الأخلاق صمام الأمان لأي مجتمع، تحفظه وتضمن له الترابط وتعمل على بقائه متماسكاً . . وتعتبر ظاهرة انحراف الشباب من أبرز المشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية، لما لها من تأثيرات سلبية على جميع أفراد الأسرة، فالقيم السائدة في المجتمع هي التي تحكم سلوك الإنسان بشكل عام والبشر لا يولدون بأخلاقهم إنما يكتسبونها من البيئة المحيطة بهم .

ومن أبرز مظاهر الانحراف لدى الشباب المعاكسات التي انتشرت في شوارعنا وأسواقنا بصورة لافتة للنظر وساعد في ذلك تنوع مظاهر التكنولوجيا من انترنت وهواتف محمولة وبلوتوث وفضائيات، وغيرها من الوسائل التي تفتح للشباب مجالا للتفنن في أساليب المعاكسة .

حول تناول الإسلام لهذه السلوكيات اللاأخلاقية والحلول المناسبة للقضاء عليها يدور هذا التحقيق .

الدكتور طه حبيشي أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر يؤكد أن الأخلاق الكريمة تنبع من القلب السليم والعقيدة الصحيحة والفكر الرشيد للشباب المسلم ،وأن الفراغ العاطفي يعد أحد الأسباب الرئيسة التي تؤدي إلى الانحراف حيث يفتقد هؤلاء الشباب الدفء والمودة داخل الأسرة فيلجأون لملء هذا الفراغ بأساليب متعددة من دون قيد أو ضابط . . لذا يجب على الإنسان أن يتقي الله ويدعو أبناءه إلى طريق الخير، فنحن نشكو هذه الأيام من ضعف السلطة الأبوية في تربية الأبناء نظراً لأن مصادر التوجيه أصبحت متعددة فلم يعد التوجيه من الأب وحده بل تدخل فيه المناهج والأفلام والتليفزيون والانترنت وأصدقاء السوء . من هنا تتضح أهمية توحيد أسلوب التوجيه وهذا يتطلب تكاتف جميع قوى المجتمع من الأب والمدرسة ووسائل الإعلام وغيرها ومن أجل تحقيق ذلك، وعلى الأب أن يحسن اختيار المدرسة ووسائل الإعلام التي يطلع عليها أبناؤه ومتابعة مواقع الانترنت التي يزورونها مع معرفة أصدقائهم لتقييم ما إذا ما كانت الرفقة فاسدة أم صالحة .

ظاهرة دخيلة

ويضيف: من الأسباب التي تؤدي لانتشار هذه الظاهرة السيئة إلى جانب تقصير الأسرة في التربية غلاء المهور وتبرج الفتيات والتشبه بالمجتمعات الأجنبية وانتشار الملابس الخليعة وخروج المرأة بكامل زينتها وعطرها وهو ما يثير الفتنة لدى الشباب .

ويلفت د . حبيشي إلى أن ظاهرة المعاكسات دخيلة على مجتمعنا وديننا وعاداتنا وتقاليدنا وهي منكر واعتداء على أعراض الناس و حرماتهم وإشاعة للفاحشة، حيث قال تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون .

ويدعو د . حبيشي إلى ضرورة توفير الأنشطة الرياضية والعلمية والترويحية المخصصة للشباب مع بيئة يسودها العدل لتأصيل الانتماء بين الشباب تجاه وطنهم ووضع برامج تربوية وإعلامية لدعم السلوك الايجابي لديهم، مشيراً لأهمية دور المدارس ومراكز الشباب ودور العبادة لتحصين الشباب، مطالباً بالوصول إلى ميثاق شرف لأخلاقيات الشباب العربي .

ويقول: إن أول ما يجب أن يوجه الآباء عنايتهم إليه هو استغلال أوقات الفراغ في حياة أبنائهم بحيث لا يقضيها الأبناء كل حسب وجهته، فمن كانت وجهته علمية فليستزد من منابع العلم ومن كان له تميز في مجال فليمارس ما يهواه طالما لا يتعارض وتعاليم ديننا الحنيف، حتى لا يندم على شبابه الذي سوف يسأل عنه فيما أفناه وعن عمره فيما أبلاه .

علاقات افتراضية

الدكتور حمدي طه أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الأزهر يرى أن التطورات الهائلة في وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لها أثر كبير على سلوكيات الشباب وتفكيرهم بما تبثه من مضامين إباحية وأفكار منحرفة ما ضاعف من التحديات التي تواجه الشباب، فعلى سبيل المثال أخذت مسألة الصداقة والعلاقات الاجتماعية التقليدية شكلاً مختلفاً عما سبق لدرجة أن نمط العلاقة على الانترنت أصبح افتراضياً بما يحويه من سلبيات . فالانترنت بالذات يفتح مجالات واسعة لتبادل الأفكار والانفتاح وتبادل الخبرات وإذا لم يتم استغلاله بالطريقة الصحيحة فإنه يكسب الشباب سلوكيات سلبية تؤثر على مجتمعهم وتودي بهم إلى الانحراف .

ويشير إلى أن الحضارة المادية الخالية من الروح هي السبب في شقاء الإنسانية ولذا نجد أن الأمراض النفسية والخوف تنتشران في البلاد الغربية التي يرتفع فيها مستوى المعيشة، حيث تسود العلمانية التي تقدم الحياة على الدين .

ويرجع د .طه انحراف الشباب إلى البعد عن منهج الدين لأن القيم الدينية التي حملها الأنبياء توفر قسطاً من الأمن النفسي والطمأنينة الروحية التي تخفف أعباء الحياة وآلامها وتكبح جماح الغرائز وتحدد المسار الصحيح للشهوات، كما أن من أسباب تدهور أخلاق الشباب غياب القدوة الصالحة بدءاً من المدرس ومروراً بالأب وانتهاء بالإعلاميين والمثقفين والرياضيين ورجال الأدب والسياسة، وكل ذلك أدى إلى ظهور جيل من الشباب ناقم على المجتمع لا يرى سوى الفساد والمستقبل المظلم .

ويرى أنه يجب استخدام التقنيات الحديثة في توجيه الشباب وتدريس القيم الإسلامية الصحيحة التي تعود بهم إلى الأخلاق الحميدة، فعن طريق السياسات الإعلامية والتربوية الرشيدة يمكن غرس القيم الخلقية القويمة لاسيما وأننا نملك شباباً متميزاً يتقن العلم والعمل وهو في حاجة إلى القدوة والمناخ المناسب الذي يحضه على الالتزام الخلقي مع سن قوانين داعمة تحث على التمسك بصحيح الدين .

الأصول الأربعة

ويقول الشيخ شوقي عبد اللطيف وكيل وزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية إن الإسلام جاء ليحفظ الأصول الأربعة وهي النفس والمال والعرض والدين وتعد وسائل التنشئة هي الأساس في توجيه الشباب، خاصة الإعلام الذي يؤثر على سلوكيات شبابنا وشاباتنا كما أن الفراغ من أكثر ما يعاني منه الشباب ،ولذا يجب أن نعمل على إيجاد فرص عمل لهم حتى نخرج طاقاتهم في أشياء مفيدة بدلاً من أن تخرج في سلوكيات لاأخلاقية، كذلك يجب علينا أن نفكر في إنشاء منتديات ومراكز وأنشطة ثقافية توفر لهم أجواء صحية مناسبة للاستفادة من طاقاتهم وإبداعاتهم .

ويؤكد أن ضعف الإيمان والبعد عن الطاعات من أهم أسباب المعاكسات والتصرفات اللامسؤولة والنظر إلى ما حرم الله . فالمؤمن القوي يخاف الله ويعلم أن تلك السلوكيات الخاطئة معصية لله وللرسول لأن الله سبحانه وتعالى حث على غض البصر عن كل ما حرمه وقد جاء ذلك في قوله سبحانه: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في الحديث الشريف كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه .

ويضيف: الشيخ شوقي: إن الشاب الذي ينشأ على أسس التربية السليمة لا يقع في مثل تلك الممارسات لأنه تربى على الفضيلة والخلق الصالح ولذا فإن على الأسرة دوراً مهماً عندما يربي الأبوان ابنهما منذ الصغر على تعاليم الدين الإسلامي والأخلاق الرفيعة وعلى الطريقة الصحيحة للتعامل مع الآخرين والتعود على الطاعات، حيث تجنب الشباب الأعمال المنافية للأخلاق خاصة الصلاة فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي كما أن مراقبة الأبناء ومعرفة سلوكياتهم وتصرفاتهم، خاصة خارج البيت تشكل عاملاً مهماً في صلاحهم .

ويشير إلى أن ما يطرأ على بعض الشباب من فساد أخلاقي وتأثرهم بالثقافات والعادات الأجنبية جاء نتيجة تخلي الآباء والأمهات والمدرسة عن واجباتهم تجاه الأبناء ما يخلق بيئة فاسدة تحيط بهم وتسهل لهم طريق الانحراف فأصبحوا فريسة سهلة للفضائيات الخليعة وأشرطة الفيديو الفاسدة ومواقع الانترنت الإباحية، وكل ذلك ساعد في ضياع الشباب الذين يتوقف عليهم بناء الأوطان .

مكارم الأخلاق

ويقول: د .عبد الفتاح إدريس أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون بالقاهرة: دعا الإسلام إلى التحلي بمكارم الأخلاق ورغب في حسن الخلق فجعله سبباً لدخول الجنة إذ روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: تقوى الله وحسن الخلق . . وعد صاحب الخلق الحسن من خيار المسلمين وأكملهم إيماناً . فقد روي عنه قوله: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا . . وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثته في الناس في الحض على مكارم الأخلاق فقال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومن حسن الخلق بر الوالدين، ومعاملة الناس معاملة كريمة، والنصح للمسلم، ومعرفة حقوق الجار، وحفظ حرمات المسلمين، والالتزام بشرع الله تعالى، وإشاعة الرحمة والتعاطف والتواد والتكافل بين الناس، وحب الخير، والخوف من الله تعالى، والاستعداد للقائه بالأعمال الصالحة، إلى غير ذلك من قيم الإسلام الحنيف .

ويضيف: د .إدريس: إن كثيراً من هذه القيم تلاشت هذه الأيام بدعوى أنها أصبحت من الماضي وأن العصر لا يحبذ التحلي بها، وإنما يقتضي ثقافة أخرى غيرها، ليتمكن الناس من مجاراة المتغيرات في الحياة، إلا أن التأسي إنما يكون بالصالحين من عباد الله، وأفضل هؤلاء على الإطلاق نبينا صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى في شأن الاقتداء به: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا .

اغتراب ثقافي

الدكتورة سامية خضر أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس تقول: كثرت التحديات التي تواجه الشباب في زمن حافل بالإغراءات التي تدفعهم للوقوع في مستنقع الرذيلة، ومن الأسباب التي أدت إلى استفحال هذه الظاهرة غياب دور الأسرة في تربية الأبناء والتنشئة الأخلاقية السليمة خاصة في مرحلة المراهقة، فكثير من الآباء والأمهات يجهلون الوسائل التربوية في هذه السن الحرجة . . كما أن غياب التربية الأخلاقية من المناهج التعليمية ساعد على انتشار هذه الظاهرة في ظل تنافس القنوات الفضائية التي تقدم برامج وثقافات لا تناسب مجتمعاتنا المحافظة وتجعل الشباب يعيش اغتراباً ثقافياً .

وتشير إلى أنه يجب على الأهل أن يعرفوا سبب انحراف الابن بالتقرب إليه ومعرفة الدافع وراء هذا السلوك المشين، فقد يكون السبب انشغال الأبوين في العمل خارج المنزل طوال النهار أو افتقاد الحنان في الوقت الذي يحتاج فيه الأبناء إلى المشورة وبث الهموم والتعاون في حل المشكلات ولمن يحتويهم ويكون لهم الصدر الحنون والآذان المصغية لا أن تقتصر مسؤوليتهم على الطعام والملبس والمشرب فقط .

وتؤكد د .خضر أن اكتشاف الانحراف في مراحله المبكرة يزيد من نسبة العلاج ومما يؤسف له أن هناك العديد من الأسر لا تريد الاعتراف بذلك إلى أن تتطور الحالة ويكون وقت العلاج قد فات، وعلى أفراد الأسرة أن يحسنوا التصرف في التعامل مع العضو المنحرف فيشعرونه بأنهم يخافون عليه وأنه مهم جداً في حياتهم وهذه الطريقة في العلاج تشجع المنحرف على الإقلاع عن تصرفاته حيث تولد لديه الرغبة والدافعية ليصبح مستقيماً وتجاوز الفشل والإحباط وبناء الشخصية الإيجابية لذاته .