ما من كيميائي منذ أقدم العصور إلا وداعب بأنامله أنابيب الاختبار، المستقيمة منها والمعوجة وراوده حلم تحويل المعادن لا سيما الزئبق منها إلى ذهب! والحقيقة أنه على الرغم من أن الحلم ببلوغ الثراء السريع ظل مستعصياً على الجميع، إلا أن رجلاً واحداً استطاع بطريقة ما أن يغير المعادلة وأن يجعل من هذا الأمر حقيقة ملموسة ولذا توطدت علاقة فريدريك ملك بروسيا بالكيميائي ذى الوجه الشاحب الذي أطلق على نفسه اسم الكونت كاتانو . . والذي كان يتحدث الألمانية بلكنة إيطالية ولا يعرف أحد من أين جاء، وقبل الدخول في دهاليز أسطورة تحويل الزئبق إلى ذهب نذكر أمراً صغيراً حدث مع العلامة العربي جابر بن حيان الذي تلقى علمه على يد والده حيان بن عبد الله الذي كان يعمل عطاراً فقد علمه أسرار المعادن والأحجار لكنه حذره من البحث عن حجرالفلاسفة، ذلك الشيء الذي أطار بعقول العلماء والناس الذين بحثوا عنه طوال العصور القديمة والوسطى بهدف تحويل المعادن الرديئة إلى ذهب بما كان يعرف بعلم الخيمياء وكإكسير للحياة لأنه يخلد الشخص الذي يعثر عليه ويعيده شاباً . وهناك تشابه كبير بين قصة كاتانو وأسطورة الزئبق الفرعوني التي خلبت عقول الناس وجعلتهم يجاهدون في البحث عنه ويستميتون في ذلك مع أنهم لم يعثروا عليه أبداً .

ولقد كان للعلامة جابر بن حيان (أبو الكيمياء) رأي في الزئبق حيث ذكر أن الزئبق نوعان: النوع الأول هو الزئبق المعدني الذي يوجد في الطبيعة، أما النوع الثاني فهو الزئبق المستنبط من جميع الأشياء، ويقصد بذلك أنه مركب من جميع المواد الموجودة في الطبيعة، والنوع الأخير اشتهر بين بعض الجهلاء من العامة وبعض المتعلمين باسم الزئبق الفرعوني فهم لا يصنفونه على أنه مركب كيميائي معقد بل يصنفونه على أنه مادة سحرية لها مواصفات تخلب الألباب .

والآن ما هي حكاية ذلك الإيطالي كاتانو؟ في 20 مارس/ آذار 1705 م على وجه التحديد، كان هذا الرجل قد حول كمية من الزئبق إلى ما لا يمكن تمييزه عن الذهب الحقيقي وذلك بحضور الكيميائي الدانمركي المشهور ديبيل .

وعلى الرغم من أن ديبيل راقب التجربة بيقظة من بدايتها إلى نهايتها، إلا أنه أعرب صراحة عن شكه فيما ادعاه كاتانو وعبر عن عدم اقتناعه بالتجربة وإن لم يستطع تقديم إيضاح لأسباب شكه لكن نبأ الرجل الغريب وصل إلى أسماع الملك فريدريك فأمر بتجربة يجريها كاتانو خصيصاً أمام الملك شخصياً ليتأكد من صحة تجربته . ولكي لا يستخدم الكيميائي الغريب أي خدعة، أصر ابنه الأمير على أن يستعمل كاتانو في تجربته الملكية أجهزة تقدمها له مختبرات الدولة وأن يتم فحص المعدن الناتج في الحال، ولا يسمح لكاتانو باستعمال شيء من عنده سوى المسحوقين السريين اللذين كان أحدهما أحمر والآخر أبيض .

بدأت التجربة بتسخين كمية من الزئبق إلى درجة الغليان وبعد دقائق أخذت الفقاعات تتلاطم بعنف على سطح المعدن السائل وأخذ الدخان يصاعد من البوتقة وهنا أضاف الرجل إلى المعدن المغلي قدراً طفيفاً من المحلول السري الأحمر وأخذ يقلبه جيداً بيد الخبير الواثق ثم أطفأ اللهب وترك البوتقة لتبرد . وبعد نصف ساعة أفرغ محتوى البوتقة فإذا هي سبيكة معدن وهاج في لون التبر الخالص . أثبت الاختبار بالفعل أن الناتج هو ذهب حقيقي . . وفي التجربة الثانية استخدم الكونت كاتانو مسحوقه السري الأبيض وخلط به الزئبق المغلي وبعد التبريد اتضح أن الزئبق تحول إلى فضة لا فرق بينها وبين المعدن المستخرج من المناجم! أعجب الملك فريدريك بالكونت كاتانو، وأفسح له مكاناً بين رجال البلاط وأصبح من المقربين، فلمع اسمه في المجتمع البروسي لا سيما أنه وعد الملك بأن يجعله أغنى ملك في العالم وبأنه لن يكف عن إنتاج المعدن النفيس بكميات تضيق بها خزائنه .