عرف المسلمون علم التعمية واستخراج المعمى وكان لهم دور رائد في تأسيسه وتطويره والتأليف فيه من زوايا مختلفة، فصنفوا عددا لا بأس به من المخطوطات، منها: رسالة الكندي في علم التعمية واستخراج العمى، وهي أول رسالة عربية يعود تأليفها إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، كما استعمل العرب مرادفات أخرى في هذا العلم، منها: الترجمة، والمترجم، والمبهم، والمرموز، والكتابة الباطنة . فهناك، على سبيل المثال، كتاب المؤلف للملك الأشرف في حل المترجم لعلي بن عدلان النحوي المترجم (ت 666هـ / 1268م)، وكتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز لجابر بن حيان الكيميائي (ت 200 هـ / 815م) وكتاب حل الرموز وبرء الأسقام في كشف أصول اللغات والأقلام لذي النون المصري ثوبان بن إبراهيم (ت 245 هـ / 859م)، وكتاب شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام لأحمد بن علي بن وحشية (ت بعد 391هـ / 914م)، وكتاب خصائص المعرفة في المعميات لأسعد بن مهدي بن مماتي (ت 606 هـ / 1209م)، وغير ذلك كثير .

وهناك من اشتهر بخبرته وكثرة مؤلفاته في هذا العلم، مثل علي بن محمد بن الدريهم (ت 762 هـ / 1361م) صاحب كتب: مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز وإيضاح المبهم في حل المترجم ومختصر المبهم في حل المترجم، ونظم القواعد في المترجم وضوابطه .

وتعزى أهمية هذا العلم وروعته إلى أنه الأروقة العربية لعلم الشفرة المعاصر، ويعني علم الشفرة Cryptology تحويل نص واضح إلى نص آخر غير مفهوم باستعمال طريقة معينة يستطيع من يعرفها أن يفهم النص، والعملية العكسية التي يتم بها تحويل النص المكتوب بالشفرة إلى نص واضح مفهوم تعرف باسم تحليل الشفرة Cryptanalysis، والشفرة لغة: رموز يستعملها فريق من الناس للتفاهم السري فيما بينهم (المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية بالقاهرة)، ويقابلها أيضا في الإنجليزية مع فروق طفيفة: Cipher وEncipher ويحظى هذا العلم باهتمام كبير في عصرنا الحاضر بالنسبة للحكومات والمؤسسات والأفراد على حد سواء، نظرا للحاجة إليه في الحفاظ على المعلومات في المجالات العسكرية، وفي الميادين الصناعية والتجارية والسياسية والاقتصادية، وفي أغراض الاتصالات، وغير ذلك . وتستخدم الدول المتقدمة أحدث التقنيات والحسابات العملاقة لتطوير قدراتها وتحقيق تميزها في هذا العمل .

وقد اعترف كبير مؤرخي علم الشفرة المعاصرين ديفيد كاهن D . Kahn في كتابه الصادر في العام 1976م بعنوان The Code Breakers بأن هذا العلم ولد بشقيه بين العرب، ونسب إليهم الفضل الأول في اكتشاف طرق حل الشفرة وتدوينها قبل الغرب بمدة طويلة، وأقر بأن هذه الحقيقة التي توصل إليها عن ريادة العرب في علم الشفرة (أو التعمية) تعد أهم إنجاز تاريخي في كل ما احتواه كتابه المذكور .

والباحث عن مؤلفات المسلمين الأوائل في علم الشفرة (أو التعمية) يجد أنهم استحدثوا عدة طرائق، لعل أبسطها طريقة القلب أو البعثرة، وتكون بتغيير مواقع الحروف في الرسالة وفق قاعدة معينة، كأن يبدل الحرف الأول من الكلمة بالأخير منها مثل (رضوان نضوار)، أو يقدم الحرف الأخير، نحو: (قاسم مقاس) أو تعكس حروف كل كلمة مثل (أحمد أخو على دمحأ وخأ يلع) .

وهناك أيضاً طريقة التعمية باستعمال أشكال مبتكرة للحروف يخترعها المترجم أبجدية جديدة له على ترتيب حروف المعجم، وطريقة ذلك، كما يقول ابن الدريهم، أن يثبت حروف المعجم، ثم يرتب تحت كل واحد شكلا لا يماثل الآخر، فكلما جاء في اللفظ ذلك الحرف كتبه بحيث لا يقع له غلط، ثم يفصل بين الكلمات إما بخط أو بنقط أو بياض أو دائرة أو غير ذلك .

وعرف المسلمون طرائق أخرى مركبة أكثر تعقيداً تشمل تعمية المعاني بالتورية، واستعمال الصفات الكمية أو الكيفية للحروف، واستعمال الكلمات المحتملة، وغيرها، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مراتب الحروف تختلف باختلاف المادة اللغوية المحصاة، فمراتبها في إحصاء حروف القرآن، وهو أسبق من إحصاء أهل التعمية لأنه يعود إلى عصر الصحابة رضوان الله عليهم، تختلف قليلا عن مراتبها في إحصاء الكلام العادي لنصوص فيها المزيد والمجرد .

وتشهد كنوز التراث الإسلامي أن الكندي سبق الإيطالي ألبرتو بسبعة قرون إلى وضع أول مخطوط في استخراج المعمى، وهو أيضا أول من عرف مبدأ استعمال الكلمة المحتملة، وأول من فرق بين طريقتي التعمية بالبعثرة والاستبدال قبل برونا في القرن السادس عشر الميلادي، كذلك كان ابن الدريهم أول من عرض طريقة التعمية باستعمال شبكة بسيطة، سابقا بذلك كاردانو بقرنين من الزمان، ولقد توافر المسلمون على العناية بهذا العلم تلبية لضرورات حضارية إبان استقرار الدولة الإسلامية واستبحار العمران ونشاط حركة الترجمة .

www.afbasha.com