ملف أعده: إيمان عبدالله وعبدالعليم حريص
الموت، أو السجن، أو مستشفى الأمراض العقلية، هذه هي نهاية كل مدمن مخدرات، ولا نهاية رابعة، إلا لمن أدرك خطورة ذلك وقرر العلاج والخروج من المستنقع، والمادة 43 من القانون الاتحادي لمكافحة المخدرات تنص على أنه لا تقام الدعوى الجزائية على من يتقدم من متعاطيي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية من تلقاء نفسه إلى وحدة علاج الإدمان طالبا العلاج"، وهذه تعد فرصة لكل متعاط ليبدأ فعلياً رحلة العلاج، ليترك ويطرق أبواب التأهيل . وفي 26 يونيو/حزيران الذي يعد اليوم العالمي لمكافحة المخدرات والاتجار غير المشروع بها، تقف المؤسسات والدول من أجل مكافحة هذه الآفة، والتوعية والوقاية، علها تشهد فعلياً تناقصاً في أعداد المدمنين .
الأعراض واحدة، والعلامات متشابهة، وإن اختلفت الشخصيات، ولو تجولنا في أروقة مراكز التأهيل فسنجد شباباً في أعمار الزهور يخضعون للعلاج من الإدمان، وأسرهم يترددون ذهابا وإيابا ويدعمونهم معنوياً ونفسياً، ليخرجوهم من مستنقع الإدمان، وفي ذاكرتهم العديد من القصص المريبة والأحداث التي يودون لو تمحى من ذاكرتهم عن قصة إدمان أبنائهم ورحلة العذاب التي عاشوها حتى استطاعوا نقلهم لمراكز الإدمان، وآخرون خسروا أبناءهم من وراء الإدمان، وفي هذه السطور نستعرض عددا من قصص أولياء الأمور مع رحلة الكشف عن إدمان أبنائهم، علها تكون سبيلاً للتوعية، وليدرك المدمنون مدى عذاب الأهالي من جراء سلوكهم .

قصص السقوط عذاب للأهل والأبناء

ثقة "م . ع" المطلقة بابنه، جعلته يسمح له بالسفر مع أصدقائه، ويتغيب لأسابيع عن المنزل، لتكون المصيبة مع رفاق السوء، الذين سحبوه إلى مستنقع الإدمان، والوالد مطمئن برحلة ابنه وتجوله في الأماكن الجميلة، ويقول: "بعد عودة ابني من السفر، وجدته تغير كثيراً، وهذا أشعرني بالقلق، سلوكه تبدل، وحياته انقلبت، والتزامه انعدم، والشحوب ظاهر على وجهه، والثقل في الكلام، وكل تلك العلامات جعلتني اشك أنه يتعاطى، اتصلت على المعنيين في الجهات الحكومية لأتأكد من الأعراض، وشرحهم أكد لي أن ابني كان ضحية رفاق السوء، فأخذته إلى مركز تأهيل المدمنين حتى أجد باباً لعلاجه، وفي المركز اعترف ابني بكل ما فعله بالغربة مع رفاق السوء، ويخضع حالياً للعلاج من الإدمان، وأتمنى أن يتعافى وتعود حياته كما كانت" .
أن تصل العقاقير إلى طلبة المدارس، فهنا المصيبة والكارثة، ليحكي لنا الوالد "ر . ن" عن ملاحظته إهمال ابنه لدراسته بشكل مفاجئ، وشكاوى مدرسيه بشكل مستمر، وهذا الأمر دفع الابن لخداع والده بقوله إنه يشعر بالتوتر والقلق ويطلب منه أن يصطحبه إلى إحدى العيادات الخاصة، لتكون النتيجة تناول الطالب العقاقير المخدرة، والإدمان عليها، وذلك بسبب الثقة الزائدة من الوالد وعدم تفكيره للحظة تكليف نفسه عناء النزول من السيارة ومرافقة ابنه إلى غرفة الطبيب، إلى أن وقع الطالب في قبضة رجال الأمن، وبدأت قصة معاناة الأب وصدمته نتيجة ثقته الزائدة، ويقول: "لم أدرك خطورة بعض العيادات الخاصة إلا بعد أن وقعت ضحية، وأتمنى إحكام الرقابة على تلك العيادات التي تصرف عقاقير مخدرة للشباب من أجل الربح السريع" .
لاحظ الوالد "س . ع" السهر المتكرر على ابنه بشكل مفاجئ، والإرهاق المستمر، وإهمال دراسته، وبمواجهة الأب لابنه اعترف بكل شيء، وهنا كانت اعترافات الابن كالصاعقة على الأب، ويقول: "دخول الأبناء مستنقع الإدمان آفة خطرة، وضياع لمستقبله، وكلمات ابني أوقعتني مريضاً، إذ تعرف إلى رفاق السوء وجعلوه يجرب تلك العقاقير إلى أن أصبح يطلبها، والآن بفضل الله بدأت رحلة العلاج، ليسترد عافيته، وأصبحت حريصاً على معرفة رفاقه، لأن أصحاب السوء هم الذين ينشرون هذه الآفة بين الشباب" .
استغراب الوالدة "ح . س" من سلوك ابنها، جعلها تتواصل مباشرة مع الجهات المعنية لمعرفة أعراض الإدمان، وتتأكد أن كل تلك الأعراض موجودة فيه، لتحتار ولا تعرف كيف تتصرف، وكيف تواجهه، وتبدأ بالتفتيش بين أغراضه علها تجد ما يؤكد أن ابنها مدمن، لتجد بعض الحبوب في خزانته، فتتخذ موقفاً صارماً، وتواجهه .
تقول: "رحلة المواجهة كانت صعبة، والأصعب إقناعه بالعلاج واستمراره، لأنه ينتكس كثيراً ويعاود التعاطي مرة بعد أخرى، رغم أنه ترك ذلك شهوراً، والمشكلة تكمن في رفاق السوء الذين لا يتركونه، مؤكدة أهمية مراقبة الأبناء ومعرفة أصدقائهم والتأكد من استقامتهم" .
شك الوالد "ف . ب" بابنه جعله يطلب اصطحابه للفحص، ورفض الابن لذلك أكد كل الشكوك في نفس الوالد، ويقول: "تغير سلوكي ابني بشكل مفاجئ، وفي تلك الفترة لم أكن راضياً عن مصاحبته لتلك الفئة من الأصدقاء، وبعد السؤال تأكدت أن أعراض الإدمان مطابقة لما أراه في ابني، كالعصبية الزائدة والإهمال والنوم الكثير والسهر، وذهبت لإجراء تحاليل لي ولابني، ولكن رفضه الشديد جعلني أغضب وأجبره على إجراء التحليل، وبعد النتائج تأكدت أنه يتعاطى، وبفضل الله اكتشفت ذلك مبكراً قبل أن يصل لمرحلة الإدمان، وتمت معالجته في مراكز التأهيل .
وقصة أخرى يحكيها لنا أحد الاختصاصيين في مراكز التأهيل، عن صديقين يشهد الجميع بحسن أخلاقهما والتزامهما، إلى أن خرجا ذات يوم في رحلة برية مع مجموعة من الأصدقاء، وتعرفا إلى زائر من خارج البلاد، وعرض عليهم العقاقير المخدرة من منطلق التحدي، ليقبلوا ويقعوا في شر تأثير تلك الحبوب، وطلبوا تلك العقاقير من الشخص نفسه مرات عدة، إلى أن وقعوا في قبضة الشرطة بعد أن فقدوا الوعي في بهو أحد الفنادق، وتم نصحهما بالحسنى من رجال الأمن بالتوجه إلى مراكز التأهيل الخاص للعلاج .
واستمعا للنصحية وخرجا من مقر مكافحة المخدرات وأمام الباب أظهر كل منهما نيته بعد هذا الموقف، حيث اختلفت وجهة كل منهما، فالأول ذهب إلى أهله وصارحهم واصطحبه أخوه الأكبر إلى مركز التأهيل ليبدأ رحلة العلاج وتم استقباله وطمأنته وتشجيعه على خطوته الإيجابية، وتمت مناقشة كل الأمور مع أفراد الفريق العلاجي، لتتحسن حالته بعد رحلة علاج استمرت 6 أشهر، ليعود إلى عمله مرة أخرى، بعد أن قامت إدارة المركز بجهود حثيثة مع إدارة عمله لعودته بعد العلاج إلى عمله، واستطاع أن يرجع إلى صوابه ويستعيد شخصيته وكل سلوكاته المثالية قبل التعاطي والانحراف، وابتعد عن رفاق السوء .
أما الثاني فعاد إلى رفاق السوء، وخسر كل شيء جميل في حياته، وأصبحت نهايته تعيسة .
العقيد عيد محمد ثاني "مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بالوكالة في شرطة دبي" أكد أن هناك عوامل عديدة تؤثر في تربية الأبناء كالأصدقاء والمدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام بأنواعها ووسائل التواصل المجتمعية، وحب التجربة، إلا أن العائلة تعد الرافد الرئيسي الذي يصب في شخصية الطفل، فإذا كان ذلك الرافد عذباً زلالاً صلح الأبناء، وإن كان ملحاً أجاجاً ضاعوا، وتنازل الآباء عن واجباتهم الرئيسية والمتمثلة في التوجيه والمتابعة والمراقبة والمحاسبة سيؤدي حتماً إلى نشوء أبناء غير ملتزمين وينقصهم الوعي، مما سيؤثر سلباً فيهم بخاصة وفي الأسرة والمجتمع أيضاً .
ويقول ثاني: "المخدرات والمؤثرات العقلية دمار للمستقبل وضياع للأسرة وشقاء للأبناء، والمتعاطي بإمكانه حماية نفسه من شر المخدرات، والقانون حرص على حماية من يتقدم من تلقاء نفسه للعلاج، وذلك من خلال النص الذي يؤكد أنه لا تقام الدعوى الجزائية على من يتقدم من متعاطي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية من تلقاء نفسه إلى وحدة علاج الإدمان أو إلى النيابة العامة طالباً العلاج، ويتم التعامل بسرية تامة مع كل الحالات، ورحلة العلاج متروكة بيد المختصين من أطباء ونفسيين .
وأكد أن أعراض مدمني المخدرات كثيرة، وهناك مؤشرات وعلامات تمكن ولي الأمر من معرفة أن ابنه مدمن، كالانطوائية، والتأثر الشديد وردة فعله القوية، السهر في الليل، والنوم الطويل، والحركات والإيحاءات وثقل الكلام والنسيان وتغير سلبي في الانتظام المدرسي والعمل وعدم الرغبة في الطعام وتقلب المزاج وطلب الكثير من المال والاستدانة والسرقة . أما المظهر الخارجي فيكمن في شحوب الوجه واصفراره وانخفاض سريع في الوزن واضطراب الشخصية وعدم التركيز بالملابس ووجود بعض العلامات على الجسم، مشيراً إلى أهمية أن يحدد ولي الأمر لابنه وقت الدخول والخروج من المنزل، وتحديد الأماكن المسموح بزيارتها، ومعرفة أصدقاء ابنه، ومراقبة كيفية تعامل الابن مع كافة المحيطات الخارجية" .
ويلفت إلى أن القيادة العامة لشرطة دبي تقدم دورات وورش توعوية لطلبة المدارس والجامعات لتوعيتهم بأضرار المخدرات، وحالياً في صدد دراسة السن المناسبة لتقديم جرعات التوعية للطلبة على أساس طبي ونفسي واجتماعي .
الرائد راشد النقبي "مدير فرع التأهيل" يؤكد أن الشرطة تحتضن جميع الشباب الراغبين في العلاج من الإدمان، وبمجرد أن يبدي المدمن الرغبة في العلاج يعرض على أطباء ومختصين لبدء الرحلة، وتكون هناك متابعة يومية في الأسابيع الأولى حتى نصل إلى مرحلة الاستقرار التام ويرجع للمجتمع فرداً صالحاً، ويضيف: "البرنامج يسعى بالدرجة الأولى إلى تغيير نمط تفكير المدمنين، وخضوعهم لمحاضرات ووورش، وتعزيز بعض المهارات ليكون قادراً على الانخراط في المجتمع من جديد بعد أن ينتهي من العلاج، وتكون المتابعة مستمرة من الشرطة للتأكد من استقرار الحالة .

تستهدف دعمهم اجتماعياً ووظيفياً
الرعاية تقي المتعاطين الانتكاسة

من هيئة تنمية المجتمع بدبي انبثق مركز "عونك للتأهيل الاجتماعي" ولد قوياً، ماضٍ في تحقيق أهدافه ورسالته التي وجد من أجلها "مجتمع محصن من الإدمان" وخلال عمره الذي لم يتجاوز العام استطاع أن يقدم للوطن وللمجتمع خدمة الرعاية المتكاملة لفئة وقعت فريسة ببراثن الإدمان وفق رؤية تكمن في المشاركة مع المجتمع لنشر الوعي حول مخاطر الإدمان والأخذ بيد المتعافين من خلال برامج التوعية والرعاية لمنع الانتكاسة، مع الالتزام بالسرية والمكاشفة والاحترام، وتوحيد الجهود والهدف الأسمى هو حماية العميل وإعادة دمجه في المجتمع ليعود مواطناً صالحاً يخدم نفسه وأسرته ووطنه .
يقول الدكتور حسين علي رضا مدير المركز بالإنابة أن "عونك" أوجد لمن يعانون تاريخاً في التعاطي أو المعرضين للإدمان، فبعد تجربتنا مع المؤسسات العقابية بشرطة دبي، وإعدادنا برامج وضعت للنزلاء مثل "رعاية الذات" و"جرعة أمل" لتنمية المهارات النفسية والاجتماعية للنزلاء، وبعد تخريج عدة دفعات، بدأت تلوح في الأفق فكرة، تولدت من خلال تواصلنا مع المفرج عنهم، نظراً لكثرة شكاواهم "عدم وجود جهة متابعة لهم خارج المؤسسات العقابية، بعد ما اكتسبوه من مهارات" وبنظرة في واقع الخدمات التي تقدم للمتعافين، وجدنا نقصاً في "برامج الرعاية اللاحقة" فلم تكن هناك منظومة متكاملة لرعايتهم، لذا ارتأت الهيئة، من باب حرصها على تقديم الخدمات لكافة فئات المجتمع، إيجاد خدمة نادراً ما تكون متواجدة في المنطقة، فكان برنامج الرعاية اللاحقة الذي يقدمه مركز عونك، ليركز على فئات الشباب المتعافين ممن لديهم تاريخ في التعاطي، وأيضا فئة من تناول مخدرًا لمرة وقع في حيز التجربة فقط، وفئة من يسيء التعاطي "أي يتعاطى بشكل شبه مستمر، ولم يصل للإدمان ويمكنه أن يتوقف في أي وقت، من دون الدخول في الأعراض الانسحابية، أو أية أعراض طبية أخرى" .
ويستكمل: "عملنا في المركز على ثلاثة محاور من خلال زرع بعض المهارات النفسية والاجتماعية والأسرية، ودوماً ننظر إلى الشخص على أنه أسرة وليس فرداً ونبدأ باستقطاب أسرته لكونها الركيزة الأساسية، وهذا محور عمل الإخصائي الاجتماعي والأسري بالمركز، إلى جانب المحور الطبي والنفسي ومحور المتابعة والتأهيل" .
ويضيف: العدد الفعلي المسجل في المركز 74 حالة ضمن برنامج الرعاية اللاحقة، تعد العقاقير النسبة الأعلى بين حالات الإدمان، وأقصد هنا العقاقير بنوعيها الطبية والنفسية، وكلاهما يوصف لأغراض طبية، ولكن لها تأثير في الحالة العقلية، ولا يوجد عامل مسبب للإدمان فالصحبة السيئة والبيئة المحيطة والفقر وأحياناً والثراء أو التفكك الأسري كلها أسباب وهناك توجه أن الإدمان يدخل فيه عامل وراثي واستعداد جيني، وتعتبر عوامل مساعدة وليست مسببة .
وأوضح رضا "علاج المدمن على 3 مراحل: "العلاج الطبي، وهي حاجة المريض للتخلص من سموم المخدرات، تستمر أسبوعين أو تمتد إلى شهر وهذا لا يعني أنه شفي تماماً فقط جسمه أصبح سليماً، ولكن أفكاره ومفاهيمه مازالت مريضة، وبذلك يدخل في مرحلة التأهيل وهنا نحاول أن نقلل من تعرضه للتعاطي ويفضل أن يكون داخل مصحة لفترات تتراوح من 3 إلى 6 أشهر ربما تصل إلى سنة، خلال هذه الفترة نجنبه المؤثرات التي قد يتعرض لها خارجياً، كما نبدأ بتعليمه بعض المهارات مثل تنظيم حياته والمحافظة على الوقت وكيف يتعرف إلى نفسه وسلوكيات الإدمان وتجاوزها، وغيرها من المهارات، وبعد أن نشعر بأنه قادر على مواجهة الحياة يكون بذلك مؤهلاً لمرحلة الرعاية اللاحقة أو "مرحلة الدمج" وهنا يبرز دور المركز ليعلمه كيف يعيش بصورة مستقلة بعيداً عن الإدمان، وهي غير محددة، لأنها مستمرة مدى الحياة، لذا يستطيع الشخص أن يرجع لنا في أي وقت إذا كان بحاجة إلى جلسة لأنه يفكر في العودة للإدمان" .
ويؤشر إلى أن الخدمات التي تقدم من خلال المركز للعميل لا تقف عند حد معين "فدعمنا مستمر لأن الإدمان هو مرض الانتكاسة الأول، لذلك نكون دوماً معه نشاركه تطلعاته ونذلل له الصعاب التي تواجهه في حياته اجتماعياً وأسرياً ووظيفياً، وبما أننا جزء من منظومة هيئة مترابطة ودورنا تكاملي بمعنى أن أي شخص يأتي إلى المركز ويقول: "أنا معافى تماماً من الإدمان وأود المساعدة، في إيجاد عمل أو حل مشكلة ما"، نقوم بدراسة الحالة ونضع البرنامج العلاجي المناسب له، إضافة إلى خدمة التعافي التي تقدم من قبلنا، ومن ثم ترفع للهيئة، لأن كل الحالات التي تدخل من أي باب إلى هيئة تنمية المجتمع مرتبطة بإدارة تسمى "إدارة الحالات" سواء نحن أو المعاقين أو الأسر أو الأطفال وغيرها من الحالات، يقوم المختصون بدراستها وبإجراء زيارات ميدانية للأسر في منازلها ومن ثم يتم عرض الحالة أو الخدمات التي تقدم لها أو ما تطلبه الحالة بشكل مباشر كالتوظيف أو السكن أو تكملة دراسة وأي خدمات يحتاجها العميل بالمركز" .
د . مصطفى حسن اختصاصي علم النفس الإكلينيكي والتأهيل النفسي والمدير الفني للمركز يقول: "تقدم الخدمة النفسية في صورة جلسات فردية وجماعية للمتعافين ترتكز على عدة محاور، التقييم النفسي الإكلينيكي والتقييم المقنن باستخدام الاختبارات والمقاييس النفسية المناسبة، وتنمية الدافعية لدى المتعافي من أجل تحفيزه وتشجيعه على العلاج واستمراره والعودة للأسرة والمجتمع كفرد منتج وفعال، والعمل على ضبط المنظومة المعرفية لدى المريض بشكل إيجابي من خلال التعامل مع الأفكار اللاعقلانية المتعلقة بالتعاطي والإدمان وتعديل مفاهيم التعاطي وترسيخ مفاهيم التعافي، ويضيف: "العلاج يساعد المتعافي على اكتساب المهارات المعرفية اللازمة لتغيير نمط وأسلوب الحياة، والتعامل مع المشاعر السلبية المسببة للانتكاسات وذلك من خلال اكتسابه لمهارات التعبير عن النفس والتواصل مع الآخرين بشكل إيجابي، وكذلك التعامل مع السلوكيات السلبية ذات العلاقة بالتعاطي والإدمان والانتكاسات من خلال التمييز بين السلوكيات السلبية (كنقاط ضعف) والإيجابية (كنقاط قوة) بما يساعد المتعافي على ضبط السلوك والسيطرة على ذاته وبما يؤهله لتجنب مثيرات الانتكاسة والوقاية منها والقدرة على التعامل مع المواقف عالية الخطورة والتعامل مع الاشتياق للتعاطي الذي يؤدي إليها .
قالت أمل بن جرش السويدي اختصاصي إرشاد وتوجيه أسري بالمركز: "الحالات تأتي إلينا إما محولة من جهة رسمية أو من ولي الأمر وأحياناً الشخص بنفسه، نبدأ بالاستماع إليه ونكوّن دراسة للحالة وهنا نركز على طبيعة المشكلة والتكوين الأسري والبيئي الذي أدى إلى بروز الإدمان ومن ثم نضع الخطة العلاجية والتي تشمل الأسرة، وذلك لتحقيق هدفين: منع الانتكاسة، وتوعية الأسرة بمرض الإدمان" .
وتضيف: "في البدء وجدنا صعوبة في التعامل مع الأسر، لأنها تكون مصدومة بما وصلت إليه حالة المدمن إلى جانب أنها مجروحة بطبعها، جراء وضع اقتصادي متدن أو أسري متدهور، إضافة لخيبة الأمل والتطلعات، لأن المدمن ربما يكون ابناً أو أباً وأحياناً زوجة، أو أماً، فهناك عوامل متداخلة في عالم الإدمان تردنا من مجموعة سلوكيات منحرفة، تؤثر كثيراً في خط تربية الأسرة وطبيعة الأفراد وطريقة تعاملهم وتواصلهم، ودورنا توفير تحاور أسري وقنوات للتواصل، وأيضا أصدقاء جدد في حياة المتعاطي، كما نعقد بالمركز لقاء شهرياً للأسر لاطلاعها على المستجدات، إلى جانب اللقاءات الدورية حسب متطلبات الحالة .
أما اختصاصي إرشاد التعافي أحمد مسعد فيوضح أن العلاج يعتمد على أكثر من برنامج، ومنها ال 12 خطوة، حيث أثبتت الدراسات أن للروحانيات دوراً مهماً في التعافي، لذلك يقوم المركز بتدريب المتعافين على برنامج ال 12 خطوة الذي حقق نجاحاً كبيراً على مستوى العالم، وهو أسلوب للحياة مبني على مبادئ روحانية مكتوبة ببساطة في شكل رقمي يبدأ من 1 إلى 12 تساعد على تحويل المتعافي من شخصية ضارة بنفسها والمجتمع إلى شخصية ناجحة وقريبة من الله، وذلك بتنمية بعض المبادئ الروحانية لديه مثل: الأمانة، وتحمل المسؤولية، ومحبة الآخرين، والتواضع، وغيرها" .
ويضيف: "استكمالاً لمنظومة العلاج يقوم المركز بتدريب عملائه على خطوات تغيير السلوك من خلال برنامج منع الانتكاسة لإكسابه الوعي بالسلوكيات الخاطئة التي كان يمارسها أثناء تعاطيه، وكذلك العمل على اكتسابه للسلوكيات الصحية التي تساعده على التعافي، إضافة إلى مهارات التعامل مع "الفخاخ" النفسية التي ربما يقع فيها المتعافي وتؤدي به إلى الانتكاسة، ويتميز البرنامج بتنوع الموضوعات التي تزيد من وعي المتعافي (مثل: أخطاء التفكير، وتأكيد الحقوق، وإدارة الغضب، وكيفية اتخاذ القرار بشكل صحيح . . .الخ) مما يساعده على الاندماج في المجتمع بخطوات ثابتة، ويشير إلى أن المتعافي يتلقى الدعم المناسب من خلال تهيئته للمشاركة في مجموعات الدعم الذاتي المتاحة، وكذلك تتم توعيته بالعلامات التحذيرية للانتكاسة وكيفية التعامل معها وتجنبها من أجل الاستمرار في التعافي بلا انتكاسات .

تفاصيل مختلفة وطريق واحد

إذا أردت أن تستخلص من مجرم أو خارج عن القانون صدق تجربته فأشعره بأهمية كلامه وضرورة أن يتعرف إليه المجتمع، لأن به عبرة لغيره، ولا تقلل مما يخبرك به، وإياك أن ترتدي عباءة النصح، فهم أساتذة في الحياة، فكنت معهم مستمعاً جيداً، وكان حديثهم مشوقاً "أعتقد أنهم يغالون في عدد دخولهم السجن أو الجرعات التي يتناولونها" . بدأت بالمدمن الواثق بنفسه كما أخبرني خلال حديثه مرات عدة .
"م . أ . ص" متفوق دراسياً وعمل بجهة رسمية لمدة خمسة أعوام، وكل عام يحصل على تقدير متقدم من رؤسائه، يحفظ 3 أجزاء من القرآن الكريم، ولم يترك فرضاً من الصلاة، حتى وهو في أشد حالات إدمانه، يجيد العزف على الأورغ وتستهويه أوتار العود أكثر، ينتمي إلى أسرة ملتزمة، مسؤولو "مركز عونك" يخبرونه أنه الشخص الوحيد الذي يخشون انتكاسته، لأنه طيلة عمره خدع كل من حوله إلا نفسه، دخل السجن مرتين الأولى كانت العقوبة شهراً فكشف أمره أمام عمله وترك العمل، أما الثانية فكانت 6 أشهر، دخل والده في أزمة صحية أثر سماع نبأ القبض عليه، أما والدته فكانت نقطة تحول في حياته حينما وقفت أمامه دامعة العينين هنا قرر "م أ ص" أن لا يرى هذه العيون التي سهرت عليه طويلا تحرسه، أن تدمع بسببه، وحول تجربته يقول: عمري الآن 25 بدأت رحلت تدميري من 9 سنوات، فضول التجربة هو عامل رئيس في حياتي كان ذلك بإيعاز "ممن يسمى صديق" كنت من الأوائل في الشهادة الإعدادية حصلت على 93% دخلت الثانوية وكان مجموعي في السنة الأولى 91% السنة التي تليها تراجعت النسب الدراسية فحصلت في الثانوية على 77% قررت أن ألتحق بالعمل واخترت العمل العسكري لم يكن أحد يتوقع أني مدمن شديد الإدمان، الأهل كانوا ينظرون إلي بأني الأمل القادم بين إخوتي المتفوقين مهنيا لكني سأكون الأكثر تميزا لأني أعرف كيف أحقق أهدافي دون مبالغة، زملائي في العمل لم يشكوا لحظة في سلوكياتي، لأن تقاريري المهنية امتياز كل عام حتى قبض علي مرة وبحوزتي حبوب مخدرة، فصلت من العمل ولكني لم أتعظ، وبعدها دخلت السجن الأكبر 6 أشهر وهي فترة لم تكن هينة "فإن كانت الحياة مدرسة فالسجن جامعة" ومن خلف القضبان خجلت من نفسي لأني تسببت بالأخرى لهذه العائلة الجديرة بالاحترام . والدي لم يحتمل الصدمة فدخل المشفى، والدتي امتلأت عيناها بالدموع عليّ، وربما على خيبة أملها بابنها الأصغر الأقرب إلى قلبها قررت ألا أكرر هذا المشهد .
ويضيف: "أشعر بحزن عميق على ما فاتني، أتمنى تجاوز فترة التأهيل لأحقق حلم أمي في أن تحمل أول أبنائي، كما أتطلع لأن أسخر ذكائي فيما يفيد مستقبلي وأخدم به وطني .
ويستكمل:"وأنا في مرحلة التعافي أحياناً أدخل مركز "عونك" فأسرع إلى غسل وجهي بالماء خشية أن يتوهموا أني مازلت أتناول الحبوب وواثق بنفسي جداً وبإمكاناتي، ولكن "أنا من وضع نفسه في موضع المشتبه فيه" وتاريخي يشهد بأني كنت مراوغا وخادعا للجميع ولو لم يقبض عليّ، لاستمرت حياتي من دون أن ينكشف أمري وذلك لأنني أختلف عن رفقاء الدرب في أنني لست طماعاً، أتناول ما يكفيني فقط . كنا 9 قضى منا 8 نحبهم بسبب الجرعات الزائدة "فالطمع في الإدمان يقتل من دون تردد "أشجع فريقاً إماراتياً، وحينما يكون هناك مبادرة مهمة له ومعي من الحبوب ما يكفي ولكني لا أزيد جرعتي المحددة، أشتري يومياً شريطاً واحداً ب 150 درهماً والمفارقة أنني الوحيد الذي يحصل على الكمية التي يحتاجها لأنني كما يطلقون علي "المدمن المحترم" .
ويوضح: "أدفع الآن فاتورة باهظة بسبب إسرافي في حق نفسي وأسرتي، وحينما أفكر في الانتكاسة أتذكر دموع أمي وصحة أبي فأتراجع عن قراري، أحيانا أفكر في أن أبلغ عمّن يروجون المخدرات ولكني أتراجع لأني جربت السجن، ولا أحب أن يخوض غيري بسببي التجربة نفسها ففي السجن لن يكون هناك تميز لأحد فالقانون يطبق على الجميع، ولكني أسأل الله لهم الهداية وأن يجنبني مقابلتهم حيث نلتقي في المتاجر أو الأماكن العامة .
ويتابع: "أقلد المشاهير في عزفهم على العود أرى أنه علاج نفسي لأمثالي وحينما أكون منفرداً أخرج عزفاً رائعاً يعبر عما في داخلي ليس بنفس القدر حينما يكون معي أحد، كثيرا كنت أعزف أمام العائلة وأخرج لهم حزني من دون أن يشعروا، فكل لمسة وتر كانت تقول لهم "أنا مدمن فكيف أصارحكم" كنت أمتعهم بعزفي لعلمي أني سأكون سبباً في حزنهم يوما ما، وخاصة أختي الكبرى التي كنت أتركها تستمع لعزفي لعلها تدرك أني أتمزق داخليا على ما وصلت إليه، وها هم اكتشفوا ما كنت أخفيه أو أحاول .
ويؤكد: "الآن متحمس للحياة، لا أخاف من أحد حتى الشرطة، لأنني مستقيم، لا أحمل شيئاً مخالفاً للقانون، أعترف أني خسرت كثيراً من الأصدقاء والأهل لا ألومهم عن تخليهم عني، لأنني كنت السبب، وأشكر كل من وقف إلى جانبي وتحدى الصعاب معي، نصيحتي للجميع درب الإدمان لن تجنوا منه شيئاً، ونصيحتي لأولياء الأمور ممن يتقدم لخطبة ابنتهم شخص له تاريخ مع الإدمان أقول لهم "هنالك محترمون وقعوا في هذا الدرب" وأفاقوا فلا تحرموهم فرصة أن يكونوا صالحين مفيدين لمجتمعهم وأسرتهم فرب ضرة نافعة" .
ويختم: "طيلة رحلتي مع الإدمان لم أفكر في الانتحار، لأن الوازع الديني لدي قوي، لم أتقاعس عن أداء الصلاة في أشد حالات إدماني، كما أنني لم أذهب يومًا إلى صديق آخذ منه جرعة، لاعتزازي بنفسي، أعترف أن السجن دمرني بكل ما تحتوي الكلمة، وأن فرص التحاقي بالعمل صارت ضئيلة، ولكن ثقتي بنفسي ستعيد إلي شخصيتي التي تركتها منذ 9 أعوام مرت عليّ لم أجنِ منها سوى الضياع المشوب بالخجل وتسديد فاتورة الإدمان .
حينما كان يحدثني دار في ذهني احتمال كذبه كما اعترف هو لي مسبقاً، وإدارة المركز تخشى انتكاسته نظرا لذكائه المشهود، واجهته بما دار في خاطري فتبسم وقال: "حان وقت العزف على العود" وبالفعل كان عزفه رائعاً .
أما "ر . أ" ابن العشرين ربيعاً فيدرس في الجامعة، دخل حيز الإدمان منذ 6 أعوام يتعاطى الحبوب دخل 3 مصحات مختلفة لكنه ما يلبث أن يعود نشطاً في تناول الجرعات . نصحه أخوه الأكبر صاحب تجربة مع الإدمان وشفي منها تماماً منذ أن عرف طريق مركز عونك - استجاب "ر .أ" لنصح أخيه بعد أنس جن 41 مرة بسبب الإدمان وحوادث السير والتعدي على الآخرين بالسب أو بالضرب . يقول "دخلت مركز "عونك" منذ 6 أشهر بعد أن شعرت بأن طريقي هذا سيؤدي إلى فشل للعائلة كلها بسببي . أعترف أنني أتناول حبوباً فلي فترة تأهيلي ولكني حينما آتي للمركز أخبرهم بتناولي مخدراً، قصتي لا تختلف كثيراً عن غيري لعل أخي أكثر الناس إحساساً بحالتي لأنه مشى في الدرب نفسه وهو من يساعدني الآن ويتذكر: "حينما عرفت كيف أشتري الحبوب وضع القدر أمامي مخبرا، فاشتريت منه فقام بالإبلاغ عني قبض علي وقضيت فترة في السجن، لأخرج وأعاود الكرة حتى وصلت إلى 14 مرة زرت فيها المحبس . ربي وحده هو من سيخلصني مما أوقعت نفسي فيه فطريق الشيطان بلا مبررات .
أما "س . ي" فهو صاحب أكبر فترة تعافى في المركز يقول: "14 عاماً هي عمري الإدماني سجنت خلالها 15 مرة ومازلت في مرحلة التعافي، وأيضا مازلت أعزبَ فمن سيرضى أن يزوج ابنته من مثلي، أهلي لا يعرفون عني شيئاً لأنهم بمنتهى البساطة لا يرونني إلا قليلاً، ويضيف: "أعمل في القطاع الخاص أقضي حياتي متنقلاً بين رفقاء الدرب، حتى سئمت هذه الحياة عدت لأسرتي لأخبرهم بكل شيء حدث معي وبرغم كل ما سببته لهم من إخفاقات وقفوا معي ووجهوني إلى هنا، طالت فترة تأهيلي نوعاً ما، ولكني لن أيأس فما قمت به طوال 14 عاماً لن أتخلص منه خلال شهور، لا أنزعج على مستقبلي ولكن أتمنى أن لا تساء عائلتي بسببي، فهم لم يعرفوا شيئاً عني حتى اعترفت لهم مؤخراً .
هيروين، حبوب، سجائر "مزرقة الدخان" هذه حياة "ي . د" رياضي مفتول العضلات، لديه رخصة لتعاطي الحبوب الطبيب النفسي أهداه إياها، اكتشف الأهل مصيبة ابنهم فتوجهوا به إلى مركز "عونك" للتأهيل يحكي: "منذ كان عمري 14 عاماً أي قبل 8 سنوات أهداني زميلي الحبوب ثم طورت نفسي، لأجرب جميع أنواع المخدرات، بعد عامين من التعاطي سجنت أول مرة ثم وصلت إلى 5 زيارات أكون ضيفاً ثقيلاً على السجن، أمارس الرياضة والإدمان، ويضيف: كنت بالنادي الرياضي أحصل على ما أريد، من دون عناء، علم الأهل بمصيبتي فقرروا معالجتي دخلت مصحات عدة لم يفلحوا معي، زاد الحمل على الأهل نصحهم البعض بأن أتوجه إلى معالج نفسي، وبعد جلسة واثنتين حصلت على رخصة من الطبيب المعالج لشراء وحمل الحبوب المخدرة من دون مساءلة، وبدأت أتفنن في جلب جميع الأنواع المخدرة وبكميات كبيرة، لاحظ الأهل ذلك فاعترفوا بأن الطبيب النفسي دمرني، ظن الأهل أنه مرض عارض وبقليل من الالتزام والصلاة سأمتنع عنه، لم يكن لديهم الوعي الكامل بخطورة الإدمان وما وصلت إليه، نصحوني بالذهاب لأداء العمرة لعل الله يصرف هذا البلاء، امتثلت لأوامرهم "أنا الابن المطيع" وذهبت وبقليل من البحث وجدت ضالتي هناك، ومؤخراً أتوا بيّ إلى مركز "عونك"، وأنا حالياً في مرحلة التعافي ولكني مقتنع بالمصارحة التي تتم هنا، لذا أنا مطمئن على نفسي وأشعر بتحسن كبير" .
يقول "ع .ه": أنا الابن المدلل لأسرتي ولدي أخ من أمي كان يتعاطى المخدرات بأنواعها، كنت أرى قسوة أمي عليه مراراً، من دون علمي بأنها تريد في حمايتي منه، تقربت منه ووجدت عنده الكثير من الحب والاهتمام، بدأت معه تعلم التدخين وتناول الجرعات المخدرة، ومن ثم الخروج مع بنات الهوى، وهنا كان الكمين الذي نصبته لنفسي بيدي من دون إجبار من أحد، فأصبحت نسخة طبق الأصل من أخي في كل شيء، حتى في مستقبلنا المجهول الذي واجهنا معاً، فنحن الاثنان بلا شهادة ولا وظيفة ولا حتى صحة لإصابتنا بالكبد الوبائي .

د . عصام سماحة: الأعراض تكشف المدمن

عن أشكال السلوكات التي تبدو على المتعاطين، يحدثنا د . عصام سماحة "طبيب خبير واختصاص الطب النفسي وعلاج الإدمان بالقيادة العامة لشرطة الشارقة" قائلاً: "وجود سلوك فجائي للبحث عن المادة، ويكون الإنكار هو السمة المميزة لكل المتعاطين، وغالباً ما يكون هناك انحراف مبكر بارتكاب سلوكات غير مرغوبة اجتماعياً، وهناك عوامل عدة تكون سبباً في عرضة بعض الأشخاص للوقوع في دائرة الإدمان، منها قلة الثقة بالنفس، وأصحاب العلاقات الأسرية غير الحميمة، والأشخاص غير المتمسكين بالقيم الدينية والمجتمعية، وأبناء مدمني الخمر والمؤثرات العقلية، ومرافقة ومصادقة أحد المدمنين والمدخنين" .
عن أبرز العلامات التي من الممكن ملاحظتها على المدمن، يقول: "فقد الشهية ونقص الوزن، واضطراب مواعيد النوم، والتعب والإجهاد بصفة شبه مستمرة وملحوظة، وتيه متكرر وملحوظ، واضطراب واضح في الذاكرة للأحداث القريبة، والتهابات متكررة في الجهاز التنفسي، واحمرار العينين والتثاؤب الزائد، وتهيج بالأغشية المخاطية بالأنف، وتغير بالصوت، وجروح متكررة غير مبررة، وآثار وخز إبر وعلامات وشم، والشكوى من الصداع وعدم الارتياح، وتغير المزاج من دون سبب، والانسحاب والانعزال عن المحيطين، والإهمال الواضح في المظهر، والكذب والتهرب والسرقة، وحب للأدوية ملحوظ بلا داع" .
وعن الحصانة ضد الوقوع في مستنقع الإدمان، يقول: "المحافظة على الارتباط الجيد بين الوالدين، واحتواء الأبناء، والمحافظة على التماسك الاجتماعي والصحة العامة الجيدة والقدوة الحسنة والصحبة الجيدة مع الأشخاص ذوي الشخصية الإيجابية وقوة الوازع الديني والإحساس الشخصي بضرورة حسن الخلق .

إناث على قائمة الضحايا

غول الإدمان لا يعرف سناً ولا جنساً ولا لوناً، فالكل في قبضته سواء، هنا يعامل الرجل معاملة الأنثى دون تفريق ولا تفضيل جنس على آخر، فلحظات النشوى التي يشعر بها المتعاطي تفقده كثيراً من اتزانه، لعل الأنثى إذا اجتمعت فيها ثلاث خصال كن ميزة لها، في حين إن وجدت في الرجل كانت سبة عليه "الجبن والبخل والخوف" فإن جبنت استراحت من عناء المشكلات، وإن بخلت حافظت على مال زوجها وإن خافت ترددت في كل ما يعرض عليها وجنبت نفسها وأهلها السوء ولكن لكل قاعدة شواذ .
تقول (أ .س): تزوجت من مدمن للخمر في سن مبكرة، وكان عمر زوجي يسبقني بعشرين عاماً، لم أنجب منه أطفالاً، بسبب ضربه المتكرر لي، ما أدى للإجهاض مرات عدة، تزوج عليّ من النساء الكثيرات، إلا أنهن طلبن الطلاق وغادرن لبلادهن، أما أنا فحرمت التعليم وأي حقوق يجب أن تتمتع بها فتاة بمثل عمري، وتضيف: ذات يوم كان زوجي مريضاً، فتردد أصحابه إليه في المنزل من دون مراعاة لحرمة البيت، حاول أحدهم مراراً وتكراراً التقرب مني، لكونه قريباً لي في العمر، إلا أنني لم أكن أعلم أنني تحت تأثير الضغط النفسي سأتنقل من حضن رجل لرجل، وهربت من المنزل، وبدأت رحلتي مع الإدمان، ولكن بلا أهل ولا زوج ولا أبناء والأهم أنني أعيش بلا عمل ولا دخل" .
أما (ع .م) فتقول: "كنت طالبة جامعية تعرفت إلى إحدى الزميلات تكبرني بعامين، بدأت بزيارتي بالمنزل، ثم ذهبت مها لإحدى العيادات النفسية، تسلمت الدواء الخاص بها، حيث كانت تعاني مشكلة صحية، وأردت تجريبه فوافقت، وكانت تعطيني منه كلما طلبت حتى تعودت عليه، ودخلت من دون علمي إلى عالم الإدمان .
(س .خ) لم تدمن بعدُ، ولكنها تتساءل عن نظرة المجتمع لها إن أصبحت مدمنة كزوجها، تقول: "أنا زوجة لرجل مدمن، حاولت كثيراً إصلاحه، إلا أن جميع أفراد أسرته متعاطون ويستخدمون الوصفات الطبية التي تنجيهم من المكافحة والفحص الدوري، ولكني ما زلت أعيش في جحيم لأنني بكل بساطة زوجة مدمن أعذب بالضرب وأتعرض للإهانة، والمجتمع يلومني على تضجري، ويذكرني بأهمية الصبر على زوجي، من دون أن ينظر أحد لحالتي، فلربما أكون نسخة منه يوماً ما بعدها هل سيلومني المجتمع .

التعافي انتصار على النفس

الإدمان هو مرض الانتكاسة الأول، وكثيراً ما تحدث إخفاقات في العلاج ولكن البعض ممن وقعوا ضحايا، لعوامل السن والمراهقة والتقليد وحب التجربة يفيقون على صدمات ترجعهم إلى حياتهم، ولكن استمرارية الحياة من دون مخدر أو مغيب أمر صعب، ناهيك عمن يتحدثون من بروج عاجية وأن الإرادة وحدها تغيّر مسار الإنسان، وأحيانا الإعلام يعطيك صورة مظلمة عن نهاية المدمن، نعترف أنها رسائل تحذيرية ولكن من وقع في براثن الإدمان لا يحتاج إلى هذه الصورة، ولا يفيده نبذ المجتمع له، نحتاج لنتصالح ونتصارح مع أنفسنا قليلاً لنجذبه لاستكمال عمل يتناول شخصيته بحيادية ومن دون تحميله المسؤوليات مجتمعة .
"أ . م" معافى تماماً الآن من تعاطي الهيروين أورد أشياء يصعب عليّ ذكره، لأنه بمنتهى البساطة ليس لديه ما يخافه، خسر كل شيء، عمره 30 عاماً بدأ منذ أن كان عمره 13 عاما ترك الإدمان منذ 6 أشهر أب "لطفلة" في عمر الزهور، زوج لسيدة اكتشفت حقيقته فلم تتخلَ عنه، مات أبوه فعلم أنه بموت أبيه يجب أن يتوقف، لأن والده كان مصدر دخل له، حاول كثيرا ولم ينجح، بيئة أصدقائه وأقاربه -عدا أبويه - مدمنون، فلماذا يتوقف؟ تكلفه جرعة الهيروين 500 درهم وربما يحتاج إلى ثلاث جرعات يوميّاً، حسب كلامه، ويضيف: "بدأت في تجارته قبل تعاطيه كان لي صديق أعطاني جرعة هيروين تكفي لمرتين - قبضت الشرطة عليه ذهبت لزيارته فقال لي: حلال عليك فمدتي ستطول بالسجن، بعتها وبعد 4 أشهر كنت أجالس شخصاً منحني أول جرعة، ومنذ تلك اللحظة انتقلت من مرحلة الاتجار إلى التعاطي، ومن ثم الإدمان، هذان الشخصان توفاهما الله من دون أن ينكشف أمرهما إلا للمقربين، أما أنا فوالدي ووالدتي كانا مشغولين عني بسبب عملهما، وأغلب أصحابي وبعض من أبناء عمومتي كانوا مدمنين دخلنا سويًا مجال الإدمان من دون رادع"، ويستكمل: "المخدرات موجودة بشكل كبير في أي مجتمع، فعالم الإدمان يصعب على أي مجتمع أو حكومة أن تسد بابه إلا إذا أراد المدمن الامتناع"، وقرر ذلك عن باعث داخلي نابع منه هو فقط، ويتذكر "أ . م"- "سجنت مرات عدة إما للتعدي على رجال الأمن أو لسرقة أو لحيازة المخدرات، ولم أرتجع، حتى داخل السجن كنت أتناول جرعاتي، "فالمخدرات توجد أينما وجد مدمن" ولا تشغل بالك في كيفية وصولها إلى تلك الأماكن، حدث مرة أن أخذت جرعة زائدة هناك فأصبت بشلل قضيت 6 أشهر على كرسي متحرك ولم أتوقف، وجهني الأهل لمعالج نفسي، بعد فشلي في المصحات، فكنت أتحايل عليه حتى آخذ منه أدوية تعمل في جسدي عمل الجرعات وأكثر، كما قلت من قبل لا تتخيل كيف يعيش المدمن حياته فهو غير مسؤول عن شيء سوى إرضاء هذا الغول الذي ينهش خلايا جسده" .
ويعود "أ . م" ليؤكد: عمري الحقيقي هو 6 أشهر منذ أن تعافيت من الإدمان، والمركز هنا يؤهلني لأرتب حياتي وأستلم وظيفة تكفيني وأسرتي، التي دمرتها بسبب إدماني، أتطلع لأن أكون قدوة لابنتي التي تكبر بين يدي، لذا سأعمل لأحقق لها أمنيتها، كما أعتذر لوالدي الذي مات وهو غير راض عني، والدتي التي نبذتني رغم أنها الآن تحاول أن تتقبلني لعلمها أنني عدت لحالي واعائلتي، كما أودّ أن أدون ملاحظة " ليت الجهات الحكومية تغفر لنا زلتنا وتدمج من يثبت تعافيه تماماً من الإدمان"