بقلم:عبدالغفار حسين
ليس مصيباً من يظن أن المشاوة، كما يلفظها الإماراتيون وأهل ساحل عمان، والمهياوة، كما يلفظها أهل غرب الخليج القطريون والبحرينيون والكويتيون وأهل الساحل الفارسي من الخليج العربي.. ليس مصيباً من يظن أنها مختصة بساحل فارس، وأن أهل الخليج في ضفافه العربية لا يعرفونها ولا يأكلونها، أو يتخذون منها إداماً مع الخبز والرز في الحضر وفي السفر.. والمشاوة في تركيبته أو تركيبتها هي مادة سائلة غليظة من سمك (العومة أو القاشع) المجفف المطحون، يضاف إليها الماء والملح بغية عدم التغيير، كما يضاف إلى المطحون من السمك خلطة من مطحون الليمون الناشف والبهارات كالقرفة والفلفل الأسود إذا كانت الخلطة تعد في بيوت ذوي اليسار، وذلك من أجل تحسين الطعم وعدم تعرض الخلطة للسهك أو لرائحة غير مستحبة.. وليست المهياوة أكلة أو طبيخاً قائماً بذاته، بل تعد من السلطات ومن الطعام الذي يؤادم به أي يؤكل مع غيره من الأكلات.. وإذا أضيف إلى القصعة التي تحتوي على المهياوة السمن البدوي كما يسميه أهل الإمارات أو السمن البلدي أو زيت الزيتون لمن يتجنب الدسومة، فإن المهياوة تصبح عندئذ سيدة المائدة أو الطبق الذي يسيل له اللعاب.. خاصة إذا غمس بها الخبز الوقافي أو الإيراني (نان) الذي تشتهر به بلاد فارس وأفغانستان والهند والشعوب الآرية المجاورة. وينحصر إعداد المشاوة أو إعداد المهياوة في جنوب فارس في ثلاث محافظات رئيسية، هي بستك وما يتبعها من القرى الجبلية والبحرية، ومدينتي لار وخنج الفاصلتين عن الخليج بحوالي خمسين كيلومتراً، وهذه المسافة وحتى أقل منها كانت بعيدة عن ضفاف الخليج، وتأخذ المترددين على لنجة من خنج على سبيل المثال، يومين بلياليهما للوصول إلى الوجهة التي يقصدها المسافر على ظهور الدواب من خيول وحمير وبغال، وهنا كانت المهياوة نفسها، أو تلك التي يرش بها الخبز الفلزي الطري أو الخبز الرهيف الناشف (نان نازك) الزاد المعول عليه للمسافر من مدن جنوب فارس وقراها في الأيام الخوالي من الزمان، حيث لم يكن بالإمكان حمل طعام آخر من الصنف الذي يتعرض للفساد، كلحوم الماشية والأسماك الطازجة.
وللمهياوة العادية صنف مماثل في الساحل العربي من الخليج، وخاصة في ساحل عمان، ومنطقة الباطنة وعمان الداخل وهي المسماة (سحناه)، وخلط السحناه مماثل للمهياوة، ولكنها ناشفة ولا يضاف إليها الماء، وتؤكل مطحونة، فإذا أضيف إليها الماء تصبح كالمهياوة العادية لا فرق بينهما في الطعم والمذاق.. ومن هذا يتضح أن المهياوة والسحناه هي جزء من طعام مشترك بين ساحل عمان وساحل فارس المتقابلين، كما هي الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية من مرام ديني وغير ذلك في قديم الزمان، ومن الصعب أن نقرر أن شيئاً معيناً بعينه جاء من هنا أو من هناك خلال هذه القرون التي خلت من الهجرة والانتقال والتلاقي.. وفي عصرنا هذا أمامنا طائفة من العادات والتقاليد وقوائم من المأكل والملبس جاءت من كل أنحاء المعمورة، وعلينا أن نأخذ بما يفيد ونترك مالا يفيد.
وفي حديث لأحد الإخوة على وسيلة تواصل اجتماعي، ذكر أن المهياوة أكلة فارسية لا علاقة لها بالعرب، وكذلك بعض أنواع المخبوزات التي تؤكل مع المهياوة كخبز الفلازي والوقافي وما شابه هذه الأنواع من الأكل.. ولا اعتراض على ما قاله هذا الأخ العزيز ولكن الاعتراض هو: هل أكلة كهذه التي عرفها الإماراتيون وجاءت إليهم عبر الخليج من الضفة الفارسية، كما يعتقد، هي أكلة محظورة أو هناك ضرر منها من الناحية الطبية مثلاً، الجواب على هذا أن لا ضرر ولا خطر.. بل على عكس ذلك هي أكلة شعبية ولذيذة، خاصة المخبوزات التي ترش بالمهياوة أثناء إعدادها، سواء كان ذلك في محلات الخبازين أو في البيوت.. بل تبين أيضاً أن المهياوة بما تحويه من البروتين والمعادن هي من الأكلات المنصوح بها لتقوية جهاز المناعة عند الإنسان ومقاومته للأمراض. وهناك حكاية قديمة عن المهياوة، مفادها أن مرضاً شبيهاً بالطاعون أو بالكوليرا اجتاح مناطق فارس في الجنوب البعيد عن البحر، وأتى على حياة الكثيرين، وقام طبيب شعبي بابتكار التركيبة التي تحتوي عليها المهياوة من سمك مجفف وبهارات وملح كما بينَّا، ووصفها للمرضى، ولاحظ الناس أن المرض بدأ في الانحسار بين الذين تعاطوا المهياوة، ولم يمضِ وقت طويل حتى اختفى المرض، وعرفت المهياوة أنها غذاء ودواء في تلك الأيام.. وهذه الحكاية كانت متداولة بين المسنين من أهل فارس والمهاجرين منهم إلى الضفاف العربية من الخليج، وتسمعها من أكثر من مصدر.