ظاهرة المعاكسات واحدة من الظواهر التي تجد رفضاً واستهجاناً من الجميع ومع هذا تتسع مساحة تأثيرها في النسيج الاجتماعي، والمشكلة أننا ونحن في الصيف تشهد شوارعنا ومجمعاتنا استفحال تلك الظاهرة ليس هذا فحسب بل إنها تتحول إلى حالات للتحرش ويتحول الأمر من مجرد معاكسات فردية إلى ظاهرة جماعية.
وللأسف فقد أصبحت ظاهرة المعاكسات في كل مكان، متجاوزة كل الأجناس والأعمار، ولم تعد مرتبطة بالشباب فقط بل إن بعض الفتيات اليوم أصبحن يتعمدن المعاكسة وبأساليب مختلفة، وبالتالي فإن تفشي الظاهرة يتحمله كلا الطرفين ولا يمكن أن نوجه أصابع الاتهام إلى طرف دون غيره.
الخليج فتحت الملف لمواجهة تلك الظاهرة المؤسفة، ومن خلال هذا التحقيق نرصد آراء العلماء والخبراء.
في البداية تقول الدكتورة نجوى الفوال، المدير الأسبق للمجلس القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: لابد ونحن نتحدث عن ظاهرة المعاكسات التي انتشرت في كل المجتمعات العربية بلا استثناء أن ندرك خطورة تلك الظاهرة خاصة مع انتشار الأسلحة البيضاء والنارية بين شبابنا، فكثيرا ما تؤدي المعاكسات إلى صراعات ونزاعات يستخدم فيها الشباب تلك الأسلحة بعد أن أصبحت المعاكسات منتشرة، ولا تقتصر على عمر، أو طبقة اجتماعية معينة ليس هذا فحسب بل إنها تؤدي كثيرا إلى إعاقة تقدم المرأة، وممارسة حياتها الاعتيادية فلم تسلم العاملات وربات البيوت والطالبات الجامعيات وغيرهن من تعرضهن للمعاكسات التي تستخدم فيها ألفاظ خادشة للحياء، وقد يتطور الأمر ليصل إلى حد التحرش وأصبح دخول المرأة أو الفتاة المجمعات التجارية ووسائل الترفيه مشكلة كبيرة فإما أن تتحمل البذاءات التي تتعرض لها وإما أن تقبل بالبقاء داخل المنزل حتى لا تتعرض لسيل المعاكسات، وهو ما يعني أن المرأة أصبحت مهددة بالحرمان من التعليم بسبب هذه التصرفات.
وتضيف الدكتورة الفوال أن هناك أسباباً عدة لتفشي هذه الظاهرة أهمها ضعف الإيمان وعدم استشعار مراقبة الله في السر والعلن أدى إلى المساهمة في انتشارها، كذلك فإن ضعف الإيمان يجعل الفتاة تخرج من بيتها وهي ترتدي ملابس غير محتشمة تساهم في إغراء الشباب والرجال وتجعلهم يتخيلون أنها سهلة المنال، كذلك فإن الفراغ الذي يعانيه الشباب من الجنسين سبب رئيس من أسباب تفشي ظاهرة المعاكسات، فالشباب يتوجهون إلى الأماكن التي يكثر فيه وجود النساء كالأسواق دون وازع من ضمير أو أخلاق.
ويأتي في نهاية أسباب تفشي ظاهرة المعاكسات من وجهة نظر الدكتورة نجوى الفوال عدم وجود قانون يردع الشباب عن هذه الرذيلة لأن الإنسان إذا أمن أنه لا يوجد عقاب لما يمارسه من سوء خلق فلن يرتدع ويتمادى في طغيانه حينما يعلم أنه لا سلطان يحاسبه.
أما الفتاة فهي تخشى أن يعلم أهلها بذلك وهذا مع الأسف بسبب التفريق في هذه المسألة من قبل الأهل بين الفتى والفتاة مع العلم أنهما في الجزاء عند الله سواء وهذا هو العيب والنقص في تربية الأبناء، فمراقبة الفساد وإطلاق قيد الولد بلا رقيب ولا حسيب هو الخطأ والخطر في الوقت نفسه، لأن الأهل ساهموا من حيث لا يعلمون في انتشار مرض المعاكسات بهذا الإهمال في تربية أبنائهم، فتصرفات الشباب لا تنتج من فراغ بل هي انعكاس لعملية التربية والتنشئة الاجتماعية، وعند وجود خلل في دور الأسرة التربوي يؤدي إلى اكتساب الشباب عادات غير سوية.
البعد النفسي
ويرى الدكتور رضا عريضة، أستاذ علم النفس التربوي في جامعة حلوان، أن المعاكسات ظاهرة نفسية واجتماعية لا تقتصر على مجتمع من المجتمعات، بل هي واسعة الانتشار، وتعد وسيلة للوصول إلى أحد الأجناس البشرية من قبل الآخر، وهي ترمي فاعلها خارج نطاق التفكير الواعي.
فالمجتمعات وإن اختلفت في مستويات تقدمها ورقيها تشهد هذه الظاهرة رغم التباين في الأساليب والمضامين، ومن أهم عوامل نشوء هذه الظاهرة الفقر والبطالة اللذان يؤديان إلى الإحباط والكبت ويظهران على شكل سلوكيات غير صحيحة في تفريغ الطاقات الجسمية والفكرية، وهناك بعض الأطباء الذين يرجعون تلك الظاهرة إلى وجود عوامل بيولوجية قد تدعو بعض الشباب إلى ممارسة هذه التصرفات غير المسؤولة.
ولابد أن يدرك القائمون على أمر المجتمعات العربية والإسلامية أن هناك آثاراً وتداعيات مخيفة تساهم في زيادة تلك السلوكيات التي من الممكن أن تؤدي إلى خوف الفتيات وعدم الثقة بالزملاء والأصدقاء وعدم الرغبة في الخروج من المنزل بسبب نظرات الشباب والتعليق عليهن.
ويضيف الدكتور عريضة: في رأيي أن تفشي ظاهرة المعاكسات مثلها مثل ظواهر سلبية كثيرة تفشت في مجتمعاتنا التي تعاني اليوم الانتقالية، بمعنى أننا تأثرنا بالقيم والثقافات الغربية سواء في الزي أم السلوك، نحن نعيش في مجتمع القواعد فيه غير مضبوطة وغير سليمة فتأثرنا بالعولمة الثقافية انعكس في صورة ملابس عارية للفتيات وسلوكيات غير سوية للشباب، لكن ذلك لا يعني أنه ليس هناك أساسيات ومبادئ، نحن لدينا أساسيات ضمنها الدين والعرف بحيث تجعل من موضوع التحرش بفتاة أو سيدة في أي مكان ممنوعا ومرفوضا ومنبوذا أيضاً، ولكن هذا لا يحدث فالأب يترك ابنته خارج المنزل حتى وقت متأخر من الليل ولا يهتم بمتابعة ملابسها وهل هي متوافقة مع قيمنا وعاداتنا أم لا وكذلك الأم اهتمت بأمور عديدة ليس من ضمنها الاقتراب من ابنتها ومعرفة أخبارها، وكذلك الشاب غاب عن أسرته السؤال عن أصدقائه وكيف يفكرون، ولهذا فإن المطلوب من أجل مواجهة هذه الظاهرة وغيرها المزيد من الرقابة الأسرية على الأبناء عموما والفتيات خصوصا وعدم السماح بتأخر الفتيات عن المنازل لأوقات طويلة، فلو خصص كلا الوالدين بضع ساعات للجلوس مع أبنائهما لمعرفة مستواهم التعليمي أو لمناقشتهم في شتى أمور الحياة لشعر الأبناء بالدفء الأسري ومن ثم لا يتجهون الى أماكن بديلة مثل الأسواق التجارية أو ما يعرف باسم المولات.
وهناك أمر آخر لابد أن يهتم به الآباء والأمهات وهو أن يتذكر كلاهما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فلا بد للأب أن ينظر إلى المظهر الخارجي لابنته عند خروجها للأسواق أو المراكز التجارية والمجمعات والأماكن العامة والاهتمام بهذا الأمر لعدم انجراف البنات مع صرخة الموضات لكيلا يتعرضن للمضايقات والمعاكسات وعلى الأم مسؤولية كبيرة في تربية أبنائها وبصفة خاصة الفتيات لقربها منهن وتعويدهن ارتداء الملابس المحتشمة منذ الصغر، فكل هذا كفيل بمواجهة تلك الظاهرة.
انزلاق الفتاة
ويقول الدكتور عبدالغني عبود، أستاذ التربية في جامعة عين شمس: مما لا شك فيه أن المعاكسة في الشوارع ظاهرة تستحق الدراسة والعناية والاهتمام، خاصة أن كافة الدراسات تؤكد أن هؤلاء الأشخاص المعاكسين هم في الغالب غير ناضجين عمرياً ولا يمتلكون أساليب التعبير عن مشاعرهم، وهم غير ناجحين في إنشاء علاقات صحيحة مع الجنس الآخر، وكثير منهم يتصفون بالانحراف العام ويجدون صعوبة في التكيف على الرغم من النظرة إليهم باعتبارهم كباراً ولكنهم لا يزالون يعانون طفولة الذات الاجتماعية والتربوية وحتى النفسية، وهم نرجسيون ويكرهون الالتزام بالقيم الأخلاقية والنواميس الاجتماعية والغريب أن الظاهرة تطورت والجرأة في مجتمعاتنا العربية بعد ما كانت تقتصر في الماضي على جذب انتباه الشاب للفتاة ولكنها الآن أصبحت منتشرة بين الجنسين فلم تعد مقتصرة على الشباب بل تعدت حدود الأدب والجرأة لتصل إلى معاكسة الفتاة للشاب، فنحن نرى اليوم العجب العجاب من قلة الأدب فكثيرا ما نشاهد الفتاة تعاكس الشاب بطريقة حديثها وبضحكاتها العالية وبعضهن يبادر بالتعرف الى الشاب وطلب رقم هاتفه المحمول، ويرجع كل هذا إلى ضعف الوازع الديني وغياب رقابة الأهل وكذلك غياب دور المدرسة التي لابد أن تلعب دورا تربويا مهما لخلق جيل يحافظ على القيم والأخلاقيات بدلا من أن يهدرها.
ويلفت الدكتور عبود النظر إلى أن الانفتاح الذي شمل جميع مناحي الحياة جاء مفاجئا دون أن تكون هناك برامج إرشادية لتوجيه المجتمع حول آلية التعامل مع التقنيات الحديثة والفضائيات التي جاءت مباغتة وأثّرت ولا تزال تؤثر في المجتمع
ولهذا فإن الحل يكمن في التوعية الدائمة والمراقبة الجادة من الأسرة والتربية الصحيحة وإيجاد وعي كافٍ في المجتمع حول التقنيات الحديثة وآلية التعامل معها مع الاهتمام بتكثيف البرامج الإرشادية والدينية لتوعية المجتمع بخطورة الانحرافات الأخلاقية.
سنة الزواج
وعن رأي الدين في هذه القضية يقول الدكتور أحمد عبدالرحمن، أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة الأزهر: إن أهم الأسباب وراء انتشار هذه الظاهرة السيئة هو ضعف الإيمان في نفوس الشباب، فهؤلاء المعاكسون يفتقرون إلى استشعار ومراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلن ما أدى بهم إلى مشاركتهم في انتشارها، فالمسلم حينما يعلم أن المعاكسات خيانة للدين وللعرض وللمجتمع الذي يعيش فيه ويقدم على ذلك يقع في عالم تنعدم فيه قيم الإسلام وأخلاق العرب، فلو تذكر هؤلاء أن ديننا الحنيف قد أمر بغض البصر وكف الأذى عن الطريق، كما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إياكم والجلوس في الطرقات.. قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها.. فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ما أظن أن يتجرأ أي شاب على معاكسة فتاة.
وهناك أيضا الفراغ والبطالة وعدم وجود أندية يمارسون فيها الرياضات، كذلك عدم تقيد الأسر ومتابعة فتياتها المستمرة والمراقبة الدينية لهن، كل هذه الأسباب تأتي في مقدمة انتشار الظاهرة بشكلها الحالي.
ويضيف الدكتور أحمد عبدالرحمن من أهم سبل مواجهة تلك الظاهرة العمل على تيسير سبل الزواج لأن ظاهرة المعاكسات مرتبطة تماما بتزايد معدلات العنوسة، ولابد أن نتذكر أن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الأعراض وحول هذا المقصد العظيم تدور جملة من الأحكام الشرعية تهدف كلها إلى الحفاظ على تماسك الأسر وحفظ النسل والنسب وتطهير المجتمع من الرذيلة والأمراض والأدران وصيانة العرض من التهتك والتشويه، ولهذا عمل الإسلام على منع وقوع الفاحشة بمختلف صورها وقطع الطريق على كل مواردها، فلقد حرم الله جل وعلا الزنى وحرم ما يقرب إليه من إطلاق النظر وخفض الصوت والتبرج وغير ذلك مما يوقع في هذه الفاحشة العظيمة.
كذلك سن الإسلام النكاح والترغيب في التعفف والحياء وتسهيل الطريق لمن أراد التحصن.
سبل العلاج
من جانبه يرى الشيخ شوقي عبداللطيف وكيل وزارة الأوقاف المصرية: أن فقد الرادع وضعف الوازع يعدان من أهم الأسباب في انتشار هذا المرض المزمن، فمن أمن العقاب أساء الأدب، ولهذا فنحن في حاجة الى تشديد القوانين التي تتعرض لظاهرة المعاكسات وغيرها من الظواهر التي تعكس الانهيار الأخلاقي في البنيان المجتمعي فلابد أن ندرك جميعا أن المعاكسات من أشنع المحرمات وهي معول هدم للبيوت الآمنة وزلزال يخسف بالاستقرار الأسري، فكثيراً ما تهدمت بيوت بسبب معاكسة هاتفية لا ذنب للزوجة فيها، وهكذا تؤدي المعاكسات إلى تدمير الأسر والأنساب وهتك الأعراض.
ويضيف الشيخ عبداللطيف: ولمواجهة المعاكسات هناك أمران أساسيان أولهما للفتاة فعليها التزام الحجاب الشرعي وعدم وضع المساحيق وهي تخرج من بيتها، لأنها بذلك ستجذب نظر الناس إليها. فإن الشباب عادة إذا رأوا امرأة تلبس حجاباً شرعياً بالمواصفات الشرعية يعلمون أنها ليست من أولئك الفتيات اللواتي يعبثن أو لديهن الاستعداد للانحراف، لأن الله تبارك وتعالى كسا المرأة المحتشمة هيبة بحشمتها، فقد وعدنا تعالى أنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون كما قال سبحانه: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. كذلك على المجتمع كله أن تتوحد جهوده بمن في ذلك الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات والدعاة والعلماء ولا مانع من تشديد القوانين بحيث تتضافر الجهود في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المساجد والمدارس والمنازل وحتى في أماكن تجمعات الأفراح والولائم ونشر دعوة الخير بين النساء وأمرهن بالحجاب ونهيهن عن التبرج والسفور بكل هذا نستطيع أن نواجه تلك الظاهرة وغيرها ونقضي عليها بإذن الله.
وأنا أقول للشباب إن الطريق الأقوم الذي لا عوج فيه هو طريق القرآن.. قال تعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فرُوجَهم وقال: قل للمؤمنات يغضضنَ من أبصارهن ويحفظنَ فروُجَهن، وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه بها. وأخيراً اقرؤوا قول الله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.