يتعدى مفهوم الصحة سلامة البدن إلى كونها تكاملاً بين الصحة الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية، وهو الأمر الذي يعتبر شرطاً لأي عملية تنموية، ويأخذ منحى أكثر أهمية عندما يتعلق بالعملية التعليمية، التي لا تكتمل إلا في بيئة صحية سليمة، خالية من الأمراض، عبر الصحة المدرسية، وهي مجموعة المفاهيم والمبادئ والأنظمة والخدمات التي تُقدم لتعزيز صحة الطلاب في السن المدرسية، وتعزيز صحة المجتمع من خلال المدارس . ويعتبر الغذاء الصحي المدخل الرئيسي للصحة المدرسية، وهو بالتالي من المحددات الرئيسية لسلامة العملية التعليمية برمتها، لذلك تحظى المقاصف المدرسية باهتمام كبير من قبل الجهات المشرفة على العملية التعليمية، وأولياء الأمور على حد سواء .
تتعدد أشكال المقاصف المدرسية التي تديرها شركات خاصة تحت إشراف منطقة الشارقة التعليمية ومجلس الشارقة للتعليم والبلدية ومختلف الجهات الصحية المختصة، وتتباين كذلك ما تقدمه هذه المقاصف من وجبات للطلاب، ويعتبرها كثير من أولياء الأمور خطراً على صحة أبنائهم، فهي على الرغم من صحة وسلامة المواد الغذائية التي تقدم فيها والتي تحظى بمراقبة لصيقة من الجهات المختصة تشكل خطراً كبيراً بالنسبة للصغار الذين يغيبون عن أعين والديهم فيتناولون ما يريدون تحت جنوح الطفولة التي لا تفرق بين ما يضر وما يفيد . وهذا الأمر يؤدي لانتشار ظاهرة السمنة والأمراض المتعلقة بها والتي تشكل عائقاً للتلاميذ في تحصيلهم الأكاديمي، إن لم تخضع لرقابة لصيقة، لطالما دعا إليها أولياء الأمور .
ميسون الشاعر العضو الفني للجنة الرقابية الإشرافية لمبادرة المقاصف على المستوى الحكومي تقدمت بالشكر لصاحب السمو حاكم الشارقة على دعم اللجنة في مبادرة المدارس الحكومية وقرار تعميم التجربة على القطاع الخاص لأنها تشمل العدد الأكبر من أبناء الدولة مقارنة بالقطاع الحكومي، مبينة أن اللجنة على استعداد لتغطية جميع القطاع الخاص في الإمارة وتعزيز الصحة على عدة مراحل من دون التدخل في شؤون المدرسة الداخلية وذلك لخصوصية المدارس الخاصة، علماً بأن اللجنة لم تعطِ حالياً التوجه في البدء بالقطاع الخاص .
وتقول الشاعر: مبادرة المدارس الحكومية تتميز بأنها الوحيدة التي تسعى في كل المجالات لمصلحة الطالب من دون النظر لرغبات إدارات المدارس أو لإرضائهم، كما أنها تتجاوب بشكل كبير مع أولياء الأمور لتوعيتهم والرد على استفساراتهم، مشيرة إلى أن اللجنة مشكلة وممثلة من جميع القطاعات المعنية بالمقاصف المدرسية وهي عمل جماعي متواصل بشكل يومي، خلفه الكثير من الفرق المجهولة التي نجحت في القيام بعملها في استمرار المبادرة .
وتكشف الشاعر عن مكافأة محددة لإدارات المدارس (المقاومة للتغيير)، للعمل في مجال تطوير المقاصف المدرسية وإداراتها بشكل منفصل، حيث صممت استمارة دقيقة للرقابة عبر الزيارات الميدانية الممثلة من منطقة الشارقة الطبية وبلدية الشارقة والهيئة التمريضية لمجلس الشارقة للتعليم .
وأشارت الشاعر إلى أن قائمة الطعام تشمل أكثر من 24 نوعاً في مجال الفطائر والسندوتشات أما المواد المساندة فهي داعمة للفيتامينات لصحة الطفل من فواكه وخضراوات وكعك مع التركيز على حصص منتجات الألبان وتنوعها مع وجود أكثر من مورد للعصائر غير المحلاة ذات التركيز العالي للب الفواكه وليس كالشراب كما في المبادرات الأخرى .
(عزيزتي لا تشربي المياه الغازية)، (الاعتدال في تناول المواد السكرية)، تعلو هاتان العبارتان المكتوبتان بعناية مع رسوم توضيحية، أحد مداخل المقصف المدرسي في مدرسة للبنات في الشارقة، حيث ترافقها عدة رسائل توعوية، تبين للطالبات الطريقة المثلى لتناول المواد الغذائية من المقاصف كالاعتدال في تناول الأملاح والصوديوم وأخرى تحث على ضرورة الاهتمام بوجبة الإفطار لدورها في صحة الطالبات، فيما تدعو إرشادات أخرى لعدم الإفراط في تناول الطعام، مشيرة إلى أن خمس وجبات صغيرة أفضل من ثلاث كبيرة تضر بالصحة وتسبب السمنة . ولم تغب الإرشادات التوعوية كذلك عن مدارس الأولاد بالشارقة، فهي تأتي ضمن الجهود التي تبذلها إدارات المدارس لتهيئة البيئة المناسبة للطلاب، وفقاً لما مضى إليه عبد الرحمن عبد الله المعلا مدير مدرسة المجد النموذجية، مشيراً إلى أنهم يضعون الغذاء المدرسي الصحي على قمة سلم أولوياتهم، لكونه من أساسيات البيئة المدرسية، ويتمثل في وجود غذاء صحي، بموافقة وزارة الصحة، وإدارة الصحة المدرسية، وهو الغذاء الذي ينعكس على صحة الطلاب وبالتالي تفاعلهم مع البرامج الأكاديمية والمناشط المدرسية، ويشير المعلا إلى أن الممارسة والدراسات للتجارب الماضية، كشفت عن جوانب كثيرة تحتاج للتحسين، سواء المتعلقة بأسعار الأكل أو نوعيته، ويبين أنهم قاموا بإضافة تشكيلة متنوعة من الطعام بالإضافة للفواكه والخضراوات، بناءً على توجيهات ومبادرة صاحب السمو حاكم الشارقة، التي تم من خلالها تحسين الشركات المشرفة على مقاصف المدارس، ويضيف المعلا أنهم وبعد اكتشافهم لظاهرة السمنة، قاموا بوضع برنامج متكامل لمعالجتها من خلال تمارين صباحية مختلفة وإشراك أولياء الأمور بالمحافظة على نوعية الغذاء، ويبين أن البرنامج انعكس على الكثير من الطلاب في تحسين صحتهم وأدائهم وتحصيلهم الأكاديمي، فبعد توفر الغذاء الصحي للطلاب زاد اهتمامهم وتركيزهم في الدروس .
في المدارس الحكومية جهزت أماكن خاصة للمقاصف، وزودت بأجهزة خاصة ويشرف على المقصف موظفون تشرف عليهم وزارة الصحة التي تقوم بإثبات أهليتهم الصحية وعادة ما يتواجدون بالمدرسة منذ بداية الدوام الصباحي وحتى نهايته . وهو ذات الأمر الذي يحدث في المدارس الخاصة حيث تحظى كذلك برعاية وزارة الصحة ورقابة لجانها المختلفة، وينبئ الوضع داخل المقاصف عن اهتمام كبير، حيث يشرف عليها الممرضون الذين يقومون بمتابعة الحالة الصحية للطلاب أولاً بأول ويقدمون لهم النصح والإرشاد لترسيخ ثقافة غذائية سليمة، تحافظ على صحتهم وتمكنهم من مواصلة تحصيلهم الأكاديمي من دون عوائق . بيد أنه لابد من ترسيخ ثقافة غذائية لدى الطلاب لأن مراقبة المقاصف وحدها لن تأتي بمردود إيجابي فعملية التغذية متكاملة تبدأ من البيت ولا يشكل المقصف المدرسي إلا جزءاً يسيراً منها حسب حنان حسونة المشرفة الصحية لمدرسة الرشد الأمريكية الخاصة بالشارقة، التي تنبه إلى أن وجبة الإفطار ينبغي أن تكون بالبيت وأن يتناول الطلاب من المقاصف المدرسية وجبة خفيفة ومكملة، مشيرة إلى أن هذا ما أثبتته الدراسات، لتبين أن تناول وجبة الإفطار بالبيت سيسهل كثيراً من مهام المشرفين الصحيين، على أن يقوموا بمراقبة مكونات وجبة المدرسة . وتشير حسونة إلى أن المقاصف المدرسية تحتاج لرقابة فعالة، وأنه حتى الآن لم يصدر لا من البلدية ولا الصحة المدرسية تعميم يبين ما هي المواد الغذائية المحظورة في المقاصف سوى رقائق البطاطا والمياه الغازية، مؤكدة أنه يجب أن توفر المقاصف عصيراً طبيعياً ينبغي ألا تقل نسبته عن 30% ويكون أفضل لو تعدت النسبة 50% . وتتابع حسونة مشيرة إلى أن رقابة موظفي البلدية تتعلق بطبيعة المادة وحفظها وصلاحيتها وطرق تخزينها بالاضافة لموضوع النظافة وطريقة التحضير ودرجة الحرارة المعينة، وأن بعض المدارس يمكن أن تسمح لأي شيء بالدخول لمقاصفها مادام يدخل بطريقة صحية ولا أحد يجبرها على منع إدخال شيء محدد وتطالب حسونة بالمزيد من الرقابة على المقاصف المدرسية، مشيرة إلى ضرورة إبعاد رقائق البطاطس والذرة عنها .
وحول ارتفاع نسبة البدانة ترى حسونة أن الدور الأكبر يكون بالبيت، لأن الوجبات داخل المقاصف كلها تكميلية، ولابد من أن يكون العمل أكبر على الوجبات الرئيسية والوزن والطول وكتلة الجسم، مشيرة إلى أنهم يقومون بالتعامل مع مدرّسي الرياضة لحل مشكلة البدانة .
الوضع الصحي بالنسبة للطالب يبدأ من المنزل، حيث الأم والتي تعتبر المغذي الرئيسي لابنها والمتحكم الأوحد في طريقة تناوله للطعام، حسب ما يؤكد ذلك إبراهيم البوعبيدي ممرض التغذية المدرسية بمدرسة المجد مشيراً إلى أنهم يقومون باتخاذ كل التدابير التي تنظم عملية الصحة المدرسية، وأن مسألة التدقيق الصحي من الأولوية بمكان، ويلفت البوعبيدي الانتباه إلى فطور الصباح كوجبة متكاملة، مشيراً إلى أنه يجب على الطفل أن يتناول وجبة الإفطار التي تحتوي على خضراوات وحليب ويتناول بعدها وجبة غداء خفيفة غنية بالخضراوات، منبهاً لخطورة وجبة العشاء التي يرى أنها الوجبة الرئيسية المسببة للسمنة .
ويشير البوعبيدي لدور الطب الوقائي والعيادات الخارجية في التثقيف الصحي للأم والأب بالبيت، مشيداً بالتدابير التي اتخذها مجلس الشارقة للتعليم والصحة المدرسية بتوفيرهم لوجبات نموذجية كتشجيع على ترسيخ هذا النمط من الثقافة الغذائية الجيدة، ويرى البوعبيدي أن مشكلة معظم المقاصف المدرسية تتمثل في وجود المعجنات والتي تؤثر بشكل سلبي في صحة الطلاب .
تأثير تعليمي
للصحة أثر كبير في العملية التعليمية، فهي تؤثر في مستوى تركيز الطالب واستيعابه، وبالتالي تحصيله الأكاديمي، حسبما يؤكد ذلك إبراهيم محمد، وهو معلم بمدرسة علي بن أبي طالب بالشارقة، مشيراً إلى ضرورة تكثيف الرقابة على المقاصف المدرسية، لكونها المحدد الرئيسي لصحة الطلاب، الذين ينبغي أن تقدم لهم المقاصف وجبات محددة ذات قيمة غذائية عالية، ويشير محمد إلى ضرورة منع الأغذية الضارة بشكل نهائي عن المقاصف، مبيناً أن أغلبية الطلاب يلجأون إلى المواد الغازية والسندوتشات الخفيفة التي لا توفر لهم عناصر غذائية أساسية، وينادي بضرورة تخصيص أماكن للمقاصف، بحيث تكون ملائمة لحفظ الأطعمة والعصائر .
سعيد الكعبي: رقابة مستمرة وفقاً لجدول
تطوير المقاصف المدرسية، وتوفير وجبات غذائية صحية للطلبة، تسير في المدارس الحكومية في الشارقة وفق آلية عمل منظمة وتعليمات صارمة وواضحة هدفها توفير الأغذية والمشروبات بأعلى قيمة غذائية تحقيقاً للتغذية السليمة في أكثر مراحل العمر أهمية بالنسبة للطالب، وبأسعار ملائمة، للارتقاء بالخدمات الغذائية المقدمة في المقصف المدرسي، والمساهمة في ترسيخ العادات والثقافة الغذائية السليمة ورفع الوعي الغذائي لدى الطلبة .
كل هذا يأتي في إطار مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الخاصة بتوريد الوجبات الغذائية الصحية للمدارس الحكومية، والتي قامت اللجنة المشرفة عليها بالاتفاق مع الموردين الذين تم التعاقد معهم لإدارة واستلام مسؤولية مقاصف المدارس الحكومية، وفقاً للشروط والمعايير الواجب اتباعها في المدارس والتي طورت للعام الدراسي 2014 - 2015 باعتماد آليات تقديم الوجبات الصحية وسبل تهيئة بيئة مثالية لكسب الثقافة الغذائية فيها، إضافة إلى تأكيد تنمية العادات الصحية ونشر الوعي الصحي بين الطلبة والهيئات التدريسية وأولياء الأمور، وفقاً لسعيد الكعبي مدير مجلس الشارقة للتعليم عضو لجنة المبادرة . وأكد أن المبادرة تمضي كما هو مرسوم لها لتنعكس على الوضع الصحي داخل المدارس، مشيراً إلى أنهم في مرحلة تقضي بالتنسيق مع الوزارة وقسم التغذية ومنطقة الشارقة التعليمية والمنطقة الطبية وغيرها من الجهات، لحصر الجهود وتطويرها ومعالجة النقص الموجود بما يحقق توجيهات صاحب السمو الحاكم، ويؤكد الكعبي أنهم يقومون برقابة مستمرة وفقاً لجدول معين، لتطبيق المعايير الصحية المعتمدة على المقاصف .
وأشار إلى أن المقصف، الذي يخالف التوجيهات ولا يلتزم بالمعايير ستتم محاسبته بفرض عقوبات معينة، وهناك تنسيق لوضعها لتكون رادعة، وسيتم بالمقابل مكافأة المتميزين . ويرى الكعبي أن ملاك المدارس الخاصة سيكونون على قدر الثقة بهم في تنفيذ التوجيهات واتباع المعايير الصحية، أملاً في أن يمتثلوا للأمر برغبة ذاتية تجعل من المدارس الخاصة أفضل صحياً . ويشير الكعبي إلى أن تجربة المقاصف المدرسية تشهد تطورات متنامية كل عام، أملاً في أن تصل للمرحلة الاحترافية في العام المقبل .