اعترف المفكر الإسلامي الدكتور عبدالمعطي بيومي العميد الأسبق لكلية أصول الدين، والعضو الفاعل في مجمع البحوث الإسلامية بتراجع دور الأزهر، وذلك من باب نقد الذات على حد قوله، مشيراً إلى أن معظم الفضائيات الدينية تتبنى فكر متشدداً .

ودعا الدكتور بيومي إلى احترام العلم والرجوع إلى أهل الاختصاص للخروج من دائرة الجدل العقيم والخلاف حول بعض القضايا العلمية والطبية وتالياً نص الحوار الذي أجريناه مع الدكتور بيومي:

مازال الخلاف بين علماء الشريعة ورجال الفتوى قائما حول أمور علمية وطبية، الأمر الذي يغيب الحكم الشرعي الصحيح ويجعل هؤلاء العلماء يعيشون دائما في دائرة الجدال الذي لا ينتهي، كيف نخرج من هذه الدائرة الضيقة؟

القرآن الكريم يفرض علينا عندما نختلف في أمر من الأمور أن نرجع إلى أهل العلم والاختصاص في هذا الأمر حيث يقول الحق سبحانه: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون والرجوع إلى أهل الذكر ليس أمراً خاصاً بعلماء الإسلام، بل الأمر القرآني هنا يشمل كل أمور الحياة، فإذا كنا نبحث مسألة طبية مثلا لنوضح حكم الشرع فيها فعلينا نحن كعلماء إسلام ورجال بحث شرعي وفتوى واجتهاد ديني أن نرجع إلى الأطباء المتخصصين في هذه المسألة، ففي مسألة مثل نقل الأعضاء من الموتى إلى الأحياء حدث خلاف وجدال وجمود على موقف شرعي معين لأن علماء الشريعة أصروا على تعريف محدد للموت الذي يجوز بعده النقل، حيث يرون أن الموت الشرعي هو توقف كل أعضاء الجسد توقفاً تاماً عن العمل وبعد هذه المرحلة لا تصلح الأعضاء للنقل، بينما الأطباء المتخصصون يقولون إن هناك موتاً حقيقياً يسمى موت جذع المخ حيث يموت الإنسان بالفعل وتبقى أعضاؤه تعمل بمساعدة الأجهزة الطبية، والإنسان في هذه المرحلة يستحيل أن تعود إليه الحياة مرة أخرى، وبالتالي لا عدوان من الناحية الشرعية أو الأخلاقية على الإنسان الذي مات جذع مخه إذا ما نقلنا أعضاءه إلى مرضى هم في أمس الحاجة إليها لأن هذا الإنسان ميت فعلا بشهادة الأطباء الذين هم أهل الذكر في هذه المسألة .

إذن احترام العلم والرجوع إلى أهل الاختصاص يخرجنا من دائرة الجدال العقيم والخلافات التي تعطل كثيرا من مصالحنا وتفوت علينا فرص الاستفادة من المنجزات العلمية والطبية الحديثة .

خلافات العلماء

التي نشاهدها من وقت إلى آخر على الفضائيات العربية بين بعض علماء الإسلام والذين يتحدث كل واحد منهم باسم الإسلام، وأوقعت الناس في حيرة، حيث لم يعد يعرف من هؤلاء على حق ومن هو المخطئ، فما هو رأيكم في هذه الظاهرة؟

الإسلام دين حرية فكرية أعطى لأتباعه وخاصة العلماء المؤهلين للفتوى والاجتهاد مساحة كبيرة لكي يتحاوروا ويتناقشوا ويختلفوا حول الأمور الحياتية التي تهم المسلمين، فخلافات العلماء حول قضية من القضايا الحياتية سياسية كانت أو اقتصادية أو علمية لا تعيب الإسلام ولا تدينه، لكن كل ما هو مطلوب أن يحرص كل واحد من المتحاورين والمختلفين على التأكيد بأن ما ينطق به هو رأيه واجتهاده الشخصي ولا يدعي أن هذا هو موقف الإسلام الصحيح، وأن ما عداه هو الخطأ أو الباطل، وكبار الفقهاء الذين تعلمنا وتشربنا علمهم وفقههم كان يقول احدهم رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، فالتحقير من آراء واجتهادات الآخرين سلوك لا يليق بعلماء الإسلام .

الفتنة الطائفية

البعض يلقي باللائمة على الأزهر ويحمله قدراً من المسؤولية في أحداث الفتنة الطائفية التي وقعت مؤخرا في نجع حمادي في صعيد مصر، بماذا ترد على هؤلاء؟

وما دخل الأزهر في هذه الأحداث؟ لقد أكدت تحقيقات الشرطة والنيابة وتقارير البرلمان المصري أن ما حدث في هذه المدينة لا علاقة له بالدين من قريب أو بعيد، فما حدث كان نتيجة تجاوزات سلوكية وأخلاقية من بعض الشباب ورد بعض الشباب على هذه التجاوزات بالعنف، والقضية واضحة ولا علاقة لها بالفتنة الطائفية .

ونحن في الأزهر نكن كل احترام وتقدير لرجال الدين المسيحي ولكل المشاركين لنا في الوطن من الإخوة الأقباط، وبيننا وبينهم حوار لا يتوقف وود وتفاهم لم ينقطع، وإذا كانت هناك تجاوزات سلوكية أو عدوانية فهي تعالج بكل حزم من السلطات الأمنية والقضائية من دون أن تتأثر علاقة التعايش بين أبناء الوطن الواحد، وعلماء الأزهر يقومون بواجبهم دائماً لوأد كل محاولات إحياء الفتنة الطائفية في مصر .

الأزهر وتيارات التشدد

البعض يرجع بروز التشدد والتطرف الديني في مصر إلى تراجع دور الأزهر وتقاعس علمائه وتهميش دوره حتى داخل مصر، هل لديكم تعقيب على ذلك؟

لا خلاف على أن دور الأزهر قد تراجع، نحن نعترف بذلك من باب نقد الذات بهدف تصحيح المسار، لكن مصر من دون الأزهر لا يمكن أن يستقيم حالها الديني والفكري والثقافي، فلولا الأزهر وعلماؤه ومعاهده وعشرات الآلاف من المتخرجين فيه كل عام والذين يحملون قدرا لا بأس به من الفكر الوسطي المعتدل لتحولت مصر إلى بؤرة فساد في العالم العربي، لأن هذا البلد الإسلامي الكبير مستهدف من قوى خارجية وداخلية كثيرة، ولذلك فإن وجود الأزهر يحول دون وقوع مصائب كثيرة داخل مصر وخارجها .

أما في ما يتعلق بالتطرف والتشدد الذي تبدو مظاهره في سلوكيات بعض المصريين، فالأزهر ليس مسؤولا عنه، فنحن نعيش الآن في مجتمع مفتوح والفضائيات الدينية التي تنامت بشكل ملفت للنظر تثير الكثير من علامات الاستفهام حيث تتبنى معظمها فكراً دينياً متشدداً يناهض الفكر الأزهري الوسطي، فمثلا عندما أثيرت قضية النقاب في مصر، وأكد عدد كبير من علماء الإسلام أن النقاب ليس مفروضا على المرأة خرج داعية شهير في فضائية دينية وقال: غلط ما قاله علماء الأزهر فالنقاب مفروض وواجب على المرأة ولا يجوز لها أن تتخلى عنه، وللأسف هذه الرؤى المتشددة تجد آذانا صاغية وعقولا مغلقة ليس لديها استعداد لكي تناقش وتحاور وتفهم، وما حدث في امتحانات الجامعات وإصرار بعض الطالبات المنقبات على دخول لجان الامتحان بالنقاب وترك بعض الطالبات لامتحاناتهن بسبب الحرص على النقاب يؤكد مدى تأصل الفكر المتشدد في نفوس البعض من الرجال والنساء .

لماذا يخلو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر من العناصر النسائية؟ ألا توجد امرأة تحمل من العلم والفقه والثقافة الإسلامية ما يؤهلها للحصول على عضوية هذا المجمع البحثي الإسلامي؟

لا . . يوجد كثيرات يصلحن للمشاركة في عضوية المجمع، ولا يوجد قانون أو شرع ما يحول دون مشاركتهن في عضوية مجمع بحثي فقهي، وأنا ضد تذكير مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر وأطالب دائما بإتاحة الفرصة للمرأة لكي تسهم بعطائها الفقهي والثقافي والفكري في منظومة المجمع ولجانه .