ذكر أهل العلم أقوالاً في معنى الحج المبرور وكلها متقاربة المعنى، وترجع إلى معنى واحد وهو أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل .
وأول الأمور التي يكون بها الحج مبروراً، ميزان الأعمال وأساس قبولها عند الله وهو إخلاص العمل لله والمتابعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغِيَ به وجْهُه، فعليك - أخي الحاج- أن تفتش في نفسك، وأن تتفقد نيتك، ولتحذر كل الحذر من أي نية فاسدة تحبط العمل، وتذهب الأجر والثواب، كالرياء والسمعة وحب المدح والثناء والمكانة عند الخلق، فقد حج نبينا عليه الصلاة والسلام على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم ثم قال: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة) كما روى ابن ماجة .
من الأمور التي تعين العبد على أن يكون حجه مبروراً الإعداد وتهيئة النفس قبل الحج، وذلك بالتوبة النصوح، واختيار النفقة الحلال والرفقة الصالحة، وأن يتحلل من حقوق العباد، إلى غير ذلك مما هو مذكور في آداب الحج .
ومن علامات الحج المبرور طيب المعشر، وحسن الخلق، وبذل المعروف، والإحسان إلى الناس بشتى وجوه الإحسان، من كلمة طيبة، أو إنفاق للمال، أو تعليم لجاهل، أو إرشاد لضال، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن البر شيء هين، وجه طليق وكلام لين .
ولادة جديدة
قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (مَن حج فلم يرفُث ولم يفسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) . وسئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: ما الحج المبرور؟ فقال: أن تعود زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، فليكن حجكم حاجزاً لكم عن مواقع الهلكة، ومانعاً لكم من المزالق المتلفة، وباعثاً لكم إلى المزيد من الخيرات وفعل الصالحات، واعلموا أن المؤمن ليس له منتهى من صالح العمل إلا حلول الأجل .
ما أجمل أن يعود الحاج بعد حجه إلى أهله ووطنه بالخلق الأكمل، طاهر الفؤاد، ناهجاً منهج الحق والعدل والسداد، ومن يعود بعد الحج بتلك الصفات الجميلة هو حقاً من استفاد من الحج وأسراره ودروسه وآثاره .
إن الحاج منذ أن يُلبي وحتى يقضي حجه وينتهي فإن كل أعمال حجه ومناسكه تعرفه بالله، تذكره بحقوقه وخصائص ألوهيته، فعندما يستقر التوحيد في أعماق النفس الإنسانية تتبدى لها سلوكيات راقيَة وأقوال حكيمة وأفعال خَيِّرة، وتتوالى أركان الإسلام بأنوارِها من الصلاة والصيام والزكاة، ويأتي الحج ليمثِّل قمة هذا الإيمان والإسلام تشريعاً وواقعاً . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمَن استطاع إليه سبيلاً .
ولذلك كان من أول ما يلزم للحجِّ هو النيّة الطاهرة الصادقة التي يعزم فيها المسلم على الرحيل إلى ربه بنفس مؤمنة، وذات تائبة، وهمّة معرضة عن الشهوات والملذات، مقبلة على الطاعات والقربات، لأنه سيحل ضيفاً على ربه عزّ وجلّ، حول بيته الذي جعله الله مباركاً وهدى للعالمين .
فالحج فريضة العمر للمسلم، والإيمان والإسلام يبدآن بكلمة التوحيد الخالص: لا إله إلا الله، تلك الكلمة التي جاهد عليها الأنبياء جميعاً، فقد قالوا لأقوامهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل ما قلتُه أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله .
خصال البر
ومن أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج -كما يقول ابن رجب - ما وصَّى به النبي - صلى الله عليه وسلم- أبا جُرَيٍّ الهجيمي حين قال له: لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تنزع من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاك فتسلم عليه، ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض (رواه أحمد) .
وهناك فرق كبير بين من يحج وهو يستحضر أنه يؤدي شعيرة من شعائر الله، وأن هذه المواقف قد وقفها قبله الأنبياء والعلماء والصالحون، فيذكر بحجه يوم يجتمع العباد للعرض على الله، وبين من يحج على سبيل العادة، أو للسياحة والنزهة، أو لمجرد أن يسقط الفرض عنه .
وللحج حكمٌ وأسرار ومعان ينبغي للحاج أن يقف عندها، وأن يمعن النظر فيها، وأن يستشعرها وهو يؤدي هذه الفريضة، حتى يحقق الحج مقصوده وآثاره .
فالحج من أعظم المواسم التي يتربى فيها العبد على تقوى الله عز وجل، وتعظيم شعائره وحرماته، قال تعالى في آيات الحج: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (الحج:32)، وأَمَرَ الحجيج بالتزود من التقوى، فقال سبحانه: الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (البقرة:197)، وبين أن المعنى الذي شرع من أجله الهدي والأضاحي إنما هو تحصيل هذه التقوى، فقال سبحانه: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم (الحج: 37) .
معان خاصة
لقد شرع الله العبادات والشعائر لحكم عظيمة وغايات جليلة، فهي تزكي النفوس، وتطهر القلوب، وتقرب العباد من ربهم جل وعلا، وهناك معانٍ مشتركة تشترك فيها جميع العبادات، كما أن هناك معاني خاصة تختص بها كل عبادة على حدة، ومن هذه العبادات العظيمة عبادة الحج فهو يربي العبد على معاني العبودية والاستسلام والانقياد لشرع الله .
ولكل عمل من أعمال المناسك سر ينطوي عليه ومعنى يرمز إليه يجب أن يلتفت إليه المسلم وهو يؤدي صورة هذه الأعمال، فما الإحرام في حقيقته وهو أول المناسك إلا التجرد من شهوات النفس والهوى، وحبسها عن كل ما سوى الله وعلى التفكير في جلاله .
وما التلبية إلا شهادة على النفس بهذا التجرد وبالتزام الطاعة والامتثال، وما الطواف بعد التجرد إلا دوران القلب حول قدسية الله صنع المحب الهائم مع المحبوب المنعم الذي ترى نعمه ولا تدرك ذاته .
والطواف حول الكعبة المشرفة ليس بترديد كلمات خلف المطوّف بصوت جهوري كأسطوانة قديمة ضاع فيها الحس والشعور، كما أنه لا يعني هذه الحركة الجسمانية التي يزاحم بها الحاج أخاه، لكنه يعني التفاف القلوب ودورانها حول قدسية الله بكلمات وأدعية علَّمنا إيَّاها معلم الإنسانية صلى الله عليه وسلم تبثها من أعماق روحك، تظهر فيها خضوعك، راجياً فيها حاجتك من خالقك الذي لا يستطيع قضاءها سواه سبحانه، وألا تجعل بينك وبينه حاجزاً وفاصلاً، فهو وحده القريب السميع المجيب .
وما السعي بعد هذا الطواف إلا التردد بين علمي الرحمة التماساً للمغفرة والرضوان، أي أنه لا يعني فقط قطع هذه المسافة ماشياً أو مجرد الهرولة بين الميلين الأخضرين، بل استمطار البركات من الحنان المنان .
وما الوقوف بعرفة بعد السعي إلا بذل المهج في الضراعة بقلوب مملوءة بالخشية وأيد مرفوعة بالرجاء وألسنة مشغولة بالدعاء وآمال صادقة في أرحم الراحمين، وما الرمي بعد هذه الخطوات التي تشرق بها على القلوب أنوار ربها إلا رمز مقت واحتقار لعوامل الشر ونزعات النفس، وإلا رمز مادي لصدق العزيمة في تجنب الهوى المفسد للأفراد والجماعات وطرد وساوس الشيطان الرجيم، بعدما أصبحنا في عصر يرجم فيه الأشقياء طهارة الأتقياء، وما الذبح وهو الخاتمة في درَج الترقّي إلى مكانة الطهر والصفاء إلا إراقة دم الرذيلة بيد اشتدَّ ساعدها في بناء الفضيلة، ورمز للتضحية والفداء على مشهد من جند الله الأبرار الأطهار .
إن المسلم بذلك يسجل على نفسه الاعتراف بوحدانية الله في الملك والسلطان، في الفضل والأنعام، في التدبير والتصرف، في استحقاق الفضل والثناء .
لبيك اللهم لبيك فأنا الواقف ببابك المتسمع لأوامرك المسارع إلى إجابتك والمقيم عليها من دون تحول أو تردد .
وحدة المسلمين
والحج موسم عظيم، تتجسد فيه وحدة المسلمين في أبهى مظاهرها وأجمل حللها، حيث تذوب الفوارق، وتتلاشى الحواجز، ويجتمع المسلمون في مشهد جليل، يبعث على السرور، ويسعد النفوس ويبهج الأرواح، فالمسلمون من جميع أقطار الأرض يجتمعون حول هذا البيت العتيق، الذي يتجهون إليه كل يوم خمس مرات، من خلال صلواتهم، ويرى بعضهم بعضاً، ويتصافحون ويتشاورون ويتحابّون، وقد خلعوا تلك الملابس المختلفة والمتباينة من على أجسادهم، ووحدوا لباسهم، ليجتمع بياض الثياب مع بياض القلوب، وصفاء الظاهر مع صفاء الباطن .
إنها لحظات رائعة جميلة وهم يتحركون جميعاً من منى، ثم يقفون ذلك الموقف العظيم في عرفة وقد اتحدوا في المكان والزمان واللباس والوجهة .
فالقِبلة واحدة، والربُّ واحد، والمشاعر واحدة، واللباس واحد، وكل هذه الأمور تجتمع في هذا الموسم المبارك، وهي مدعاة للإحساس بوحدة الشعور، وموجبة لتعزيز التآخي، والتعارف بين المسلمين، ومشاطرة الآلام والآمال، والتعاون على مصالح الدين والدنيا .