تعد الهند المنطقة الجغرافية الأوسع التي يعيش فيها المسلمون الذين يزيد عددهم على المئتي مليون، أي أنهم ثاني تجمع إسلامي في العالم بعد إندونيسيا أكبر دولة إسلامية، ومع هذا فهم أقلية في ثانية أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ولهذا فإن الحديث عنهم مفيد في الاطلاع على أحوالهم وتاريخهم، وهذا ما تعرفنا إليه من خلال حوارنا مع الدكتور أصغر علي إمام مهدي، الأمين العام لجمعية أهل الحديث الهندية، التي تعد أقدم جمعية إسلامية بالهند؛ وذلك خلال زيارته للقاهرة للمشاركة في إحدى الفعاليات الإسلامية.
وفيما يلي تفاصيل الحوار:
في البداية نود إلقاء الضوء على جمعية أهل الحديث؟
هي أقدم جمعية إسلامية في الهند؛ حيث تأسست قبل أكثر من قرن وبالتحديد عام 1906 على أيدي أعلام الدعوة الإسلامية بالهند، مثل العلامة الشيخ عمر التسري، عليه رحمة الله، وله مؤلفات كثيرة في التفسير والحديث والفقه، وكذلك الشيخ أبادي والشيخ عبد الرحمن المبارك فوري شارح «تحفة الأحوذي شرح الترمذي» والشيخ عبد العزيز الرحيم أبادي وغيرهم الكثير من أعلام الأمة، وقامت الجمعية بدور كبير في الدفاع عن القرآن الكريم والسنة النبوية ضد الطاعنين والكارهين والمبتدعين والخارجين عن الملة الذين لهم جذور في الهند مثل: القاديانية والأحمدية وغيرهما.
الجهود الدعوية
كيف تقوم الجمعية بتوصيل دعوتها إلى من هم في حاجة إليها داخل شبه القارة الهندية المترامية الأطراف؟
- منذ نشأة الجمعية وهي تعمل في اتجاهات ثلاثة «الدعوة.. والتعليم.. والبحوث» وتعمل على توصيل رسالتها في هذه المجالات من خلال العديد من وسائل الإعلام؛ حيث تصدر الجمعية أربع مجلات بأربع لغات هي: العربية، والأوردية، والهندية، والإنجليزية، وهذه المجلات تطبع بأعداد كبيرة ولهذا فإنها ذات دور كبير في نشر الوعي الديني في كل الولايات الهندية، إضافة إلى مجلات أخرى تصدرها فروع الجمعية ونحلم ببث فضائية إسلامية باللغات السابقة لتسهل وصول العلوم الشرعية والعربية إلى المسلمين خارج الديار الهندية وليس الداخل فقط.
ونحن لدينا أدواتنا الإعلامية التي تنشر مقالات ودراسات وأبحاثاً باللغات الأربع، كما أن الجمعية اهتمت بنشر الدعوة عن طريق تأليف الكتب ونشرها على أوسع مدى، فمثلاً قامت بترجمة معاني القرآن الكريم باللغتين الأوردية والهندية، وتم توزيعها بشكل كبير، وكذلك قمنا بترجمة صحيح البخاري، بالإضافة إلى تأليف وطبع الكثير من الكتب للرد على الأباطيل المنشورة عن القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك تفنيد مزاعم الفرق الضالة والهدامة، كما أنجزنا ترجمة وطبع أمهات كتب التراث الإسلامي في مختلف العصور، سواء من علماء الهند، أو مختلف الدول الإسلامية.
رغم هذه الجهود الكبيرة إلا أن الدعوة المباشرة ستظل هي الأقوى تأثيراً، فهل تقومون بذلك في بلد مترامي الأطراف؟
- بفضل الله الجمعية لديها كثير من الدعاة المتجولين، ويتعاونون مع مختلف الجمعيات الإسلامية الأخرى لنشر الفكر الوسطي المعتدل بعيداً عن الإفراط أو التفريط، فهناك الكثير من الدعاة يتجولون في كل الهند، كما تقوم الجمعية بإنشاء كثير من المدارس الإسلامية الخاصة بعلوم القرآن الكريم والسنة النبوية وتؤدي دورها التعليمي والدعوي بشكل كبير، سواء بشكل منفرد أو بالتعاون مع غيرنا.
حرية دينية
شهدت الهند منذ سنوات مناوشات تحولت إلى فتنة طائفية، فهل يتمتع المسلمون بحرية دينية حقيقية؟
- بفضل الله الدولة لا تتدخل في شؤوننا سواء في أمور الدعوة أو إنشاء المدارس الإسلامية التي يزيد عددها على الألفي مدرسة، ولدينا كثير من الجامعات الإسلامية، ونحن نستفيد من ديمقراطية الهند، والحمد لله لدينا عشرات الآلاف من المساجد التي يقيم المسلمون فيها شعائرهم بكل حرية، والمسلمون بطبعهم مسالمون ويتعايشون سلمياً مع غيرهم ونعمل مع غيرنا من المواطنين أصحاب الديانات المختلفة على الارتقاء والنهوض ببلادنا، لأن حب الوطن من الإيمان.
لكن هناك اتهاما من الإعلام الغربي للمدارس الدينية في باكستان والهند بأنها تفرخ الإرهاب؟
- هذا الكلام تم الترويج له بعد أحداث 11 سبتمبر لتبرير التضييق على الدعوة الإسلامية في المنطقة كلها، نحن نعترف بأن هناك قلة لديهم أفكار متطرفة، إلا أن الغالبية العظمى من مدارس الهند وباكستان تتصف بالوسطية والاعتدال، ولكن للأسف فإن الإعلام المعادي للإسلام قال بالتعميم، مما جعل بعض مؤسسات التعليم الإسلامي تتعرض لمضايقات وتضييق، وهذا ما دفع المسلمين لعقد مؤتمر حضره بلا مبالغة قرابة المليون في دلهي وضم مسؤولين بينهم وزير الداخلية، وكان موضوعه: «هل المدارس الإسلامية مراكز للإرهاب أم مراكز لخدمة الإنسانية؟». وقال وزير الداخلية الهندوسي آنذاك: «إن المدارس الإسلامية لها قيمتها ولها وزنها ولا ننسى خدماتها وأقولها بصراحة: إن المدارس الإسلامية ليست مراكز للإرهاب بل هي مراكز لخدمة الإنسانية». والحمد لله الأوضاع الآن مستقرة تماماً ونحن أنفسنا نلفظ الفكر المتطرف أياً كان القائم به، لأنه يسيء للإسلام ويسبب مشكلات للمسلمين، ولهذا فنحن نحارب أي فكر متطرف بالفكر لتفنيد أدلته الواهية في القضايا الحيوية مثل التكفير والجهاد وتطبيق الشريعة وما يتعلق بالنساء.
«كأنك في بلد عربي»
هل تتعصب المدارس الإسلامية الهندية لمذهب معين؟
- إطلاقاً فنحن ندرس كل المذاهب الإسلامية لأهل السنة والجماعة مع تركيز مدارس كل منطقة على المذهب الأكثر انتشاراً فيها وهذا أمر طبيعي، أما المناهج الدراسية بوجه عام فهي تتضمن مختلف علوم الشريعة الإسلامية واللغة العربية، وكأنك في بلد عربي تماماً ومنها على سبيل المثال تفاسير القرآن الكريم وأمهات تفسير الحديث مع التركيز على كتب الحديث الستة وغيرها من أمهات كتب العلوم الشرعية المختلفة، وخاصة المتعلقة بالقرآن الكريم والحديث وشروحه ومصطلحاته، ولأهل الحديث جهود كبيرة في مقاومة البدع والشركيات الصغرى والكبرى، والتي انتشرت فترة الاستعمار البريطاني الذي عمل على هدم الإسلام من داخله بأيدي المسلمين الجهال والمارقين.
ما الصعوبات التي تواجه الدعوة الإسلامية في الهند؟
- أكبر مشكلة تواجهنا جهل بعض المسلمين بدينهم ووقوعهم فريسة لأهل البدع والضلالات المخالفة للدين، وذلك بسبب الأمية الدينية المتأصلة في بعض المناطق البعيدة عن النشاط الدعوي المنطلق من صحيح الدين، والمشكلة الأخرى هي كثرة الفرق والجماعات والمذاهب والطوائف الإسلامية من دون تنسيق بينها، بل إنه في بعض المناطق نجد بينها صراعات تصل إلى درجة التكفير، ولك أن تعلم أنه في الهند يوجد أتباع للمذاهب الأربعة التي يتبعها أهل السنة والجماعة، ولكن أغلبية المسلمين في الهند على المذهب الشافعي.
اعتراف بالتقصير
في تصريحات لكم اتهمتم دول العالم الإسلامي بالتقصير في إيصال تعاليم الدين الإسلامي للغرب، فما الذي دفعك إلى قول ذلك؟
- هذا واقع لا بد من الاعتراف به وهذا التقصير تسبب في انتشار «الإسلاموفوبيا»، وأعتقد أنه لو قام دعاة الشرق الإسلامي المشهود لهم بالوسطية بدورهم الدعوي لتم تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة والشبهات التي يروج لها المستشرقون والمبشرون وأعداء الإسلام بوجه عام، وربما اعتنق كثير من الغربيين الدين الإسلامي، بدلاً من أن يكونوا معادين له بسبب الجهل به، وكما يقال «الإنسان عدو ما يجهل»، فهل نحسن تقديم ديننا الذي يتوافق مع الفطرة السوية؟
لكن البعض يؤكد أن العداء الغربي للإسلام متوارث ومتأصل في نفوس الغربيين وليس وليد اليوم؟
- أنا لا أبرئ المسلمين من سوء تقديم دينهم بسبب حروبهم الطائفية والمذهبية وعدم تقديم الإسلام من خلال القدوة الطيبة، مثلما فعل المسلمون الأوائل الذين استطاعوا إدخال الإسلام إلى جنوب شرق آسيا، وكذلك إلى غالبية القارة الإفريقية عن طريق التجار الصادقين والدعاة المخلصين من دون استخدام سلاح، لأن الإسلام دين الفطرة السليمة.
الهند بلد يضم الكثير من أتباع الأديان والمذاهب الوضعية.. فما مدى إقبال غير المسلمين على الدخول في الإسلام؟
- يعد الإسلام الدين الأسرع انتشاراً في العالم كله وليس في الهند فقط، لأنه فطرة الله التي فطر الناس عليها، ونحن بدورنا كعلماء في الجمعيات الإسلامية المختلفة علينا بيان حقيقة الإسلام وسماحته وتصحيح المفاهيم حوله وينتج عن ذلك بيان مواصفات الدين الحق لغير المسلمين، فيدخلون في دين الله أفواجاً عن اقتناع تام من دون إكراه لأننا لا نملك هداية البشر بل نبين لهم مواصفات الإسلام والله هو الهادي، لأنه سبحانه القائل: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»، ونعمل على تسليح المسلمين الجدد بالوعي الديني حتى لا يرتدوا إذا سيطر عليهم الجهل أو الأمية الدينية.
السلاح السحري
هل تخرج من عندكم قوافل دعوية إلى الأماكن التي يعيش فيها من يدينون بالأديان الوضعية للرد على أي استفسار خاص بالإسلام؟
- الهند بلد مترامي الأطراف ويتحدث أهلها لغات عديدة وتنتشر فيها كثير من الديانات الوضعية، ولهذا فإن الأمر متروك للدعاة في كل منطقة في تعريف غير المسلمين بحقيقة الإسلام من خلال الوسيلة التي يرونها مناسبة، سواء من خلال القوافل الدعوية واللقاءات المباشرة مع غير المسلمين، أو من خلال وسائل الإعلام التي تدخل البيوت ويتم عرض الإسلام من خلالها بشكل مبسط، ولهذا نخطط لإنشاء مزيد من وسائل الإعلام مستقبلاً باعتبار أن الإعلام هو السلاح السحري في الدعاية للحق والباطل على حد سواء، فإذا كان أهل الباطل يستخدمونه في نشر باطلهم فمن باب أولى أن نستخدمه في توضيح الحق والدفاع عنه وتفنيد حجج المعادين له تنفيذاً للأمر الإلهي: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
يزعم بعض المتعصبين الهنود أن الإسلام غريب لأنه دين عربي، فما هو ردكم على أمثال هؤلاء؟
- لا يردد هذا الكلام إلا من يجهل التاريخ الذي يؤكد أن الإسلام وصل إلى بلاد الهند منذ السنوات الأولى لظهور الإسلام عبر مدخل كيرالا في جنوب غرب الهند عن طريق التجار العرب الذين كانوا يتعاملون مع أمثالهم من الهنود قبل الإسلام، وبعد ظهور الدين الحق تم التواصل مع تجار الهند الذين حرصوا على معرفة المزيد عن الدين الجديد ودخل منهم عدد غير قليل ممن كتب الله لهم الهداية في الإسلام ومن هنا جاءت نواة الوجود الإسلامي في الهند التي تحتفظ بتراثها الإسلامي الذي يعد جزءاً رئيسياً من هويتها الثقافية.
لكن كيف انتشر نور الإسلام من أطراف الهند إلى داخل شبه القارة المترامية الأطراف التي كانت أكبر مما هي عليه الآن حيث خرجت من عباءتها العديد من الدول المجاورة؟
- بالطبع لم يكن الإسلام حبيس السواحل الجنوبية الغربية فقط، بل دخل منها وانتشر في الأعماق الهندية بعدة طرق أهمها تجول التجار العرب والهنود في الداخل الهندي، أما الوسيلة الأكثر تأثيراً فكانت في القرن العاشر الميلادي؛ حيث تمكن القائد الفاتح المسلم «محمود الغزنوي» من الانطلاق من أفغانستان ليضم إقليم البنجاب إلى دولته الإسلامية الكبرى، وانتشر نور الإسلام في الداخل الهندي، وسيطر المسلمون على مناطق واسعة من الهند في القرن الثاني عشر الميلادي، واستمرت دولة المسلمين قوية عدة قرون وعملت على العدل والمساواة وتبليغ رسالة الإسلام، مما جعل الهنود يدخلون في دين الله أفواجاً حتى جاء الاحتلال البريطاني وخطط لاقتلاع الوجود الإسلامي من الهند، ومن هنا تبنى الفرق الضالة وشجعها على ضرب الوجود الإسلامي من الداخل حتى وصل الأمر إلى تحريم بعضها الجهاد لطرد الإنجليز من الهند، ويعترف مؤرخو الهند المنصفون بأن المسلمين خلال فترة حكمهم أسسوا أرقى حضارة إنسانية في شبه القارة الهندية، ووصف جواهر لال نهرو مجموعة من الحكام المسلمين بالأبطال القوميين في كتابه «اكتشاف الهند».
أوضاع مختلفة
} هل تختلف أوضاع المسلمين في الهند من منطقة لأخرى بسبب اتساع مساحتها؟ وكيف يتعرف أهل كل منطقة على أمور دينهم؟
- أحوال المسلمين في الهند تختلف من منطقة لأخرى، ولهذا لا يمكن أن نقول إن المسلمين في الهند بوجه عام وضعهم واحد بل إن أوضاعهم تختلف حسب المنطقة التي يعيشون فيها وعلاقتهم مع السكان المحليين، حيث يمثلون أغلبية في بعض المناطق وأقلية في مناطق أخرى، وبالطبع فإن أوضاعهم في مناطق الأغلبية تكون أفضل من الناحية الدعوية، فمثلاً في جنوب الهند في منطقة «كيرالا» نجد نشاطاً واسعاً حتى إنها تعد من أكثر الولايات التي ينتشر فيها التعليم الديني الإسلامي، أما في الشمال والشرق الهندي فإن المسلمين أقلية وفقراء ويعانون الأمية الدينية والثقافية، ولهذا يتم تركيز العمل الدعوي في تلك المناطق.
تسعى بعض الدول الغربية إلى منع الحجاب وتجريم ارتدائه في مناطق العمل والشوارع، فهل لديكم في بلد غالبيته من غير المسلمين مثل هذا التضييق؟
- نتمتع بحرية مطلقة يكفلها القانون في ارتداء المسلمات للحجاب باعتباره فريضة دينية وحرية شخصية، وهناك إقبال شديد من النساء المسلمات على الالتزام بالحجاب، وإذا وجدت قلة من الأشخاص يحاولون مضايقة المحجبات فهم في النهاية أشخاص قليلون لا يمثلون إلا أنفسهم ويمكننا محاسبتهم بالقانون.