يزعم بعض الناس قدرتهم على معرفة الغيب والتنبؤ بما سيحدث للإنسان في المستقبل، ويقع كثير من المسلمين - من البسطاء والمثقفين على حد سواء - فريسة لهذه الأوهام والخرافات التي تهدر فيها أموال وتضيع كرامات وتنتشر أوهام نتيجة ادعاء البعض معرفة ما يحدث للإنسان في المستقبل، أو معرفة ما حدث له في الماضي ولم يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل.
علماء الإسلام يؤكدون أن ادعاء علم الغيب وخداع الإنسان بمعرفة بعض أسراره وخصوصياته أو التنبؤ بما سيحدث له في المستقبل سلوك يخرج بفاعله وكل من يؤمن به عن دائرة الإيمان، فالإسلام أعلن الحرب على الكهانة ودان سلوك الكاهن الذي يدعي معرفة الغيب، والمنجم الذي يخدع الناس بسلوكيات ومفاهيم وتصرفات لا يقرها دين ولا عقل، ولذلك حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستعانة بالكهان والتردد على من يدعون علم الغيب، فقال عليه الصلاة والسلام لا تأتوا الكهان وروت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم أن ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال ليسوا بشيء فقالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثوننا أحيانا بشيء فيكون حقاً. فقال رسول الله عليه أفضل الصلاة والتسليم تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ليسوا بشيء أي ليس قولهم بشيء يعتمد عليه.
يقول القرطبي: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم، وثبت النهي عن إتيانهم، فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن حُلوان الكاهن وهو ما يعطاه من أجر أو مكافأة، وشبه بالشيء الحلو من حيث أخذه حلوا سهلا بلا كلفة ولا مشقة، وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان لكاهن، ولذلك قال العلماء بعدم جواز تقديم شيء لهم مقابل تكهنهم، كما لا يجوز لهم أخذه، لأنه كسب محرم، وأجر على عمل محظور وضار.
تحذير نبوي
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية ورئيس جامعة الأزهر الأسبق: الإسلام يحذر تحذيراً شديداً من التعامل مع الدجالين والنصابين الذين يدعون علم الغيب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح من أتى كاهناً فصدقه بما يقوله، أو أتى امرأة حائضاً، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما انزل على محمد ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر من أتي عرّافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما انزل على محمد ويقول في حديث ثالث من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. وأي خسارة أكبر من عدم قبول الصلاة، وهي عمود الإسلام والصلة اليومية بين العبد وربه؟
وإذا كان هذا شأن من يأتي الدجالين ومن يزعمون علم الغيب وسألهم وصدقهم، فما بالنا بأمر هؤلاء؟ وما موقف الإسلام منهم؟ وما موقفهم من الإسلام؟
الرسول صلى الله عليه وسلم يجيب عن كل هذه التساؤلات ويقول: ليس منا من تطير، أو تطير له، أو تكهن، أو تكهن له، أو سحر، أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال في حديث آخر: لن ينال الدرجات العلى من تكهن، أو استسقم، أو رجع من سفره تطيرا.
ومعنى استسقم أي استسقم بالأزلام ونحوها.. وفي القرآن وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق.
والتطير: التشاؤم، وهو شيء لا ينبغي على منطق ولا قاعدة كالذين يتشاءمون ببعض الأرقام مثل رقم 13 أو بعض الأيام، أو بغير ذلك.
إفساد للعقيدة
والسؤال الذي يتردد على ألسنة كثيرين: لماذا هذا التشديد في التعامل مع قضية الكهانة وادعاء البعض معرفة الغيب؟
يقول الداعية والفقيه الدكتور يوسف القرضاوي: الكهانة إفساد لعقيدة المسلم، فمن المقرر فيما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن الغيب مما استأثر الله تعالى بعلمه، فلا يعلمه إلا هو سبحانه، ومن ارتضى من رسول يعلمه منه بما يشاء وفق الحكمة الإلهية، يقول تعالى في كتابه العزيز قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله، ويقول عز وجل وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون وقال عز وجل عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول وجاء في الحديث الصحيح: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى: لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله تعالى، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله تعالى، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله تعالى، ولا يدري أحد متى يجيء المطر إلا الله تعالى.
وفي رواية أخرى قال عليه الصلاة والسلام: أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير.
كل هذه النصوص وغيرها تؤكد أن الغيب لا يعلمه إلا الله عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
ليس من الغيب
لكن: هل ما تذكره هيئات الأرصاد الجوية من احتمالات هبوب الرياح، وسقوط الأمطار، ودرجات الحرارة والبرودة والرطوبة، والمد والجزر، وما يتعلق بذلك من الأمور يدخل في باب التنبؤ بالغيب؟
يقول الدكتور القرضاوي: هذه لا تدخل في الغيب، لأنها مبنية على أشياء مشاهدة، من وجود مرتفعات أو منخفضات جوية قادمة من الشمال أو من الجنوب، أو من الشرق أو من الغرب، وتترتب عليها آثارها وفق سنن الله تبارك وتعالى، فما يذكره الراصدون هنا ليس من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، بل من المشاهدات التي جعل الله علمها لخلقه من البشر، على أن الأولى بالراصد المؤمن في هذا المقام أن يذكر في كلامه بعض الكلمات المفيدة مثل إن شاء الله أو يقول في النهاية هذا والعلم عند الله تعالى. ومن الغيب النسبي الذي يعرفه كثير من الناس ما يسمى بالتنبؤ أو الفراسة، وهذا ليس علما بالغيب فقد نعرف من عادات فلان وشخصيته أنه يثور لأسباب معينة كأن يكون كارهاً لشخص ما ولا يريده أن يدخل إلى بيته، فيأتي هذا الشخص إلى بيته في غيابه، وحينئذ نقول إذا حضر فلان الآن فستحدث مشاجرة، ثم يحضر فلان فعلا وتحدث المشاجرة، فهذه فراسة وليست علما بالغيب. وقد يرى إنسان أن ابنه لا يذاكر، يفتح الكتاب وينظر فيه ولكنه لا يستوعب شيئا، أو يتظاهر بالمذاكرة ويغلق باب حجرته ولكنه لا يذاكر، فيقول: هذا الولد سيرسب، ويأتي الامتحان ويرسب الولد فعلا، وهذه فراسة وليست علما بالغيب، لماذا؟ لأن هناك مقدمات هي التي تقود إلى النتائج.
أيضا لو سألنا أستاذاً يعلم أحوال تلاميذه: من سيحصل على المركز الأول في نتيجة الامتحان؟ ومن سيرسب؟ فإنه يستطيع أن يحددهم، بل إنه قد يتنبأ بأن فلانا سيكون الأول، وفلاناً سيكون الثاني، وفلانا سيكون الثالث، ويأتي الامتحان وتظهر النتيجة طبقا لما قاله المدرس أو الأستاذ، وهذا ليس علما بالغيب، بل هو فراسة وذكاء وخبرة في التنبؤ بالنتائج.
شعبة من السحر
والتنجيم ضرب من الكهانة أو السحر، وهو علم يزعم أصحابه ربط حوادث الأرض بنجوم السماء، ويدعون أنه سيحدث كذا في سنة كذا من البلاء والغلاء والموت، وقد عرف الناس كذبهم من قديم، وقالوا فيهم كذب المنجمون ولو صدقوا. وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من التنجيم واعتبره شعبة من السحر، فقد قال في الحديث الصحيح من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد.
وقد حدد العلماء معالم علم النجوم المنهي عنه بأنه: ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان كإخبارهم بأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وظهور الحر والبرد وتغير الأسعار وما كان في معانيها من الأمور، يزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها، وباجتماعها واقترانها، ويدعون لها تأثيراً في السفليات، وأنها تتعرف إلى أحكامها، وتجري على قضايا موجباتها.. وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاطٍ لعلم استأثر الله سبحانه وتعالى به، لا يعلم الغيب أحد سواه. أما علم النجوم الذي يدرك عن طريق المشاهدة كالذي يعرف به الزوال، وتعلم به جهة القبلة، فإنه غير داخل فيما نهي عنه.
من هنا يتفق علماء الإسلام على أنه لا مكان في ديننا لمنجم ولا ساحر ولا كاهن ولا عراف، كما يتفقون على ضرورة مطاردة الدجالين والعرافين والمنجمين والسحرة والمشعوذين الذين ينصبون على عباد الله وتوقيع عقوبات رادعة عليهم حماية لدين الله، وإنقاذا للعقل المسلم من هذه الخرافات.