لطالما ذهب دارسو الأدب ونقاده إلى الربط بين التعبير الأدبي وبين البيئة التي انبثق عنها وترعرع في كنفها. فللجغرافيا عبقريتها الخاصة وللمكان أثره الجلي في قاطنيه وانعكاساته العميقة والواضحة في نشأة الآداب والفنون وفي تطورها وتحديد وجهتها وطبيعتها وأساليبها.

ولا يستطيع أي دارس متعمق في مجالات الإبداع المختلفة إلا أن يرى رابطاً وثيقاً بين ازدهار فن من الفنون وبين طبيعة المكان الذي انبثق عنه، بحيث يمكن لنا أن نلاحظ الأسباب الذي تجعل بلداً من البلدان متفوقاً في مجال الشعر وبلداً آخر متفوقاً في الرواية أو النحت أو الموسيقا. فللبلدان القطبية المكسوة بالثلوج تعبيرات مختلفة عن البلدان الحارة، وقاطنو الجبال يختلفون في التعبير عن أمزجتهم عن سكان السواحل، وسكان المدن والحواضر يعبرون عن أحاسيسهم ونوازعهم بطريقة مغايرة لسكان الصحارى والأرياف والمناطق النائية.

ليست الأنواع الأدبية والفنون وحدها هي التي تتباين وتتباعد بل إن الأساليب تتغاير أيضاً داخل النوع الواحد تبعاً لطبيعة البيئة وتأثيرات المناخ وتقلباته. وما القصة المنسوبة إلى الشاعر العباسي علي بن الجهم في علاقته بالخليفة هارون الرشيد سوى المثل الساطع على الدور الذي يمكن للبيئة أن تلعبه في تحديد مسار الشعراء ليس على مستوى الموضوعات والمعاني وحدها بل على مستوى الشكل واللغة والأسلوب. فعلي بن الجهم القادم من أقاصي الصحراء وعوالمها المتقشفة والقاسية لم يجد ما يمدح به الخليفة هارون الرشيد سوى قوله أنت كالكلب في الوفاء وكالتيس في قراع الخطوب. لكن الخليفة المتنور لم يباغت اثر هذا النوع من المخاطبة الفجة كما بوغت اعوانه بل قال لهؤلاء دعوه يعش في بغداد لفترة من الزمن وهيئوا له منزلاً فاخراً يليق بالشعراء. حتى اذا ما انقضت شهور قليلة على هذه الحادثة وجلس الشاعر في منزله المترف والمطل على أحد جسور العاصمة العباسية متأملاً جمال النساء العابرات على مرمى نظره هتف قائلاً: عيون المها بين الرصافة والجسر/جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري. ولم يكن ذلك التحول الجوهري في لغته وأسلوبه سوى انعكاس طبيعي لتحولات المكان ولتبدل البيئة وشروط العيش.

إن المكان على أهميته ليس العنصر الوحيد الذي أملى على الشعر العربي القديم وجهته وأسلوبه وصياغاته. ولو كان الأمر كذلك لوجب ان يكون الشعر الجاهلي برمته خشناً وقاسياً وغارقاً في التعقيد باعتبار أن شعراء الجاهلية عاشوا في الصحارى القاحلة ووسط ظروف مناخية ومعيشية بالغة الشظف والتقشف. والحقيقة أن معظم القصائد الجاهلية تحفل بالصياغات المعقدة والمفردات الغريبة التي لا نزال نجد صعوبة في قراءتها وفهمها حتى اليوم. ومع ذلك فثمة تجربة خاصة ومغايرة وشديدة الشفافية تندلع شبه وحيدة وسط مناخ الشعر الجاهلي المفرط في خشونته وتعقيده هي تجربة الخنساء. فمن يقرأ شعر الخنساء لا يكاد يلحظ ذلك الإغراب وتلك القسوة التي نجدها في معظم النصوص الجاهلية بل يبدو ذلك الشعر وكأنه منظوم في أيامنا هذه لرهافة لغته وشفافية أسلوبه. ورغم أن الخنساء كانت تنتمي الى المكان نفسه والبيئة الجاهلية إياها فإننا نقرأ لها أبياتاً شديدة العذوبة من مثل: وقائلة والنعش قد فات خطوها/ لتدركه والهف نفسي على صخر/ألا ثكلت أم الذين مشوا به/ الى القبر ماذا يحملون الى القبر؟.

ثمة إذاً عناصر وشروط أخرى يمكن لها ان تخرج اللغة عن سياقاتها الزمنية والتاريخية والبيئية ايضاً، بحيث يستطيع الشعراء أن يغردوا خارج سربهم وأن يخرجوا عما هو سائد في زمنهم من الأشكال والأساليب. وأظن أن ما يقف وراء لغة الخنساء الواضحة والشفافة والمغايرة للغة عصرها هو رهافتها الأنثوية البعيدة عن الأنساق الفحولية للقصيدة الجاهلية من جهة، وطبيعة التجربة التي تدفع الشاعرة الى التصويب المباشر باتجاه المعنى بمعزل عن الأشكال السائدة، من جهة أخرى. فالخنساء المفجوعة على أخيها صخر بشكل ندر مثيله لم تعد معنية بالتأليف والحذلقة والإغراب التعبيري بل بالذهاب مباشرة الى المعنى وبجعل الشعر صدى حقيقياً للألم والفقدان وأسئلة الحياة والموت.

أليس الأمر نفسه هو الذي حدث للشعراء العذريين بعد ذلك بفترة وجيزة من الزمن. فلو كانت البيئة وحدها هي التي تحدد شروط الشعر وأساليبه لوجب ان يكتب العذريون، وهم الذين يعيشون في وسط صحراوي جاف وبالغ القساوة، شعراً مماثلاً لشعر الحطيئة الخشن أو لشعر الأخطل المتين والفحولي، لكن تلك النيران المختزنة في دواخلهم هي التي تكفلت بتخليص شعرهم من لواحق الفظاظة والقسوة والتعقيد وحولته الى أغنية بالغة الرهافة على طريق الجنون أو الموت. وهكذا أمكننا ان نقرأ لقيس بن الملوح ابياتاً مؤثرة من مثل هواك ما عشت الفؤاد فإن أمت/يتبع صداي صداك بين الأقبر أو مثل اصلي فأبكي في الصلاة لذكرها/لي الويل مما يكتب الملكان، أو أسرب القطا هل من يعير جناحه/لعلّي الى من قد هويت أطير.

ومن يقرأ ديوان أبي العتاهية برمته لن يجد فيه أثراً لقافية صعبة أو مفردة مستغلقة أو تعبير معقد، خلافاً للكثير من مجايليه. ذلك لأنه أراد أن يذهب مباشرة الى المعنى بلا مخاتلة أو مواربة، كما لو أن زهده في الدنيا وميله المفرط الى التقشف من كل زينة وبهرج دفعاه الى زهد مماثل على مستوى اللغة والأسلوب بحيث بدا شعره ترجمة حقيقية لموقفه من الوجود والعالم.