تعود الشاب أن يجلس كل ليلة مع أصدقائه على أحد المقاهي في حي الهرم بمحافظة الجيزة المصرية، ليروي لهم جانبا من مغامراته النسائية وينقل لهم تفاصيل ما يحدث مع الفتيات من سلوكيات مرفوضة شرعا وعرفا ومدانة من معظم الشباب الذين يجالسونه، أو بمعنى أصح يفرض نفسه عليهم . لم يستجب الشاب، وهو طالب جامعي، لنصيحة بعض أصدقائه بالكف عن هذه السلوكيات المحرمة شرعا، أو على الأقل عدم الحديث عنها، ورددوا على أسماعه أكثر من مرة عبارة إذا بليتم فاستتروا . . ولكنه لم يرتدع عن الحرام الذي يعترف به ولم يكف عن التفاخر به، الأمر الذي استفز بعض جلسائه فتشاجروا معه بعد روايته مغامرة جديدة مع فتاة من الشارع، وأشبعوه ضرباً لينقل إلى المستشفى في حالة حرجة للغاية ليلفظ أنفاسه بعد وصوله بدقائق .
هذه الواقعة التي حدثت مؤخراً تجسيد واضح لرذيلة المجاهرة بالمعاصي التي أدمنها بعض الشباب المنفلتين الأمر الذي يستدعي معرفة موقف الشرع من سلوك هؤلاء والعقوبات الإلهية التي تنتظرهم وخطورة سلوكهم الهمجي على الآخرين .
في البداية يدين د . نصر فريد واصل، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، مفتي مصر الأسبق، سلوك هذا الشاب الطائش الذي ارتكب محرمات وتفاخر بها في جلساته مع أقرانه من دون أن يخاف من خالقه ومن دون أن يخجل من الناس ويستجيب لنصائحهم . . ويقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرنا في أحاديث صحيحة من كل ما هو حرام، كما حذر العصاة الذين لم يكرمهم الله بالتوبة بعد من المجاهرة بالمعصية فقال: كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملا بالليل فيستره ربه ثم يصبح فيكشف ستر الله عنه .
التمادي في العصيان
ويضيف: هذا التوجيه النبوي الشريف يبين أن جميع المؤمنين مشمولون بعفو الله ورحمته إذا استقاموا على الطريق المستقيم، فامتثلوا لأوامره، ولم يتجاوزوا حدوده، وإذا وقعت منهم خطيئة شعروا بالتقصير، واستحوا من الله فأسرعوا إلى الندم والتوبة، واستحوا من الناس أن ينكشف سترهم ويظهر خطؤهم، وأقبلوا بعد التوبة على الله يستمطرون رحمته، ويلتمسون عفوه . . قال الله في صفات المتقين: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران: 135) .
أما الذين يخطئون ولا يبالون بخطورة الذنب، لضعف الإيمان في نفوسهم وعدم استشعارهم خوف الله وسطوته، ويتمادون في العصيان فلا يرضون أن يكونوا مستورين عن الناس، بعيدين عن علمهم، بل يحاولون إظهاره وإشاعته، متحدين بذلك شعور الجماعة ملبسين سلوكهم ثوب الشجاعة والجرأة والرجولة والتحرر والتمدن، هؤلاء المجاهرون كما وصفهم الداعية والفقيه د .واصل بعيدون عن رحمة الله ما دامت نفوسهم منطوية على شعور الكبر والتحدي والغرور والاستهتار، وهم بعملهم هذا قد ارتكبوا عدة أخطاء لكل منها خطورته وعقابه .
إن المجاهرين بالمعاصي كما يوضح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا التوجيه النبوي الكريم يهتكون ستره عليهم، ويقفون منه موقف التحدي والاستكبار، يقولون في أنفسهم: لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (المجادلة: 8) .
والمجاهرون بالمعاصي يحركون في الناس الرغبة إلى الشر، فهم يدعون إلى المنكر، ويحرصون عليه، ويهزؤون بالمعروف، ويصدون عنه، وهذا سلوك المنافقين المذكور في قوله سبحانه: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ (التوبة: 67) .
والمجاهرون بالمعاصي يحملون أوزارهم وأوزار من قلدهم وسار على نهجهم، ففي الحديث الشريف: من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة .
انتهاك لحرمة المجتمع
د .علي جمعة، مفتي مصر، يؤكد أن المجاهرة بالمعاصي دليل على موت القلب النابض بالإيمان، وبرهان قاطع على الاستهتار بأحكام وتعاليم الشريعة الإسلامية . . ويقول: لا يجوز لمسلم يؤمن بالله وبرسله وباليوم الآخر أن يقترف هذا الإثم، ويردد على أسماع الناس أو ينشر بينهم كلاما أو صورا تكشف عن معاص وذنوب وجرائم أخلاقية مثل التي نسمع عن تداولها الآن عبر الانترنت، والذي يفعل ذلك مستهتر وعابث بتعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقياته .
ويضيف: لا تعد هذه الجرأة من باب الحرية الشخصية، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام، لأن المجاهرة بالمعصية حرام فضلا عن أنها خروج عن الذوق العام في بلاد المسلمين وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام أحكام شريعته، وعلى المسلم إذا ابتلي بهذا المرض أن يتوارى حتى لا يكون ذنبه ذنبين وجريمته جريمتين .
لكن د . جمعة يرفض أيضاً سلوك الشباب الذين اعتدوا على هذا الشاب المستهتر، ويقول: هؤلاء ارتكبوا جرما غير مبرر وكان الأولى بهم استمرار تقديم النصح له بالحكمة والموعظة الحسنة كي يكف عن هذا السلوك الشاذ .
ويشير د .جمعة إلى أن معظم الذين يجاهرون بالمعاصي ويفتخرون بها يعانون من أمراض نفسية . . فهؤلاء لديهم انفصام في الشخصية ويحتاجون إلى علاج نفسي قبل العلاج الأخلاقي .
كتمان الذنوب
ويوضح د . محمد نبيل غنايم أن شريعة الإسلام تجرم إظهار المعاصي والإعلان عنها، وتأمر المسلم بإخفائها إن وقعت، وكتمانها عن الغير ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا، وذلك ليس مراء للناس ولا طلبا لثنائهم، وظهورا بصورة يحبونها، وإن كانت غير صورته الحقيقية . . وإنما لأن المجاهرة بالذنوب أو الإعلان عنها يؤدي إلى مفاسد كثيرة تلحق الضرر بالإنسان والمجتمع .
ومن هنا ذكر العلماء أننا مأمورون بكتمان الذنوب وكراهة اطلاع الناس على العيوب لأسباب كثيرة، منها:
لأننا مأمورون بأن نستتر الله إذا ابتلينا بالمعاصي، ولا نفضح أنفسنا، وفي الحديث: اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى .
ومن أجل هذا يكره المرء ظهور المعصية من غيره، كما يكرهها من نفسه، وفي الصحيح: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه . . ومفهومه: أن يكره له ما يكره لنفسه .
للتحامي عن هتك الستر، فالنفس متى ألفت ظهور الذنوب، زاد انهماكها فيها، واسترسلت في شهواتها بارتكابها، ولم تبال باجتنابها .
وهذا الخوف من هتك الستر في الدنيا يتبعه خوف من الهتك في الآخرة، وهو أشد وأخزى .
لئلا يقلده غيره فيكون سببا في انتشار المعاصي في الأرض، وتجرؤ الناس عليها، فحسبه أن يتورط هو في المعصية ويسأل الله التوبة، والمغفرة، ولكن لا يظهرها فتشيع وتتسع .
ليكون في مظنة العفو والمعافاة من الله تعالى، ولا يدخل في زمرة المتبجحين المجاهرين بالسوء، المتفاخرين بما ارتكبوا من موبقات وما اصطنعوا من مغامرات .
ليكون من أهل الحياء، الذين يمنعهم حياؤهم وسلامة طبعهم من إظهار المعصية، وفي الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء . . فقال: دعه فإن الحياء من الإيمان وفيهما عن أبي هريرة: الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان .
وفيهما عن عمران بن حصين: الحياء لا يأتي إلا بخير .
ليدخل في زمرة المشهود لهم من الأمة بالخير، والناس شهداء الله في الأرض، وكما قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة في جنازة مرت فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت وأخرى قالوا عنها شرا . . فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب: ما وجبت؟ قال: هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، وأنتم شهداء الله في الأرض .
وقال عليه الصلاة والسلام: ما من مسلم يموت يشهد له أهل أربعة أبيات من جيرانه الأدنين: أنهم لا يعلمون إلا خيرا، إلا قال الله: قد قبلت علمكم فيه، وغفرت له ما لا تعلمون .
لئلا يتسبب في ذم الناس له، فيقعون في المعصية بسبب هذا الذم، أو بتجاوزهم الحد، حتى يذم بما ليس فيه، أو بأكثر مما فعل .
لئلا يتألم بذم الناس إذا اطلعوا على معصيته، فإن الذم مؤلم للقلب، وهذا أمر فطر عليه الإنسان .
لخوفه من أن يقصد بسوء أو أذى إذا ظهرت معصيته، ولا حرج على المسلم أن يجنب نفسه الأذى بتجنب أسبابه ما استطاع .