للتكفيريين أدوات ومفردات يعتمدون عليها في مواجهة المجتمع، ومطاردة كل أفراده بأحكام قاسية لا يقرها دين ولا عرف، لأن أحكامهم ظالمة ومفاهيمهم مغلوطة، ومصطلحاتهم لا يضبطها ضابط شرعي أو أخلاقي .
ومن أكثر المصطلحات التي ترد على ألسنة التكفيريين إلى جانب اصطلاح "الكفر" الفسوق والعصيان، حيث جمع الحق سبحانه وتعالى بين هذه القبائح في آية واحدة وهي قوله عز وجل: "وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان" .
ولأنهم لا يدركون ضابط كل مصطلح ولا التوصيف الصحيح له، فهم يتسرعون ويحكمون على خلق الله مرة بالكفر، ومرة بالفسوق، ومرة بالعصيان، ولجهلهم الفاضح لا يفرقون بين الرذائل الثلاث، التي يعاقب الخالق كل من يقترفها بما يستحق من عقاب .
والأسئلة التي تفرض نفسها هنا: ما الفسوق؟ وما العصيان اللذان يعاقب الخالق عز وجل كل من يقترفهما؟ وما الفرق بين الرذيلتين؟ وما الفرق بينهما وبين الكفر؟
يقول العالم الأزهري د . بكر زكي عوض عميد كلية أصول الدين بالأزهر: الفسوق هو الخروج عن حد الشرع، وهو أعم من الكفر، لأن الكفر خروج عن حد الإيمان، أما الفسق فخروج عن الحدود أياً كانت ومنها حدود التكاليف العملية لا الاعتقادية .

من هو الفاسق؟

والفسق الذي يتردد كثيراً على ألسنة التكفيريين والمتشددين يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير منها، لكن عرف فيما كان كثيراً، وأكثر ما يقال "الفاسق" لمن التزم حكم الشرع وأقر به ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضها، وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضته الفطرة، كما قال الله تعالى في شأن إبليس "ففسق عن أمر ربه"، وفي شأن المترفين "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها"، وقال عز وجل: "أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً" أي كافراً، وقال: "ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" .
ويطلق "الفاسق" على المؤمن العاصي، كما ورد في قول الحق سبحانه: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون" . وقال عز وجل في سورة الحجرات: "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن، ولا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" .
هذه النصوص القرآنية توضح أن الفاسق أعم من الكافر، والظالم أعم من الفاسق، لأن الظلم يقع ولو بقليل من الذنوب، كما يحصل بالكفر الذي ليس فيه رفض لما قبله . قال تعالى: "والكافرون هم الظالمون"، كما أن الظلم فيه إيذاء للغير غالباً، وإن كان فيه إيذاء للنفس كما قال تعالى: "ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"، وذلك لأنه قصر في حقها بعدم تكميلها وبتعريضها للعقاب . وقال الحق سبحانه في الظلم الواقع من الإنسان على غيره: "وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون"، وقال في شأن اليهود الذين لم يحكموا بما في التوراة من قصاص عادل في الجرائم: "ومن لم يحكم بما أنزل الله أولئك هم الظالمون"، وقال القرآن أيضاً عن أهل الإنجيل: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"، فالفسق يكون بالكفر وبالمعاصي الأخرى سواء منها ما تعدى النفس وما لم يتعدها .
وأخيراً لا بد من القول: إن هؤلاء المتشددين البعيدين عن سماحة الإسلام ورحمته، يغلقون أبواب الأمل أمام المذنبين باتهاماتهم الظالمة لعباد الله .

مدلول العصيان

وكما أساء التكفيريون التعامل مع مصطلح "الفسق"، وأطلقوا لقب "فاسق" على كل من لا يرون في سلوكه التزاماً على هواهم من دون أن يدركوا ما يصفون به الناس، فقد أساؤوا أيضاً التعامل مع مصطلح "العصيان"، فكل من لم يلتزم بمفاهيمهم الخاطئة ورؤاهم الضيقة هو في نظرهم "عاصٍ"، ويستحق غضب الله وعقابه، بل وقد يستحلون دمه باعتباره خارجاً عن دائرة الإيمان، على حد قول أستاذ العقيدة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين بالأزهر د .حذيفة محمد المسير، والذي يعرفنا بمدلول "العصيان" كما أشارت إليه وأوضحته النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة فيقول: العصيان هو الخروج عن طاعة الله، وهو يتداخل مع الفسق في أن كلاً منهما خروج عن حدود الله، وإن كان الفسق يكون في الخروج الكثير وبالمعاصي الكبرى .
ويحصل العصيان بالكفر كما قال تعالى في شأن فرعون عند غرقه وإعلان إيمانه، "آلآن وقد عصيت وكنت من المفسدين"، ويحصل العصيان بما هو دون ذلك من الذنوب كما قال تعالى فى شأن آدم بعد أن نسي عهد ربه، وأكل من الشجرة: "وعصى آدم ربه فغوى" .

كبائر . . وصغائر

الفقيه الأزهري الشيخ علي أبو الحسن الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر يوضح أصناف وأنواع المعاصي فيقول: "المعاصي نوعان: كبائر وصغائر، وكل معصية في حق الله كبيرة والمعاصي الكبيرة والصغيرة وردت الإشارة إليهما في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً"، وقال عز وجل: "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة"، وجاء في الحديث الصحيح أن من أكبر الكبائر، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور .
ويوضح الشيخ أبو الحسن أن علماء وفقهاء الإسلام أوضحوا الفوارق بين الكبائر والصغائر، ومن أقوالهم في هذا الأمر أن الكبائر ما جعل الله لها عقوبة في الدنيا كالقتل والسرقة والزنى وشرب الخمر والقذف، أو جعل لها وعيداً شديداً بالعذاب في الآخرة بالنار أو الغضب واللعن، كأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وأكل الربا، ولكنهم اختلفوا في حصرها .
ويشير الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر إلى أن كل إنسان مُعرض لفعل المعاصي بحكم تكوينه وتربيته وعلاقته بدينه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، ومن رحمة الله بعباده أنه فتح أبواب التوبة أمام عباده العصاة، ولم يطردهم من رحمته بل جعل لكل عاص فرصة وأكثر للعودة إلى الله بالتوبة من الكفر بالإيمان، ومن كبائر الذنوب بالندم والعزم على عدم العودة ورد الحقوق إلى أصحابها، والتخلص من صغائر الذنوب بالتوبة والإكثار من عمل الصالحات، قال تعالى: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف"، وقال سبحانه فاتحاً باب التوبة أمام كل عباده على مصراعيه: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى"، وقال عز وجل: "إن الحسنات يذهبن السيئات"، وقال صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"، إلى غير ذلك من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، التي تؤكد رحمة الخالق بعباده وحثهم على التقرب إليه بالطاعة والعبادة وفعل الخيرات .

رحمة الخالق بالعصاة

وينبه الشيخ أبو الحسن إلى مظهر آخر من مظاهر رحمة الله بعباده العصاة، وهو عدم التعجيل بعقوبتهم، كما يشير إلى ذلك النص القرآني: "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى"، بل يترك سبحانه لعباده العاصين الفرصة ليتوبوا إلى آخر لحظة في حياتهم الخاصة، وفي حياتهم العامة بظهور علامات الساعة عند طلوع الشمس من مغربها، وهو سبحانه لا يرد عبده خائباً إذا ما وقف ببابه يطلب عفوه ورحمته في أي وقت بالليل أو النهار، وقد ورد في ذلك العديد من الأحاديث الصحيحة .
ويتساءل الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر قائلاً: إذا كانت هذه هي رحمة الله العليم بعباده وبمدى ما يبذلون من جهد ضد الشيطان والنفس والمغريات الأخرى، فكيف يغلق المتشددون والتكفيريون كل أبواب العفو والرحمة في وجوه العصاة استناداً لمفاهيم خاطئة؟
ويضيف: من مصائب هؤلاء المتشددين أنهم يضيقون على الناس ما وسعه الله عليهم، ويتسرعون في الحكم عليهم بالكفر أو الفسق أو العصيان من دون بيّنة وبراهين دامغة على ذلك .
إن هؤلاء المضيقين على عباد الله لا يدركون معنى قول الحق سبحانه: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم"، وهو القائل فيمن يموتون على عصيانهم ولم يتوبوا: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" .
وهو القائل في الحديث القدسي الصحيح: "من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه هرولة"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى عليّ . . يحلف . . ألا أغفر له؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك" .


رفقاً بالمسلمين

ويخاطب الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر هؤلاء التكفيريين والمتشددين من أصحاب العقول المغلقة، والنفوس المشحونة بالغضب والكراهية لكل خلق الله بسبب فكرهم الخارج عن سماحة الإسلام وعدله ورحمته، فيقول: رفقاً بنا وبالمجتمع الإسلامي كله، إنكم تضيقون ما وسعه الله وتغلقون أبواب الرحمة التي فتحها الخالق لكل عباده العاصين وحتى الكافرين، أنا مشفق عليكم من عذاب الله وعقابه الشديد بسبب ما ترتكبون من جرائم ضد دينكم وضد المسلمين .
إن المسلم الملتزم بدينه يحسن الظن بالناس ولا يحكم عليهم بشيء حتى يتبين أمرهم، اتركوا مفاهيمكم الخاطئة ورؤاكم الضيقة لدين الله وعودوا إلى دين الله الرحب، لا تسيئوا الظن بخلق الله لأن خالق الجميع والمطلع على ما في القلوب سوف يحاسبكم على ذلك حساباً عسيراً .
تذكروا دائماً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار" .
تذكروا أيها المتسرعون في الحكم على الناس من دون بيّنة واتهامهم بالكفر والفسق والعصيان ظلماً وعدواناً ما قاله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي وصف مالكاً بأنه "منافق لا يحب الله ورسوله" فقال له رادعاً ومعلماً ومربياً: "لا تقل ذلك، ألا تراه قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" . وعندما رد عليه الرجل قائلاً: فوالله ما ترى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين، رد عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاسماً هذا الأمر: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" .
إن رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على من شكك في إيمان مالك، يؤكد أن إيمان الإنسان بالخالق ونطقه بالشهادتين يكفيان لعدم خلوده في النار، وأن هذه فرصة لكل مسلم لكي يراجع نفسه ويكف عن معاصيه طمعاً في عفو الله ورحمته، ولكن لو عرف المسلم أنه داخل النار بسبب عصيانه وفسقه وذنوبه حتى لو تاب منها، فلماذا يتعب نفسه ويتوب ويحرم نفسه من لذة المعاصي التي يزينها له الشيطان؟ سوف يتمادى المسلم في غيه لو أغلقنا باب الرحمة في وجهه .
ارحموا عباد الله . . يرحمكم الله . . وكفوا عن اتهام الناس بالفكر والفسق والعصيان والنفاق ظلماً وعدواناً .