يحرص الإسلام من خلال آدابه وتعاليمه على ضبط سلوك الإنسان بمجموعة من القيم والأخلاق التي تكفل له حياة مستقرة وآمنة، بعيداً عن المشاحنات والصراعات مع المحيطين به والمتعاملين معه، وهو ما يعود عليه وعلى أسرته وعلى المجتمع كله بالفائدة.. وكل من يلتزم بقيم الإسلام وأخلاقياته الرفيعة يعيش حالة مثالية من الاتزان النفسي حتى في أحلك الظروف التي يمر بها، فهو لا يضجر بسهولة، ولا يغضب لأسباب واهية، ويعرف كيف يضبط نفسه، ولا ينساق وراء أهوائها.

إذا ما رجعنا إلى تعاليم الإسلام وتوجيهاته الأخلاقية لوجدنا كل ما يقرب الإنسان من خالقه، ويهديه إلى طريق السعادة والجزاء الأوفى في الآخرة، ويجلب الطمأنينة له في حياته وعلاقاته بالناس، ويحميه من كل مكروه قد يسببه التوتر والانفعال والعصبية الزائدة.

يقول العالم الأزهري د. أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية عضو هيئة كبار العلماء: توجهنا تعاليم ديننا وآدابه إلى كل ما هو نافع ومفيد، ويحقق لنا الاستقرار النفسي، وهي دائماً تحمل لنا كل ما هو مثالي في الالتزام الأخلاقي والانضباط السلوكي، والاتزان النفسي، وتتجاوب مع مطالب الإنسان الذي تنتابه حالات من الفرح والسرور، والحزن والضيق، والرضا والسكينة.

تهذيب الانفعالات

ويؤكد د. هاشم أن تجاهل هذه التوجيهات الأخلاقية القويمة يشيع البغضاء بين الناس، وينشر السلوكيات المرفوضة، ويغيّب قيم الرحمة والتكافل والمودة والعفو بين الناس.

ويضيف: فيما يتعلق بضبط الحالة النفسية للمسلم نجد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يوجه بالسلوك الرشيد عند الغضب من خلال وضع الانفعالات المتباينة في إطارها الشرعي، وتهذيبها وصيانتها والمباعدة بينها وبين الإفراط والمغالاة، والتفريط والمجافاة، ويربطها بقضية الثواب والاحتساب، وشعار الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

يقول د. هاشم: السيطرة على النفس عند الغضب سلوك يدعمه القرآن، وخلق نبوي كريم يحث عليه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، وقد سأله رجل قائلاً: يا رسول الله، أوصني. فقال صلى الله عليه وسلم : «لا تغضب»، فردد مراراً سؤاله، فقال له «لا تغضب»، وسأله ابن عمرو رضي الله عنه : يا رسول الله، ماذا يباعدني من غضب الله؟ فقال له «لا تغضب».. وقد جاءه صلوات الله وسلامه عليه رجل يسأله: يا رسول الله: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال: «لا تغضب». ومن هنا كان النهي عن الغضب أبرز وصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وقد كان عليه الصلاة والسلام ، يوصي أصحابه دائماً بحسن الخلق، الذي هو أثقل شيء في الميزان يوم القيامة، وهو هنا يدلهم على باب عظيم من مكارم الأخلاق، وهو: ترك الغضب، وكف النفس عند الغضب.

جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقال: أي العمل أفضل؟ فقال: «حسن الخلق».. ثم أتاه عن يمينه، فقال: أي العمل أفضل: قال: حسن الخلق.. ثم أتاه عن شماله، فقال: أي العمل أفضل؟ قال «حسن الخلق.. ثم أتاه من بعد - يعني من خلفه- فقال: أي العمل أفضل»؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما لك لا تفقه؟ حسن الخلق، هو ألا تغضب ما استطعت».. وهكذا يكون حسن الخلق في عدم الغضب، كما أرشدنا ووجهنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

التواصل المثالي

وتؤكد د. آمنة نصير، أستاذة الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، وعضو مجلس النواب المصري، أن الإسلام يدعم كل ما يحقق التواصل الاجتماعي المثالي بين أفراد المجتمع، فقد حملت تعاليمه كل ما هو إنساني وراق من السلوك، وتعددت تعاليمه ووصاياه الكريمة التي لو طبقت تطبيقاً صحيحاً لعاش الناس جميعاً في مودة ورحمة وتسامح وتعاون، واختفت من بينهم مشاعر البغض والنفور والتشاحن، وغير ذلك مما نراه الآن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

وتضيف: المشاجرات والمعارك الفكرية التي نراها هنا وهناك في عالمنا الإسلامي غريبة على أتباع دين يدعو إلى الألفة والمودة والرحمة، فنحن وفقاً لتعاليم وأخلاق ديننا نتعامل بحرية منضبطة، ونتحاور ونتشاور في ظل الالتزام بآداب الإسلام وأخلاقياته، فالشورى في منظومة الإسلام «عقيدة راسخة» لا يجوز لحاكم أو محكوم أن يتخلى عنها، وهي مطلوبة من الجميع بنصوص القرآن والسنة، فالله سبحانه وتعالى يأمر رسوله الخاتم صلوات الله وسلامه عليه بالتشاور مع من يحيط به من المسلمين في الشأن العام فيقول: «وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين»، ويمتدح الخالق سبحانه عباده الذين يلتزمون بالشورى فيقول: «والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون».. ومن وصاياه الموجزة في الشورى قوله: «المستشار مؤتمن» أي أمين على ما يحقق مصلحة المجتمع ويحقق العدل بين الناس، فإذا استشير وكتم شهادة الحق كان خائناً لدينه ووطنه، فالشورى تنهض وترقى بالمجتمعات لو سارت في طريقها الصحيح، فهي تمثل رأي الجماعة، ورأي الجماعة دائماً في صالح المجتمع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة».. روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم».. ولا شك أن المجتمع الذي تسود فيه الشورى ينعم بالاستقرار وتختفي منه كل صور القسوة والانفراد بالقرار وإهدار حقوق الإنسان، فالشورى تمد المجتمع بآراء العقلاء المجربين الأمناء لكي يسترشد بها من يتولون أمور المجتمع وشؤونه، ويسيرون على ضوئها.

الإسلام.. ومكارم الأخلاق

وتؤكد أستاذة الثقافة الإسلامية بالأزهر أن المجتمع المتسامح هو الذي يلتزم أفراده بمكارم الأخلاق، فالخلق الحسن- الذي يحث عليه الإسلام- يؤلف بين القلوب ويحقق التواصل الإنساني والاجتماعي في أروع صوره؛ ولذلك تعددت أوامر القرآن ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم به، وحسن الخلق يأتي دائماً من الحرص على الصدق في الحديث: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين».. كما يأتي من شيوع قيمة الأمانة: «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون».. كما تجسد قيم التواضع والعفو والرحمة في التعامل بين الناس جميعاً مكارم الأخلاق التي دعا لها الإسلام.. وفوق كل ذلك تأتي التقوى، ووصية رسول الله بها في الحديث الصحيح: «اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن».

فهذا الحديث الشريف يتضمن ثلاث وصايا جامعة تؤدي إلى انتظام المعاملات بين الناس في أمور الدين والدنيا، وتوضح جانباً من حقوق الله تعالى وحقوق العباد.

وإذا كان حق الله تعالى يتمثل في أن يتقي الإنسان الله حق تقاته، بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ويحمد على السراء والضراء كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.. فإن حق العباد يتركز في التعامل معهم بخلق حسن.. فأهم خصال التقوى، كما أوضح العلماء هي (حسن الخلق) فهو ركن عظيم من أركانها؛ بل إن التقوى لا تتم إلا به.

رسول المودة

وتقول د. آمنة: اهتمام الإسلام بحسن الخلق واضح جلي في العديد من النصوص القرآنية والوصايا النبوية؛ ذلك أن الخلق الحسن هو رسول المودة بين الناس، وهو يؤدي إلى رقي العلاقة وحسن التعامل فيما بينهم، وهذا ما أرشد إليه القرآن الكريم أيضاً في قوله تعالى: «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين».. وهو ما أفاد به جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له: «إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك».. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم وهو مطمئن: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».

وحرصاً على استمرار وصايا الخير والفضيلة بين أفراد المجتمع جعل الإسلام الكلمة الطيبة والنصيحة المخلصة صدقة، قال صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة. فقالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فمن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قالوا: فمن لم يجد؟ قال: فليعمل بالمعروف. ويمسك عن الشر فإنها له صدقة».

وهذا الحديث والأحاديث المشابهة له توجيه إلى واجب المسلم نحو أخيه المسلم، وأن عليه أن يكون في حاجته، وأن يكون منه بمثابة اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وتذود عنها المكروه.