يعتقد معظم الحجيج ان زيارة المدينة المنورة مرتبطة بالحج، فلا يتقبل الله من الحاج حجه إذا لم يزر المدينة المنورة قبل الحج أو بعده وقت وجوده في مكة المكرمة لأداء فريضة الحج.
- بل أكثر من ذلك فإنهم يعتقدون ان من الواجب ان يبقى في المدينة، ويصلي في المسجد النبوي اربعين صلاة، أي ما يساوي إقامة ثمانية أيام، وبعضهم يتكلف لهذه الإقامة مبلغاً باهظاً من المال وهو غير مستطيع أصلاً.
- والواقع أنهم يستندون في اعتقادهم هذا الى حديث روي بأكثر من وجه، فقد روى الإمام احمد في مسنده، والطبراني في الأوسط عن أنس عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صلى في مسجدي اربعين صلاة لا يفوته صلاة، كتبت له براءة من النار، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق قال الهيثمي في مجمع الزوائد: روى هذا الحديث أحمد والطبراني ورجاله ثقات.
- لكن قال الطبراني: لم يروه عن أنس إلا نبيط وتفرد به ابن أبي الرجال، وقد قال الألباني في السلسلة الضعيفة: وهذا سند ضعيف، لأن نبيط لا يعرف إلا في هذا الحديث.
- وورد الحديث بطريقة أخرى عن أنس ايضاً موقوفاً ومرفوعاً الى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: من صلى لله اربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق، (أخرجه الترمذي وصححه الالباني).
- يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في فتاواه عن حديث الاربعين صلاة: أما ما شاع بين الناس من أن الزائر يقيم ثمانية أيام، حتى يصلي اربعين صلاة، فهذا وان كان قد روي في بعض الاحاديث ان من صلى فيه اربعين صلاة، كتب الله له براءة من النار، وبراءة من النفاق، إلا أنه حديث ضعيف عند أهل التحقيق، لا تقوم به الحجة ولا يعتمد عليه، والزيارة ليس لها حد محدود، وإذا زارها ساعة أو ساعتين أو يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك فلا بأس.
- اقول: ولو أردنا ان نجمع بين الحديثين، لكان الجمع ممكناً، والفضل بذلك حاصل، لأن الحديث الثاني الذي صححه العلماء يؤكد فضيلة المواظبة على اربعين صلاة مكتوبة في أي مسجد، فإذا كان المسجد الذي صلى فيه المسجد النبوي، فلا شك أن الفضيلة أكبر، كما ورد في الحديث الصحيح: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام افضل من مائة ألف صلاة فيما سواه (رواه مسلم).
- وفي الحديث الصحيح ايضاً: لا تشد الرحال إلا الى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى.
- من هذا يتبين ان فضل الصلاة في المسجد النبوي كبير، ولكن لا يعني أنها أكثر فضلاً من المسجد الحرام ولو كان مثل هذا التأكيد على إقامة ثمانية أيام مطلوباً، لكان المسجد الحرام أولى بذلك، لكن لم يرد ذلك في أي حديث، ولم يرد حديث الأربعين صلاة في الصحيحين ولا في السنن الأربع بشكل متفق عليه.
- مما يعني أن بعض المحبين والمتشوقين الى البقاء في مدينة الرسول ومسجد الرسول وروضة الرسول صلى الله عليه وسلم، بالغ في حبه وبحث له عن دليل من السنة، ونحن في الحقيقة كلنا نشترك معه في حب الرسول وحب البقاء في مدينة الرسول التي قال عنها الشاعر:
لطيبة عرج إن بين قبابها
حبيباً لأدواء القلوب طبيب
إذا لم تطب في طيبة عند طيب
به النفس قد طابت فأين تطيب؟
وقد قال عليه الصلاة والسلام عن مسجده: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.
- هذا النص لاشك أنه يحثنا على بقاء فترة اطول في المدينة للصلاة في مسجد الرسول، وللسلام على الرسول في أي وقت من العام، ومن الجفاء ايضاً أن يأتي الحاج من مكان بعيد ليحج، ثم يعود الى بلده من غير أن يزور المسجد النبوي، ومن غير أن يسلم على الرسول وصاحبيه، ومن غير أن يصلي ركعتين في مسجده، وقد روي ان اعرابياً دخل المسجد النبوي، ووقف أمام الحجرة الشريفة مسلماً ثم قال:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه
فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي فداء لقبر أنت ساكنه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم
أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته
على الصراط إذا ما زلت القدم
وصاحباك فلا أنساهما أبداً
مني السلام عليكم ما جرى القلم