تعاني العديد من النساء في الوطن العربي من مشكلة عدم معرفتهن بقوانين الأحوال الشخصية ما يؤدي إلى ضياع حقوقهن إضافة إلى تزايد العنف ضدهن من قبل الجهات والأفراد، وإذا كانت هذه القوانين وضعت لحماية المرأة وضمان حقوقها، فعلى من تقع مسؤولية الجهل بها ومن المتسبب في هذا الجهل؟ وما دور المؤسسات والجمعيات النسائية في التوعية؟ وهل للأزواج والأسر والعادات والتقاليد دور في تثقيف المرأة بحقوقها، وإلى من تلجأ لمعرفة هذه الحقوق؟ تساؤلات عديدة عرضناها على أصحاب الشأن في هذه القضية.
صالحة غابش المستشار الثقافي بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة أكدت أن الكثير من السيدات والرجال لم يطلعوا على قانون الأحوال الشخصية، وهذا أمر في غاية الخطورة وعلى الجميع التعرف إلى حقوقهم القانونية سواء من خلال الصحف أو الإنترنت، وهذه مسؤولية كل فرد ولا يجب انتظار الغير ليعلمنا.
وأضافت: في بداية صدور القانون تسارعت بعض المؤسسات المجتمعية وطرحته كمادة للحوار إلا ان هذه التجمعات كانت بسيطة ومعدودة ولا تفي بالغرض المطلوب والتوعية بحقوق المرأة وواجباتها. وترى غابش أن امهاتنا كن أكثر معرفة ووعيا بحقوقهن، ولكننا عندما نقارن بين الماضي والحاضر ورغم كثرة المحاضرات والمحاضرين في الشؤون الأسرية إلا أننا نجد المزيد من التفكك الأسري والمشاكل الزوجية في تصاعد.
أما لمن تلجأ المرأة لمعرفة حقوقها أو التي تواجهها مشكلة ما فتجيب غابش أن هذا الأمر يرتبط بالبيئة التي تعيش بها، والحمدلله فنحن بالإمارات الكل يدعم المرأة بالإضافة إلى قوتها الذاتية وعلمها، إلا أن هناك بعض الأسر ما زالت تفرض سلطتها وسطوتها على المرأة سواء من قبل الأب أو الأخ الذي يكون أكثر قسوة من الأب أحيانا خاصة في ظل ما يشهده المجتمع من تحرر، فيظن الشاب أنه بتصرفه الضاغط على أخته سيحميها. وترى أن على الأفراد والمؤسسات الاجتماعية والإعلامية والدينية التوعية.
من جانبها رأت أمينة إبراهيم الباحثة الاجتماعية في جمعية النهضة النسائية أن الأسرة تلعب دوراً كبيراً في معرفة المرأة أو جهلها بالحقوق والواجبات وتلعب التقاليد والعادات الدور الأساسي في ذلك.
وأضافت من فترة قريبة بدأت المؤسسات المجتمعية تطرح هذا الموضوع على طاولة الحوار وبدأت المرأة تتفقه شيئاً فشيئاً في قانون الأحوال الشخصية الذي يضمن حقوقها، وهذا يعود إلى التطور والنمو والانفتاح اضافة إلى توفر وسائل جديدة للمعرفة عن طريق الانترنت مثلا.
وتقول: في ظل التطور الحاصل حالياً لا يوجد مبرر لدى المرأة كي تبقى على جهلها بواقعها وحقوقها، بل أضع اللوم عليها وليس على الأطراف الاخرى لأن القضية قضيتها وليست قضية الآخر، واذا لم تسعَ إلى المعرفة بنفسها لن تجد من يساعدها، وبإمكانها اللجوء إلى المحامين لتعرف حقوقها.
الدكتورة فاطمة الصايغ قالت: حال المرأة اليوم أفضل من السابق كونها أصبحت واعية بحقوقها. وتدعو الصايغ الجمعيات والمؤسسات الأسرية والمجتمعية إلى وضع خطط جديدة لاستراتيجياتها بحسب مقتضيات المرحلة الحالية، مشيرة إلى أن برامج هذه الجمعيات لم يطرأ عليها تغيير منذ اكثر من ثلاثة عقود.
وتطلب الصايغ بأن تكون مصادر المعرفة متنوعة في هذا الخصوص، وبالتالي عدم التركيز فقط على رجال الدين غير المؤهلين للحديث عن حقوق المرأة، بل هناك باحثون وناشطون مدنيون ورجال قانون وغيرهم من المشاركين في مؤسسات المجتمع المدني يستطيعون أن يقدموا المعرفة للمرأة وغيرها من أفراد المجتمع في ما يتصل بقانون الأحوال الشخصية.
ورداً على سؤال إلى من تلجأ المرأة في حالة تعرضها لعنف ولمعرفة كيفية التصرف أجابت الدكتورة الصايغ قائلة: يوجد بالدولة العديد من المؤسسات التي تساعدها، منها مؤسسة دبي لرعاية المرأة والطفل، وأيضا في أبوظبي يوجد مؤسسات وملاجئ لحماية المرأة من العنف والتي تؤمّن لها الإيواء وهذا الأمر غير معروف لدى النساء المعنفات سواء لفظياً أو جسديا، كما أن بعضاً منهن يفضلن عدم التوجه إلى هذه الأماكن خشية الفضيحة وهذه أكبر جريمة ترتكبها المرأة بحق نفسها.
بدرية بوكفيل رئيسة وحدة الدعم الفني لأنشطة الفتيات لإدارة مراكز الأطفال والفتيات بالشارقة لها وجهة نظر مختلفة، فهي تستبعد ان تكون المرأة جاهلة بحقوقها كونها ذكية بالفطرة ولديها دبلوماسية الفهم والصبر والصفات التي حباها الله بها، فإذا أحبت التعرف إلى حقوقها فستكون الباحثة الاولى، بل هي أذكى من أن توصف بأنها لا تعرف حقوقها. والله وضع بين يديها المصدر الأساسي لكافة التشريعات وهي الشريعة الاسلامية وهذا يعني أن المصدر ليس خافياً على أحد لأن كتاب الله موجود في كل منزل.
كما أنه توجد العديد من المؤسسات التي تساعدها على الإلمام بحقوقها وأمامها المحكمة ورجال القانون، لذا انا لا استطيع إلا أن ألومها وحدها على جهلها بحقوقها.
حصة المدفع عضو مجلس استشاري سابق في حكومة الشارقة أكدت أن الإماراتية تحظى بالاحترام من قبل مجتمعها وحكومتها، مشيرة إلى أنه عندما كانت تحصل حالة طلاق في المجتمع الاماراتي في الماضي فتكون من دون خلاف أو عنف بسبب العرف المتبع بأنه من المعيب أن تعنف المرأة.
أما اليوم فحقها محفوظ أكثر خاصة من قبل المسؤولين.
وتعتقد المدفع أن العنف الواقع على المرأة حدث بسبب تحول العالم إلى قرية صغيرة وبالتالي التأثر بثقافات الغير المختلفة عن ثقافتنا. في حين أن قانون الأحوال الشخصية ينصف المرأة ويكفل حقوقها، إلا ان المشكلة تكمن وبحسبها أن بعضاً منا لا يطبق الدين كما يجب بل يلتف عليه، حتى أن ثلة من المثقفين يروجون لثقافة سلبية عن صورة المرأة بأنها كائن ذليل خاضع للرجل.
خولة عبدالرحمن الملا مديرة مدرسة النوف للتعليم الثانوي والعضو السابق بالمجلس الاستشاري بالشارقة تقول: الهدف من القوانين تنظيم العلاقات بين الناس، فكيف إذا كانت تنظم علاقة الزوج والزوجة ليستطيعا العيش معا تحت سقف واحد والسير في الحياة معاً وتستهدف قوانين الأحوال الشخصية تعريف كل طرف بحقوقه وواجباته.
وأصل هذه القوانين قيامها على مبدأ التكامل والتعاون وليس على التنافس، لأن في الاساس هدف قانون الأحوال الشخصية سعادة الأسرة وتقوية أواصرها ومن ثم بناء مجتمع متماسك، ولعلنا في هذه الايام بحاجة إلى نشر ثقافة فهم هذه القوانين فالكثير من المشكلات التي تقع بين الزوجين ناتجة عن عدم فهم كل طرف حقوقه وواجباته.
ومن هنا نتجت بعض الظواهر الغريبة على مجتمعاتنا وقد تكون حالات فردية مثل العنف والهجر والطلاق لأسباب واهية، واعتقد أن هذه الأمور لا تنتج إلا في ظل وجود خلل في العلاقة الأسرية.
ولعلنا نحتاج إلى تكثيف جهود المؤسسات المجتمعية والإعلامية في تثقيف الزوجين والأسر والمقبلين على الزواج بحقوق الطرفين وواجباتهما لا سيما المرأة التي عليها إذا عرفت حقوقها وواجباتها ووجدت ظلما رغم صبرها أن تلجأ للقضاء لأن الله سبحانه وتعالى لم يرض بالظلم لنفسه ولم يرضه لعباده، ولكن علينا الحذر حتى لا يتحول ذلك إلى منافسة.
وحول الوسائل التي تثقف المرأة بالقوانين التي تحميها وتحافظ على حقوقها أضافت: يجب إنشاء مكاتب للاستشارات الاجتماعية والزوجية لتقديم النصح في الحقوق والواجبات، وعلى المرأة خاصة والأزواج عموما التعرف إلى حقوقهم وواجباتهم.
طلاق عاطفي
الدكتورة عليا إبراهيم استشارية أسرية أوضحت أن العنف بشكل عام والعنف الأسري بوجه خاص أمر قديم قدم البشرية، حيث شهدته الأسرة عبر العصور التاريخية المختلفة.
وتضيف: من أهم أسباب هذا العنف الجهل، وأعني جهل المرأة بحقوقها الشرعية والقانونية، فجهل المرأة بقانون الأحوال الشخصية للدولة التي تنتمي إليها، وكذلك جهلها بالشروط التي يمكن أن يتضمنها عقد الزواج وآليات تحقيقها. وهذا الجهل يعرض المرأة للعديد من أشكال العنف بدرجات متفاوتة ونسبية. وفي هذا السياق يمكننا الإشارة إلى أن المفهوم العام أن العنف ينتج عنه ايذاء جسدي، ولكن العنف لا يقتصر على هذه الناحية، فأنواع العنف متعددة وتأثيراتها متنوعة بل متداخلة مع بعضها بعضاً.
وجهل المرأة بحقوقها الشرعية والقانونية يعرضها في أحيان كثيرة للعنف النفسي على سبيل المثال، فإن زواج الزوج بزوجة ثانية حق شرعي للرجل بشرط اقامة العدل وبالتالي اهماله للزوجة الأخرى وامتداد هذا الاهمال للأبناء وسواء كان هذا الاهمال معنوياً أو مادياً يمثل عنفاً نفسياً تعاني منه الزوجة والأبناء.
وتشير إلى دراسة نشرت في احدى المجلات المتخصصة في العلوم الإنسانية عن العنف الأسري من خلال دراسة ميدانية بأن استمرار العنف الأسري ضد الزوجة كان نتيجة لجهل المرأة وأن 5،3% من عينة الدراسة يعرفن حقوقهن، و37% من المبحوثات يعرفن حقوقهن إلى حد ما، بينما 57،7% من المبحوثات لا يعرفن حقوقهن على الاطلاق، فمع غياب القراءة عن مجتمعاتنا العربية أصبحت وسائل الاعلام تساهم في تكوين معتقداتنا وتشكل مصدراً مهماً لمعلوماتنا، خاصة الإعلام المرئي، وأصبح معظم النساء يستقين معلوماتهن من الدرما والبرامج الحوارية التي شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر فيه، بالاضافة إلى أن لكل بلد قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بها، ولذلك فإن سوء الفهم الذي يتكون لدى بعض المشاهدات ذوات القدر الضئيل من التعليم قد يحدث لديهن خلطاً بين قانون الأحوال الشخصية الخاص ببلدهن والخاص بدولة أخرى نتيجة رؤية عمل درامي أو برنامج حواري.
خط قانوني ساخن
يقول المستشار القانوني محمد شلبي: جهل المرأة بالقوانين سمة عامة في المجتمعات العربية، وذلك نتيجة المحاذير التي تحيا في ظلها ولا تتيح لها معرفة الكثير من الأمور بما فيها القانونية مما يجعلها تتعرض للأذى والعنف الزوجي من دون أن تعرف إيقاف هذا الأمر بالقانون خاصة أن القانون الإماراتي صارم ويفرض العقوبات التي تصل الى حد السجن في وجه كل من تسول له نفسه المساس بحياة الإنسان من إيذاء بدني وخلافه، أما عن الإيذاء المعنوي والنفسي من سب وقذف ونشر صور فاضحة فمواد القانون من 370 الى 375 تعاقب على هذا الأمر.
ويستدرك: إلا أن الجهل بهذا الأمر هو الذي يضيع حقوق المرأة ومثلما حدث مع إحدى الحالات التي هددها زوجها بنشر صورها الخاصة معه على الإنترنت كي تستجيب لرغباته ولم تلجأ الى القانون إلا في نهاية الأمر بالرغم من أنها لو لجأت للقانون من البداية لوفرت على نفسها ما تحملته من ألم نفسي كبير.
ويشير شلبي إلى أن الجهل بالقانون يضيع الكثير من حقوق المرأة ويزيد من مساحة العنف الممارس ضدها وعليه لا بد من وجود توعية قانونية تستهدفها عبر إنشاء خط قانوني ساخن يوفر لها ثقافة قانونية هي في أمس الحاجة إليها وهي تمارس حياتها اليومية والزوجية، كما يجب عليها ألا تصمت على من يمارس عليها العنف، بل ان تحاول اللجوء إلى القانون كي لا يتمادى الطرف الآخر وتحفظ كرامتها وتصون حقوقها.