نواكشوط - المختار السالم:

لم يجانب المؤرخ البكري الصواب حين أطلق على الصحراء «موريتانيا حالياً» لقب «بلاد الفقهاء والنساء»، ذلك أن دور النساء الموريتانيات في المجالين السياسي والعلمي يشكل ظاهرة لافتة بالقياس إلى نظيراتهن في العالم العربي.

انعكاس ذلك اجتماعياً يتجلّى في أمور كثيرة، لعل من أبرزها أن المرأة الموريتانية التي عاشت في كنف الكتاتيب و«مجتمع اللوح والدواة» انتزعت منذ قرون، وبشكل مبكر «منع التعدد»، إلى جانب منظومة «مدنية» تحميها جسدياً ومعنوياً.
وهكذا، ومنذ ألف سنة سجلت عشرات النساء الموريتانيات أسماءهن بحروف من ذهب في شتى المجالات، وإن تعرض الكثير من تراثهن العلمي للضياع جرّاء غياب التدوين.
لم يكن ذلك متوقعاً في مجتمع «بدوي» محكوم بتشدد الفقهاء التقليديين وروح «الإقصاء الذكوري الشرقي»، لكن هذا ما حدث، ويحدث اليوم، في «بلاد المنارة والرباط».
منذ ألف عام، طبعت المرأة الموريتانية بصمتها على الجانب السياسي، بدءاً من زينب، زوجة قائد المرابطين المؤسس أبوبكر بن عامر، التي كان رأيها السياسي مرجحاً في توجيه تلك الحركة الدينية، التي يعود لها الفضل في تأسيس أول دولة مركزية في منطقة المغرب العربي.

ربما يكون في حجم ذلك الدور «أخذ ورد»، لكن ليس مع عشرات النساء الموريتانيات، في القرون اللاحقة، إذ لعبت النساء دور مستشارات، وامتهنّ التدريس والتأليف في مختلف المجالات.

كما تمتعت المرأة في بعض الحقب، بحسب الأستاذة بجامعة نواكشوط د. تربة بنت عمار، بإرث وافر نسبياً من الحرية والمكانة باعتبارها «سليلة المرأة الصنهاجية التي حظيت عبر التاريخ بمكانة مرموقة داخل مجتمعها لدرجة أنها كانت وراء تحقيق الكثير من الانتصارات للدولة المرابطية وكانت حينها سافرة الوجه حسب ما ذكر ابن بطوطة».
وتشير بنت عمار إلى أن «تبدل الأنساق الحضارية والثقافية في المجتمع الموريتاني بمجيء الهجرات الهلالية غيّر مكانة المرأة في المجتمع، رغم احتفاظها ببعض الموروث كقضية منع تعدد الزوجات، وكان ذلك على حساب مشاركتها في الحياة السياسية".
غير أن باحثين آخرين، يرون أن المرأة الموريتانية ظلت ذات تأثير ولو من وراء الستار في الشأن السياسي لمجتمعها البدوي، وإن صعد دورها العلمي بالمقابل، إذ يحفل التاريخ الموريتاني بأسماء عالمات جليلات تصدين للتدريس وتخرج عليهن فطاحلة العلماء.
صاحب ذلك، دور نادر تميزت به المرأة الموريتانية، إذ ابتكرت لوناً شعرياً خاصاً بها عرف ب«التبراع» وهو تغزل بالرجل، وهذا النمط الشعري يقارب في شكله قصيدة «الهايكو» (اليابانية)، إذ تتألف قصيدة «التبراع» من مقطعين صوتيين، يوجزان بشكل شاعري مكثف مشاعر المرأة تجاه محبوبها.
ومكّن شعر «التبراع» الذي تجسده قصائد وومضات شديدة الكثافة، الفتيات الموريتانيات عبر الحقب من التعبير عن مشاعرهن المكبوتة في شعر راق ولافت للنظر بدلالاته التعبيرية.
وحظي الشعر النسائي الموريتاني «التبراع» باهتمام كبير من الدارسين الغربيين.
وخلال السنوات الأخيرة، لوحظ أن «التبراع» استغل لأهداف سياسية دعائية لبعض الزعماء السياسيين رغم احتفاظه بقالبه الوزني وفحواه الغزلي.
ويرى بعض الباحثين، ومنهم أحمد باب ولد مكسه، أن «التبراع» «شكّل» ثورة تعبير لتشجيع المرأة على مواجهة الكبت وعلى المشاركة السياسية.
حضور المرأة الموريتانية في الحياة العامة خلال القرون الماضية لم يفت المؤرخين، فالرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة فوجئ خلال زيارته لمدينة «ولاتة» (شمال موريتانيا)، بالمكانة الاجتماعية والعلمية التي تتبوأها المرأة الموريتانية، ولعل المؤرخ البكري لخص ذلك بعبارة «بلاد الفقهاء والنساء».
المجتمع الموريتاني ظل عبر الحقب مجتمعاً خالياً من مسلكيات مسيئةٍ للمرأة كالضرب، والإهانة اللفظية، وكان المثل الشعبي الموريتاني القائل «النساء عمائم الأجواد أو نعال الأنذال»، خير تعبير عن الحرمة الجسدية والمعنوية للمرأة، فأي زوج تلفظ بأبسط عبارة مسيئة، عليه دفع الثمن سريعاً عبر حفلة يطلق عليها «أمسكري»، وينفق فيها الزوج أغلى ما يملك. ومع دخول الاستعمار الفرنسي (1905-1960)، برزت المرأة الموريتانية كداعم للمقاومة بفضل شعرها الفصيح والشعبي، ومشاركتها في تربية الأجيال على «المقاومة الثقافية» التي شكّلت ظاهرة لافتة لدى المجتمع الموريتاني، بحيث فشل الاستعمار الفرنسي في استلاب موريتانيا ثقافياً.
وعلى رأس سجل النساء المقاومات، العالمة مريم بنت حين الجكنية (1914 - 2011) التي كانت لها مواقف مشهودة كمساندتها للمقاومة المناوئة للاستعمار، والتي أيدتها بقصائد ومنظومات مشهورة.
غير أن دور المرأة تجاوز ذلك إلى الانخراط مبكراً في الأحزاب السياسية الناشئة، أوساط القرن الماضي، وتمكنت عشرات النساء من ولوج التعليم والوظائف الحكومية، ومثلت المرأة الموريتانية في أول برلمان للبلاد مطلع الستينات.
وفي الوقت الحالي تشغل المرأة الموريتانية ثلث أعضاء الحكومة، وقرابة 30% من المجالس البرلمانية والبلدية، مع حصة معتبرة في جميع الوظائف السامية من عمد بلديات، وواليات لولايات حساسة، وسفيرات، ومديرات، ورئيسات مجالس إدارة في كبريات الشركات الحكومية، كما ولجت المرأة إلى الجيش والدرك والحرس والشرطة، إلى جانب 8 أحزاب ترأسها نساء، وعشرات المنظمات المدنية والسياسية والاجتماعية والحقوقية.
عام 2003، خاضت عائشة بنت جدان غمار المنافسة الرئاسية، لتكون بذلك أول امرأة عربية تترشح للرئاسة ورفعت وقتها شعار «جربتم الرئيس فلم لا تجربون الرئيسة؟».
وفي سابقة أخرى، أصبحت الناها بنت مكناس أول وزيرة خارجية عربية في التاريخ (2009)، لتخلفها حالياً د. فاطمة بنت أصوينع.

ومع هذه المكانة والزخم الكبير الذي تحظى به المرأة الموريتانية، ربما وُفّق المثل الشعبي الموريتاني «المرأة تعطيها شبراً فتحاول ذراعاً»، بدأت النساء الموريتانيات خلال السنوات الأخيرة التحرك بقوة، وشكّلن مجلساً مشتركاً من الأحزاب والمنظمات المدنية كافة، هدفه الضغط على صناع القرار من أجل منح المرأة ما تعتبره تحيى بنت لحبيب، رئيسة حزب الأمل الموريتاني «حقها الكامل»، مشيرة إلى أن المرأة يجب أن تحصل في الوظائف السياسية والحكومية على النسبة التي تمثلها بين السكان على اللائحة الانتخابية (53%).

كما تعتبر بنت لحبيب أن "هناك موروثاً اجتماعياً ضخماً تجب معالجته وتجاوزه».
ومن بين النساء الموريتانيات الرائدات عبر مختلف العصور، يقدم د. أحمد ولد حبيب الله إحصائية تتجاوز ستين رائدة، تميزن في شتّى المجالات السياسية والعلمية.
لكن، ومع الزخم المتنامي حالياً بين صفوف النساء الموريتانيات وطموحهن اللامحدود نحو «الحق الشرعي في 50%»، وفضلاً عما تعتبر د. تربة عمار من «ظلم ثقافي» لحق بالمرأة التي تم تغييب دورها «بشكل مقصود» في الثورة الأدبية التي عرفتها موريتانيا في القرن الرابع عشر، فإن «البحبوحة السياسية والوظيفية» التي تشغلها المرأة الموريتانية حالياً، يعود فيها الفضل ل«رائدات» يكاد دورهن ينطمر في التاريخ.
ومن بين هؤلاء «الرائدات»، وثق الباحث المختار ولد إبراهيم السيد‏ أسماء نسائية لامعة، شكلت رافعة للدور الحالي للمرأة الموريتانية.

ففي أول برلمان في تاريخ البلاد 1963، كانت الراحلة مريم بنت سيدي المختار أول برلمانية موريتانية ومن أوائل الخريجات الموريتانيات، بينما أصبحت السيدة عائشة كان أول وزيرة موريتانية في التاريخ 1975، تلتها خديجة بنت أحمد، ومريم بنت أحمد عيشة التي تولت أول وزارة لشؤون المرأة، وقادت ثورة تحرر نسائية، كان لها الفضل الكبير في دفع آلاف النساء لولوج التعاونيات النسوية، والانخراط في القوى السياسية والمدنية.

وفي التسعينات، خاضت بنت أحمد عيشة حرباً سياسية وإعلامية شرسة ضد التيارات الإسلامية المتشددة، وصلت حد محاولة اغتيالها بعد أن أخطأتها رصاصة صوبت نحوها خلال مهرجان بدار الشباب القديمة بنواكشوط.

وفي المجال الثقافي، تصدرت الشاعرتان باتة بنت البراء، والراحلة خديجة بنت عبد الحي، المشهد الشعري مزاحمات كبار الشعراء الموريتانيين إنتاجاً وتصدراً للمنابر، كما تصدرت الواجهة الإعلامية صحفيات كبيرات من أمثال الناها بنت سيدي، التي أسهمت في إفشال انقلاب عسكري (16 مارس/آذار 1981) بعد قيامها بقطع البث الإذاعي، فلم يصدر بيان الانقلابيين الذي كان صدوره حاسماً في العملية الانقلابية.

وبنت سيدي أول مذيعة تقدم نشرة الأخبار في موريتانيا خلال السبعينات من القرن الماضي، وشاركتها الريادة الصحفية القديرة السالكة بنت أسنيد.
ويرى الباحث المختار ولد إبراهيم السيد، أن مدونة التاريخ الموريتاني تكاد تفتقد إلى الأبد تاريخ مئات النساء الموريتانيات ممن برزن كرائدات في القرن الماضي، وكان لهن دور عظيم في الإبداع الشعري والنضال في سبيل المرأة والقضايا الوطنية والقومية.
ويضيف «يكاد النسيان يطوي، مثلاً، إنتاج شاعرة مبدعة هي «أمتها بنت عبابة»، التي كانت وجهاً نسائياً شاع صيته وذاع اسمه وسمع في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، إذ كانت شاعرة مبدعة في الأدب النسائي «التبراع»، ونُسجت عنها وعن جمالها و تحضرها العديد من الحكايات، وتضاربت الأقاويل حولها، وفاضت روحها في نفس السنة التي أتمت فيها مناسك الحج، إذ تحطمت بها طائرة على جبال الأندلس في رحلة بين نواكشوط وباريس شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام 1964 وهي أول موريتانية تقضي في حادث طيران». ويشير إلى أنه من الضروري أن تقوم الجهات المختصة بتوثيق دور هؤلاء النساء باعتباره حلقة بارزة في تاريخ البلاد والحركة النسوية الموريتانية التي أبت عبر كل الحقب إلا أن تتميز بالصدارة والجدارة.