-1-
بعد الانتهاء من قراءة كتاب سفر البنيان لجمال الغيطاني، تستعيد ذاكرة المتابع مطالبة غالب هلسا في مقدمة ترجمته لكتاب جماليات المكان لغاستون باشلار المثقفين العرب بإبداع دراسات عن جماليات المكان العربي، مثل الجامع والمئذنة والمقهى . في كتاب الغيطاني قراءة نظرية لمفردات:
العمارة، القبو، الدرج . . إلخ، للغطياني كتابات أخرى تتبع مختلف وجوه المكان العربي، ولكن ما استوقفنا في سفر البنيان تقاطع الغيطاني مع منمنمات تتبعها باشلار، وربما تكشف مقاربة أولية لتعاطي باشلار والغيطاني للمنمنمات نفسها عن ذائقة عربية خاصة لطبيعة المكان وملامحه .
القبو وفق الغيطاني صون وستر، هو أيضاً رحم، ومكان لما لا نستطيع رؤيته داخل الإنسان: المخ والقلب ومسارات الدم، وداخل الكون حيث تتوالد المجرات وتلتهم الثقوب السوداء كافة ما يقترب منها، القبو في معنى آخر هو القبر ومنطلق البعث ومكان حفظ الأسرار ومستودع خبايا العمارة، ومحل الكنوز الثمينة .
باشلار يرى القبو الهوية المظلمة للبيت يشارك قوى العالم السفلي حياتها، وهو المقابل المادي للاعقلانية الأعماق، مكان مثير للمخاوف، جدران القبو مدفونة ذات طبقة واحدة يدعمها امتداد الكرة الأرضية كلها، إنه دلالة على كل ما هو موحش ومخيف .
برغم إدراكنا لخلفية الرؤيتين السابقتين، فباشلار يصدر عن ظاهرايته تماهي في إدراكها للأشياء بين الذات والموضوع، والغيطاني يحاول صياغة معطى ثقافى معبر عن رؤى المجموع وفي سبيل ذلك يتوسل بلغة صوفية تطرح الخوف جانباً . القبو عند الاثنين ستر اللاوعي لشعور ما هو متوقع ينتقل إلى الوعي مباشرة عند الاطلاع على ما في القبو من أسرار، هو الفرح عند الغيطاني والخوف عند باشلار، هو توثبنا لسماع حكايات ألف ليلة وليلة وخاصة التي تدور في الأماكن المغلقة، وآلامنا بعد قراءة محنة بطل في قبوي لديستويفسكي .
الدرج عند الغيطاني مرقاة للصعود أو الانتقال من أسفل إلى أعلى، للصعود زهوة، وجلوة، وما الدرج إلا مساعد، الدرجة الواحدة تؤدي إلى غيرها، وسيلة لرؤية شاخصة إلى أعلى، إلى السماء، معبر لشوق الإنسان المتصوف إلى كل ما لا يراه البصر، الشخوص إلى أعلى مفردة استخدمتها كل أديان المنطقة العربية قبل الإسلام وبعده للتعبير عن نظرتها الخاصة جداً للخالق، ولذلك فالغمامة عند الغيطاني شرفة الأرض المعمورة، على حدود السماء المرفوعة بغير عمد، المنبسطة إلى أبد، الغمامة مكان بين الدرج المرقاة والسماء .
العلية في البيت، أو الصعود إلى أعلى وفق باشلار وسيلة للهروب من المخاوف، للوصول إلى الضوء وربما لبقاء الفرد الحالم منعزلاً، أو تحليق الشاعر في فضاءات المجهول .
الأصوات تمنح لوناً للفراغ، هذا الأخير وفق باشلار مكان، يقول الغيطاني كل فناء خلاء، حتى إن حده سور أو أحاطت به عمارة أو أحدق به بنيان، لا يقوم خلاء من دون امتلاء أصم الخلاء هو العدم غير المتصور في الرؤية الإسلامية للمكان، لنضع باشلار جانباً مؤقتاً وما إشاراتنا له إلا لإبراز زاوية نظر عربية شديدة الخصوصية للمكان .
-2-
المكان في امتداده الأفقي هو الأرض، الإنسان مستخلف فيها وفق الرؤية القرآنية، يعيش عليها ويستفيد منها ويحفظها للأجيال المقبلة، لا يملكها ويستخدمها كمادة استعمالية وفق هواه، ومن هنا نفهم هلاك القرى الظالم أهلها، ورمزية مصطلح فساد الأمكنة المستخدم بالتصريح أو التلميح في كثير من الروايات العربية . الملكية الخاصة أفرزت مفاهيم فلسفية غربية ارتبطت بالعنصرية والإبادة الثقافية وانتهت بمخاوف حقيقية على مصير الكرة الأرضية نفسها، الأرض في الإسلام ملك الجميع، ملكية استنفاع، تسع الجميع وعلى هذا الأساس ندرك كيف تحولت منطقتنا إلى مكان فسيفسائي من الأديان والطوائف والعرقيات، وربما نذهب مع هادي العلوي في تأكيده أن مشاعية الأرض فكرة شرقية في الأساس لا يمكن أن نجد لها جذوراً في التربة الغربية .
المكان في امتداده الرأسي، يتطلع إلى السماء، التدين طابعه، وهنا ندرك رمزية الأبنية وأشكالها الشاخصة في كل أماكن العبادة في المنطقة العربية، والأولوية للمجموع أيضاً، ومن هنا نفهم دمار الأمكنة التي حاول أصحابها الصعود حلمياً إلى السماء من خلال دور عبادة تؤلههم كأفراد، في مقابل جبل الأوليمب محل الآلهة المشخصنة في الميثولوجيا اليونانية، ثم الرعب من الكائنات المغايرة للإنسان والقادمة من الفضاء لامتلاك الأرض والتصرف فيها وفق أهوائها الخاصة كما في أدب الخيال العلمي المقروء والمرئي .
المكان صانع الإنسان، لم تكن مصادفة أبداً أن يكون مفكر عربي مسلم هو أول من أدرك هذه النتيجة، لقد حدثنا عبدالرحمن بن خلدون عن أثر البيئة بمفرداتها المختلفة على قاطنها، ليس في الخصائص الجسدية وحسب ولكن في النظرة إلى الأشياء، وجاء حفيده محمد عابد الجابري ليدرس العلاقة بين الصحراء وطبيعة العقلية العربية وأثرها أيضاً في اللغة العربية .
المكان هوية الجماعة، رباطها، حاميها من الغزو المتوالي الذي تحول إلى ملحمة لا نهاية لها، هو سرة العالم أو مركز المواصلات ومعبر إلى تجارة التوابل أو المياه الدافئة أو البترول، سردية متصلة الحلقات، عاهة قدرية وفق المتشائم محمد جابر الأنصاري .
المكان تحوّل إلى مفردة شبه مقدسة مع جمال حمدان، للجغرافيا أسبقية على التاريخ، الخصائص المصرية ثابتة منذ القدم وهي رؤية وإن كانت بارزة عند حمدان بخصوص مصر، فهي كامنة في عمق كثير من المفكرين العرب على اختلاف توجهاتهم بالنسبة لإحداثيات المنطقة، ثبات الجغرافيا سيفضي إلى الطابع التكراري لتاريخنا بأكمله .
المكان معطى مطلق في الرواية العربية، قاهرة نجيب محفوظ، صحراء إبراهيم الكوني، مفاهيم مجردة لدوال تستدعيها الذاكرة عند ذكر الاسمين السابقين وغيرهما، بينما الشخصيات الغرائبية تأتي سابقة لماكوندو ماركيز في مائة عام من العزلة، والحال نفسه مع ستيف قارع الطبل بأفكاره الجديدة والجريئة عن برلين كما رسمها غوانترغراس في الطبل الصفيح، الرواية بين الأشكال الأدبية الأكثر تعبيراً عن المكان، وربما الاحتفاء المبالغ فيه حالياً في بلادنا العربية نتيجة لوعي يعطي المكان أبعاداً مركبة، وفي لفتة معبرة يرى غالب هلسا في تقديمه لكتاب جماليات المكان أن بؤس الشاعر العربي بدأ عندما توقف عن البكاء على الأطلال: أثار مساكن الطفولة وتذكر منازل الحبيبة، وكأن الطلل رحم الشاعر أو فردوسه المفقود، في تثبيت لمفردة جغرافية تجاوزها التاريخ منذ قرون، هل ندرك الآن لماذا نحترم جميعاً، على اختلاف ألوان الطيف الفكري، المعلقات الشعرية العربية القديمة؟
-3-
لا يمكن لرؤية كهذه تقوم على الجلال لا الجمال، أن تتحدث وفق باشلار عن الزوايا والأركان الموجودة في البيت والمستعاد من خلالها أحلام الطفولة، أو تتناول الأدراج والصناديق وخزائن الملابس، أو ترصد العلاقة الجدلية بين المتناهي في الصغر والمتناهي في الكبر، المكان في تصورنا جليل لا وجود لضده، الخلاء أصم ومؤلم لا يمكن أن يخبره الإنسان بمفرده، وفق الرؤية الإسلامية أخرج آدم في صحبة حواء من الجنة، لم يعان أي منهما لحظات وحده إزاء العالم الساكن الرهيب، بخلاف التوراة حيث طرد كل منهم على حدة .
نحن بحاجة إلى من يقدم قراءات مختلفة للمكان العربي ومكوناته المغايرة: الرمل، الصحراء . . إلخ، للحجر رمزية مكثفة كان عبدالوهاب المسيري قد بدأ في فك أبعادها المركبة في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية، وللأرض العربية المحتلة دلالاتها الدينية والثقافية والتي حاول حسن حنفي توظيفها في ما أطلق عليه لاهوت تحرير الأرض انطلاقاً من اعتقاد راسخ في اللاوعي العربي بأن فضاء المكان يتعدى إحداثياته الجغرافية، إنه الهوية والامتداد الزمني والمفردة التي يجب أن تتأسس عليها أية ثقافة مقاومة مأمولة في الوطن العربي.