تجمعنا ندوة الثقافة والعلوم مشكورة أكثر من مرة في الشهر للاستماع إلى محاضرة أو حديث في فنون المعرفة.. وكان المتحدث أو المحاضر في أحد الأسابيع الماضية، هو الأستاذ الدكتور عبد العزيز المسلّم، والأستاذ عبد العزيز باحث معروف في متابعته لتاريخ التراث الشعبي في الإمارات، وله باع طويل ومؤلفات في هذا المجال، وكان عنوان الحديث: «مفردات غريبة في اللهجة الإماراتية»، ولكن حديث الأستاذ المسلّم رغم إسهابه وتكرار معانيه ومراميه لم يكن في رأيي بالشيء الجديد الذي يستفاد منه كثيراً فيما يتعلق بالتأصيل الثقافي كما هي العادة في الأحاديث والندوات التي تقام في الأندية الثقافية، وعلى رأسها ندوة الثقافة والعلوم.. فكل ما قيل في حديث الدكتور عبد العزيز المسلّم أن اللهجة الإماراتية لم تبق كما كانت عليه قبل أن يختلط أهل الإمارات بغيرهم من الوافدين، لاسيما إذا كان هؤلاء الوافدون غير عرب. وقد أشار إليهم المحاضر بأنهم من الشعوب القريبة جغرافياً إلى الإمارات، ولم يوضح أسماء هؤلاء الوافدين ولكن كل منا عرف أنه يقصد شعوباً كالفرس والهنود أو من وفدوا من السواحل الشرقية لإفريقيا، وهي الشعوب التي تربطها بالإمارات القديمة والحديثة روابط تجارية واجتماعية قديمة العهد ترجع إلى عهد ما قبل الإسلام، وقد يكون هذا الارتباط عرقياً أيضاً في كثير من الحالات، وخاصة ساحل فارس للقرب الجغرافي والاختلاط الديموغرافي، وتأثير الدين والتقارب الفقهي والروابط التاريخية التي أحدثها الانتقال من وإلى الساحلين العربي والفارسي.. واختيار الأستاذ عبد العزيز المسلّم لبعض الأميين والبسطاء من ساحل فارس وساحل إفريقيا والهند للتلفظ باللهجة الإماراتية لا يعكس واقع الحال الذي أشرنا إليه، وبالذات الساحل الفارسي وجزره من مضيق هرمز غرباً، حتى سيراف والمناطق الغربية المجاورة لها، فقد كان تبادل الفقهاء وعلماء الشريعة وربابنة السفن وملاحيها والتجار الضليعين في التجارة البينية والنواخذة والسيوب والغواصين متبادلاً بين الساحلين على بحر الخليج بشكل لا يدع مجالاً للتشكيك في أن العربية الخليجية ولهجاتها قد اكتسبت الغربة والغرابة.
كما أن بلاد الهند وأسواقها وإمكاناتها البشرية والمادية الهائلة أخذت وأعطت، وتعطي وتأخذ ما ليس في مقدور أحد أن يدخل معها في ميدان المنافسة.. وقس على ذلك أهل الساحل الإفريقي الذين قدموا إلى الخليج أو أستُقدموا إليه منذ القرن السابع عشر الميلادي، والذين يشكلون في الديموغرافية الخليجية ما يقارب 15% على الأقل، وهؤلاء أعطوا للمنطقة وأعمالها في الغوص والخدمات المنزلية والحراسة و«النطارة» مالا نستطيع تجاهله، مهما جرتنا إلى الخلف الأحاسيس غير المدنية تجاه هؤلاء أو غيرهم ممن ساهموا في حضرية المجتمع الخليجي عامة والمجتمع الإماراتي خاصة..
ومن الطبيعي أن تتغير اللهجة من مفردات لغوية محدودة التراكيب والمعاني إلى لهجة أوسع في مفرداتها ومصطلحاتها وتراكيبها اللغوية نتيجة إنشاء التعليم واحتكاك الإماراتيين والخليجيين على السواء بغيرهم من العرب وبشعوب أخرى، فنحن اليوم حتى في أحاديثنا اليومية العادية أقرب إلى العربية الفصحى منها إلى اللهجة العامية الصرفة، التي كان يتحدث بها الناس قبل سبعين عاماً على سبيل المثال.. ولا أعتقد أنه يغيب عن بال أحد منا، ما لم يشد بنا شعور الفئوية القومية غير المرنة، أنه أصبح من الصعوبة بمكان التمييز بين لهجة قوم وغيرهم، أو فرد وآخر عند الحديث عن أي موضوع يخص المجتمع الإماراتي.. أو أي مجتمع خليجي آخر.. ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن هناك تبايناً في اللهجات المحلية حتى في البلد الواحد..