق الشمالية من البلدان الاسكندنافية ويزداد عددهم كلما اتجهنا نحو الغرب ويقدر مجموعهم بحوالي 38 ألف نسمة.

استغلال السياحة

والواقع أن ارتباط اللابون بقطعان الرنة، جعلهم لا يكترثون لزمن طويل بالحدود الاصطناعية التي تقسم أراضيهم، فهم حتى اليوم لا يحترمون هذه الحدود إلا بشكل جزئي. وفي الآونة الأخيرة اتهمت الدول الاسكندنافية بأنها تنتهك حرمة أراضي اللابون إلا أن هذه الدول تشير إلى اتخاذها كل الخطوات من أجل مساعدة اللابون وحمايتهم كما أن حكومات هذه الدول شجعت على تأسيس لجنة ثقافية لابونية تسمى السامي أتنام ومجلس السام الشمالي الذي يعنى أيضاً بشؤون اللابون الاقتصادية.

ولاشك أن هذه الحالة جعلت المستوى المعيشي للابون أدنى بكثير من مستوى حياة الإثنيات التي تشكل الأغلبيات في السويد وفنلندا والنرويج، ففي منطقة كوتوكنيو في لابوينا النرويجية حيث اللابون هم الأغلبية يساوي معدل دخل هؤلاء اللابون نصف الدخل المتوسط النرويجي، لكن اللابون النرويجيين عرفوا الاستفادة من السياحة، كما أن مهارتهم في تصنيع الجلود والعظام والصوف وهي من صناعاتهم التقليدية، أوجدت صناعة حرفية لاقت إعجاب السياح، وإضافة إلى ذلك نلاحظ أن الاسكندنافيين قد اكتشفوا جودة لحم الرنة فصار يباع في أسواق أخرى غير الأسواق المحلية.

وبسبب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية يميل اللابون إلى الحياة المستقرة حيث يصعب اليوم العثور على خيم من جلد الأيل، إلا في مناطق المراعي والانتجاع كما يصعب العثور على أكواخ من التراب، لأن اللابون أصبحوا يفضلون تلك البيوت التي تتضمن وسائل الراحة كالكهرباء والتدفئة المركزية والمياه الجارية والراديو والتلفاز بالطبع.

عادات غذائية غريبة

وعلى الرغم من أن اللابون عرفوا الحياة الحديثة واحتكوا بالمجتمع الصناعي وصار من السهل عليهم الحصول على مواد غذائية كانت بالنسبة لهم شيئاً نادراً في الماضي كالسكر والطحين والملح والفاكهة والخضر، فإن اللحوم لاتزال المادة الرئيسية في غذائهم حيث يأكل اللابون لحوم جميع الحيوانات اللبونة، ماعدا لحم الذئب كما أنهم لا يأكلون العصافير. وأكثر مأكولاتهم من لحم الرنة ما هو مسلوق لكنهم يجففون لحمه ويدخنونه حيث يسهل حفظه لفترة الانتجاع ليؤكل مشوياً. ويأكل اللابون النخاع الشوكي ممزوجاً بالكبد، وإذا صاروا اليوم يمزجون الدماء بالطحين ويعطونها لكلابهم ففي الماضي كان هذا المزيج من الدعائم الغذائية للابون أنفسهم.

أما بالنسبة للخبز، فاللابون يصنعونه من الحزاز الموجود على الصخر على أغصان بعض الأشجار وكانوا يشربون الماء لفترة طويلة لكن خشية من أن يحتوي على بيض الضفادع أو حيوانات صغيرة أخرى، فإنهم يشرقونه بواسطة مرشحة أو مصاف من الاقمشة السميكة المستخرجة من البوم أو من الأيل المولود حديثاً.

ومن الغريب أن اللابون يشربون القهوة مع قليل من الملح بدلاً من السكر، ومن أجل منحها نكهة فإنهم يضيفون إليها بعض شرائح الدهن!

شعب مسالم

أبرز ما يتميز به اللابون عن غيرهم من الشعوب هو نظامهم الاجتماعي المعتمد على السلم، فاللابون يبغضون العنف ويرفضون أي نوع من المواجهات العنيفة وبالتالي فهم بعيدون جداً عن أي نظام عسكري. ولكي يدير اللابون بعض الأمور المتعلقة بالحياة اليومية، ثمة جمعيات للتشاور مكونة من أرباب العائلات، وليست هناك أية قوانين مدونة بل تستند المحاكم القضائية إلى نظم اخلاقية يجسدها الشيوخ القدامى الذين يحترمون كلمتهم.

ويقال إن المجتمعات الاسكندنافية الحديثة استوحت قليلاً مبادىء وأسس حريتها من اللابون خاصة فيما يتعلق بالمرأة فلا يفرق هؤلاء بين المرأة والرجل لأن المرأة تساوي عندهم الرجل ولكل واحد دوره والدليل الأكبر على ذلك أن نظام انتسابهم العائلي ليس أبوياً فقط بل يمكن أن يكون أمومياً أي أن اللابوني يستطيع أن يختار الانتساب إلى والدته إذا شاء!

وينظر اللابون إلى الزواج كوسيلة لتجديد الجماعة والحفاظ عليها وتأمين استمراريتها. ويرون أن العلاقات العاطفية قبل الزواج مهمة جداً لأنها تساعد حسب رأيهم على اختيار الزوج الملائم. وهذه الحرية حسبما يرون ليست انحلالاً بل هي نتيجة لنظام تربوي حيث يعتاد الأطفال بسرعة الحس بالمسؤولية ويشعرون بأنهم مسؤولون عن أفعالهم. وتمثل حالة إنجاب الأطفال خارج إطار الزواج ظاهرة طبيعية عند اللابون وهي منتشرة جداً ولا يشكل ذلك عائقاً للزواج إذ إن إنجاب الاطفال يغني الروح وهو شيء يفتخر به.

لا يتم الاحتفال بالزواج إلا بعد سلسلة من التقاليد التي لا مفر منها فالمسيرة نحو الزواج تبدأ بإعلان رغبة الشاب والفتاة المعنيين بذلك، فيعلمان الأهل من أجل الحصول على موافقتهم، كما يعلمان الشبان الآخرين الذين كانوا يغازلون الفتاة. ويطلب الشاب من أهل الفتاة إذناً لإقامة اجتماع الخطوبة حيث يتم في هذا الاجتماع تنظيم أمور الخطبة والزواج، كما يتم تبادل حيوان الرنة بين الخطيبين، وعندما يرى الآخرون أن كل واحد منهما مع أيل الآخر، يعلمون أن زمن الخطوبة قد بدأ ويأتي الخاطب إلى هذا الاجتماع بصحبة ممثل وممثلة حيث يقوم الممثل بلعب دور المحامي ويجيب عن الاسئلة نيابة عن الخاطب في حين تقوم الممثلة بمساعدة الخاطب في فك لجام الرنة. وإذا سمح أهل الفتاة للخاطب ورفيقه بتسخين قهوة الخطوبة فيعني ذلك أنهم موافقون مبدئياً وإلا فيقولون أنهم سبق وقدموا القهوة للغرباء ما يعني عدم موافقتهم. وبعد شرب القهوة، يفتح النقاش حول عدد رؤوس الرنة التي سيحصل عليها كل من الخاطب والمخطوبة من أجل تأمين مستقبلهما الاقتصادي.

وهكذا نلاحظ أن المهر عند اللابون يقوم على هبة من أهل الشاب والفتاة من أجل تسهيل دخولهما المجتمع وانخراطهما في الحياة الاقتصادية وغالباً ما تتكون هذه الهبة من الرنة.

أما عن الطلاق فلا وجود له عند اللابون لأن الحرية الموجودة قبل الزواج غير موجودة بعده ويحل مكانها الوفاء التام بين الزوجين.