من روائع الحضارة الإسلامية ومن الإرث المعرفي والحضاري لمدينة حلب القديمة التي تكسو أزقتها بالحجارة المرصوفة وجدران بيوتها العالية، وفيما أنت تسير على أرصفة أحيائها يمتلكك شعور بالأيام الغابرة، وكم مر على هذه الأحياء من ملوك وأناس من علماء وأغنياء وفقراء ووجهاء، فالأزقة تذكرك بما مضى من أيام غابرة حملت معها عبق الغار الحلبي، ففي أحد أحياء مدينة الشهباء يقع الجامع الأموي وعلى شماله ترى صرحاً علمياً إسلامياً يحتوي على ماض مجيد وعريق ومخطوطات لطالما حاول العابثون سرقتها وبيعها، هي المدرسة الوقفية التي يتم تأهيلها بأفضل التقنيات حديثا لتتيح أقدم مدينة مأهولة في التاريخ المجال للباحثين والمفكرين المهتمين بإرث وكنز حضاريين لأمة من أعرق الأمم، الخليج زارت المكتبة الوقفية قبيل الافتتاح وأجرت هذا الاستطلاع عنها:
ولع الحلبيون منذ العصور الإسلامية الأولى باقتناء الكتب وتشييد المكتبات في البيوت والمدارس والمساجد والزوايا والتكايا، وكان ذلك يتناسب والنهضة العلمية التي حمل لواءها علماء كل عصر من العصور بتشجيعٍ من الولاة ومن أثرياء المدينة، فقد بدأ الاهتمام بالكتب في عهد سيف الدولة الحمداني وازداد في عهد نور الدين محمود بن زنكي وازدهر مع النهضة الحضارية الشاملة التي حصلت في عهد الأيوبيين، حتى أصبحت حلب مقصد المعرفة في بلاد الإسلام .
وقد فاضت كتب التاريخ والطبقات بذكر شغف علماء حلب بجمع الكتب ونسخها والعناية بها، نذكر منهم على سبيل المثال: جمال الدين القفطي الحلبي (ت: 646هـ) صاحب كتاب إنباء الرواة على أنباء النحاة، الذي اجتمعت له مكتبة نادرة، كان يأتي بكتبها المكتوبة بخط مؤلفيها أو بخطوط أكابر العلماء من شتى البلاد .
وعلل الشيخ الغزي اقتناء الميسورين من الحلبيين الكتب بأربعة أسباب:
الأول: استفادة المقتني من بعضها الذي يكون في علوم بسيطة، والثاني: جعل المكتبة زينةً للبيت، أما الثالث فهو الاعتقاد بأن اقتناء الكتب يورث الغنى، وأما الرابع فجعل الكتب وسيلة احترام ووجاهة عند أهل العلم الذين يستعيرون منهم الكتب، غير أن هذه المكتبات تعرضت للنهب والدمار والضياع، يقول الغزي: وإننا منذ زمن الصبا حتى الآن نرى تجار الكتب المخطوطة يترددون إلى حلب، ويملأون من مكتباتها الصناديق الكثيرة، عدا ما نراه من سواح الغرب وسماسرة المستشرقين الذين يختطفون الكتب النفيسة الخطية من أيدي طائفة من البسطاء لا يفرقون بين الطين والعجين، فيشترونها منهم بأبخس الأثمان .
وقد ذكر الغزي من مكتبات حلب المفقودة التي كانت في بيوتات أهل العلم، وهي على جانب عظيم من الغنى: مكتبة بني الشحنة ومكتبة بني العديم ومكتبة بني الخشاب، وغيرهم من الأسر العلمية، كما ذكر من المكتبات الوقفية المفقودة: مكتبة الجامع الكبير ومكتبات المدارس الكبرى كالمدارس السلطانية والعصرونية والحلوية والشرفية والرواحية، وبين أن هذه المكتبات فقدت برمتها في حادثة تيمورلنك: منها ما استأثر به تيمورلنك وأتباعه، ومنها ما انتهبته العامة أثناء تلك الحادثة وطرحوه في زوايا بيوتهم، ثم باعوه بأبخس ثمن .
وقد جمعت المكتبة الوقفية في حلب ما تفرق من بقايا الكتب الموجودة في مدارسها وزواياها وتكاياها ومساجدها .
وقد تعرضت المكتبة للنهب زمن أبي العلاء المعري في فتنة وقعت أيام عاشوراء، ثم جددها الوزير أبو النجم هبة الله ابن البديع وزير الملك الرضوان، كما ذكر أبوالقاسم ابن العديم، ثم تم افتتاح المكتبة عام 1345هـ، وكان القيّم عليها الشيخ محمد علي الكحال، ومن بعده الشيخ أحمد السردار الذي بقي أمينًا لها إلى تاريخ وفاته 1420هـ، ثم هجرت وأهملت من بعده .
وقد أحصي في السجلات الرسمية الحالية 2846 مخطوطاً من مخطوطات المكتبة الشرفية (مع الملحقين)، وهذا العدد أكثر من الذي أثبت في محضر تسلم المكتبة عند عودتها إلى الشرفية، وهو 1122 مخطوطاً، مما يدل على أنه ازداد عددها في ما بعد . أما العدد الكلي للكتب بعد ضم المكتبات الأخرى إليها فقد بلغ ما يقارب عشرة آلاف كتاب بين مخطوط ومطبوع .
وللوقوف بشكل أكبر على المكتبة الوقفية كان لنا لقاء مع الدكتور محمود مصري المدير الحالي للمكتبة الذي يقول: قمنا بالتعاقد مع لجنة الإنجاز التي ضمت كبار المهندسين لدراسة تجهيزات المكتبة وإعداد الفنية اللازمة لهذا الغرض وبالطبع بما ينسجم مع مكونات الجامع الكبير ويتناسب أيضا مع المعايير المعتمدة في المكتبات الحديثة وبلغت الكلفة الإجمالية للمشروع حوالي سبعين مليون ليرة سورية .
وهناك قاعة كبار الباحثين وهي صالة متعددة الأغراض: للمحاضرات والمؤتمرات والدورات التدريبية وورشات العمل والمعارض (تتسع ل 140 شخصا، مع إمكانية الترجمة الفورية لأربع لغات وشاشة عرض وشاشات بلازما) .
وهذا القسم مزود بالانترنت المفتوح للباحثين، وخدمة المكتبة الإلكترونية وخدمة قواعد البيانات (عدد المستفيدين: 60 باحثاً) .
وتضم المكتبة أيضاً متحفاً لعرض مقتنيات المكتبة من المخطوطات والأدوات الفلكية والنحاسيات والفخاريات واللوحات القماشية الأثرية والخشبيات واللقى الأثرية التي وجدت أثناء ترميم الجامع الكبير، والمكتبة مزودة بكاميرات مراقبة تغطي مساحتها البالغة تقريبا 1500 متر، وتم اعتماد الخط العربي والعجمي في الزخارف الخشبية للمكتبة . واعتُمدت قواطع خفيفة بين أقسام المكتبة مكونة من إطارات خشبية وزجاح مغشى، ولا تنتهي القواطع إلى الأسقف، للمحافظة على رحابة المكان والجو العام الواحد فيه، حيث استوحيت الزخارف في المكتبة من العناصر الهندسية في المكتبة القديمة (المدرسة الشرفية) والجامع الكبير .
وتم إنشاء مركز الوثائق والمخطوطات في المدرسة الشرفية، وذلك أيضاً تنفيذاً لبنود الدليل التنفيذي لبرنامج التعاون الإقليمي السوري التركي، كما تم إنشاء متحف لسجاد الجامع الكبير في تكية أصلان دادا، تعرض فيه بعض القطع المحدودة المختارة من السجاد، وتمت الموافقة على إقامة مركز الخطوط والزخارف الإسلامية في المدرسة الحلوية، يتبع أيضا للمكتبة الوقفية، وبناء على طلب قدمته المكتبة لمديرية أوقاف حلب تمت الموافقة على أن يكون مقر وحدة ترميم المخطوطات اليدوي والآلي التابعة للمكتبة في خانقاه الفرافرة، وقد تبرع جمعة الماجد رئيس مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي بوحدة الترميم الآلي لصالح المكتبة الوقفية في حلب . يذكر أن الافتتاح سيكون على مستوى رفيع قريباً .