في محاولة لاستكمال دورها في توثيق التاريخ المصري، بدأت مكتبة الاسكندرية توثيق تاريخ الأسرة العلوية، وفي مقدمته فترة حكم الملك فاروق، بعد اهداء وزارة السياحة المصرية للمكتبة 61 ألبوما، عبارة عن صور نادرة من مكتبة الملك فاروق في قصر عابدين. وكانت الوزارة المصرية تحتفظ بهذه المجموعة الكبيرة من الصور لملك مصر السابق منذ خمسينات القرن الماضي، وجاء اهداؤها للمكتبة في اطار التعاون بين الجانبين، ولتستخدمها المكتبة في المشروعات التي تقوم بها في مجال توثيق تاريخ مصر المعاصر.
تضم المجموعة أندر وأول الصور التي التقطت لمدينة القاهرة في القرن التاسع عشر، يعود أقدمها الى العام ،1846 كما تضم عدداً من صور حفل زفاف الملك فاروق والملكة فريدة، وصورا لتتويج الملك فاروق ملكاً على مصر والسودان، وصوراً أخرى لافتتاح فاروق لبعض المشروعات كمشروع تقوية قناطر أسيوط، وغيرها.
وتتنوع مجموعة الصور المهداة بين مشروعات قومية مصرية ومتاحف كالمتحف الزراعي، فضلا عن مجموعات صور لمبانٍ في القاهرة والاسكندرية، ومن المقرر أن تستخدم المكتبة هذه المجموعة النادرة من الصور في مشروع ذاكرة مصر التاريخية، والذي يتم الاعداد له منذ ثلاث سنوات، بهدف توثيق تاريخ مصر المعاصر منذ فترة تولي محمد علي حكم مصر وحتى وفاة الرئيس الراحل أنور السادات.
ومن هنا ستكون لذاكرة مصر على المدى البعيد ثلاثة مستويات، أولها مستوى للمستخدم العادي، الذي يبحث عن نص تاريخي مدقق مصحوب بمواد وثائقية تساعده على رؤية الحدث أو الشخصية بصورة أكثر عمقا، مثل الفيلم الوثائقي أو اللقطات التلفزيونية التي تبرز مجريات الحدث، أو تعليقات الصحف عليه، أو الطوابع والعملات التي صدرت في هذه المناسبة.
وثاني هذه المستويات، للباحثين المتخصصين، اذ يستطيع أن يستدعي مزيدا من التفاصيل والخلفيات التاريخية والوثائق النادرة سواء كانت رسمية أو شخصية، فضلا عن أن الذاكرة تتيح له ابداء رأيه وتصحيح المعلومات الواردة بها، ان كانت هناك أخطاء.
أما المستوى الأخير، فهو مستوى الأطفال، الذي يقدم رسوم الكرتون التي تشرح التاريخ بصورة مبهجة ومسلية للأطفال.
ووفق المسؤولين بالمكتبة فإن مواد هذه الذاكرة لن تتوقف عند بثها على الانترنت بل ستمتد الى ما لا نهاية.
وستحرص المكتبة على اضافة مواد لهذه المستويات بصورة مستمرة وتطويرها، وسيكون الخط الزمني الذي يبدأ بعام 1805 وينتهي بالعام ،1981 محور تصفح هذه الذاكرة على الانترنت، فضلا عن الموضوعات المتنوعة التي لا تقف عند البعد السياسي، لتمتد لتشمل الجمعيات الأهلية، والنوادي الرياضية، والشخصيات العامة، والمنشآت العامة، والمدن، والحياة الاجتماعية، والمؤسسات الاقتصادية، حتى الوصول الى محاولات للتعمق أكثر فأكثر في صلب الحياة اليومية للمصريين عبر مائتي عام تقريبا.
ويأتي هذا التوثيق، الذي يضاف الى توثيق مراحل تاريخية كبرى مصرية، منها المرحلة الناصرية، بتوثيق تاريخ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، بالتعاون مع مؤسسة جمال عبد الناصر، والتي تترأسها كريمته د. هدى عبد الناصر، بالاضافة الى توثيق مشروعات كبرى مثل خزان أسوان، وحفر قناة السويس، أو صغرى كالصناعات الصغيرة التي ظهرت في مصر في عشرينات القرن العشرين، بما يمكن الزائر للمكتبة من عبور الخط الزمني للتاريخ المصري، والوصول الى ما يريده من مداخل متعددة.
وسيكون توثيق المكتبة لفترة الملك فاروق، بدءا من فترة حكمه لمصر، وتوليه عرش مصر والسودان، وحتى تنازله عن العرش، بعد قيام الثورة.
ووفق ما وفرته المكتبة من سجلات، فإن فاروق هو ابن الملك أحمد فؤاد الأول بن اسماعيل (الخديو) بن ابراهيم بن محمد علي باشا، مولود في سنة ،1921 الى أن تنازل عن العرش في 26 يوليو/ تموز ،1952 عقب قيام ثورة يوليو.
وحسب السجلات الوثائقية التي تعتمد عليها المكتبة، فإنه بعد أن ولدت الملكة نازلي ابنها الطفل فاروق عهدت به الى مربيته الانجليزية سارجنت ومرضعته التركية اهشا جالشان التي اختارها الأطباء من بين آلاف النساء في أنحاء البلاد لترضع فاروق.
ومع نمو فاروق، بدأت وسامته تظهر، وحين بدأت دراسته ضمن القصر الملكي على أيدي مدرسين خصوصيين حكى هؤلاء حكايات كثيرة عن حذقه ومهارته، وكان السلطان فؤاد يستمع الى تلك الحكايات بفخر وفي مدة قياسية استطاع فاروق أن يحفظ تاريخ الأسرة الملكية وتقاليدها وسيرتها منذ عهد محمد علي باشا الكبير.
وكانت البيئة التي نشأ فيها تنظر له على أنه الملك المنتظر، بل ووريث العرش الوحيد في المستقبل، وربما خلق هذا الكثير من القسوة في تربية حازمة لطفل ينتظر منه أن يقوم بدور كبير.
ويعتبر فاروق آخر من حكم مصر من أسرة محمد علي، وآخر من لقب بالملك في مصر، وتعلم في فرنسا وانجلترا، وتولى الحكم عندما توفي والده الملك فؤاد في أبريل/ نيسان 1936 وخلف أباه ملكا على مصر، ولكنه كان طفلا لم يكن بلغ السن التي تؤهله للحكم فتم تشكيل مجلس وصاية من كل من الأمير محمد علي وعزيز عزت باشا وشريف صبري باشا، الى أن تسلم سلطاته كملك.
وظلت شخصيته مثيرة للجدل، ساهم ضعفها، وسوء حظها، وربما فشلها مع الظروف في نهاية الملكية في مصر، ووالدته هي نازلي صبري، ومن المفارقات العجيبة أن والد فاروق، الملك فؤاد نجا من الموت بأعجوبة قبل زواجه بالملكة نازلي والدة فاروق حيث طلق الملك فؤاد زوجته الأولى شويكار.
وكانت شويكار أختا لأحد أغنى أغنياء مصر في ذلك الحين الأمير أحمد سيف الدين، وقبل أن يتزوج زوجته الثانية نازلي، اذا بالأمير أحمد يطلق الرصاص على الملك فؤاد، ويصيبه في حنجرته، ويشرف على الموت.. لكن العناية الالهية شاءت أن يعيش الملك فؤاد ليتزوج الملكة نازلي وينجب منها فاروق وأخواته الثلاث.
والملكة نازلي سليلة أسرة مصرية فرنسية، فهي ابنة لوزير الزراعة وحفيدة لكل من محمد شريف باشا وزير الشؤون الخارجية، وأيضا حفيدة لسليمان باشا الذي كان ضابطا في جيش نابليون بونابرت واعتنق الاسلام وانضم للجيش المصري.
ومن الصور التي ستعمل المكتبة على توثيقها، ضمن توثيق التاريخ المصري، القصور الملكية، ومنها قصر عابدين، الذي يتألف من 550 غرفة، حيث كان يعتبر من أهم معالم القاهرة آنذاك، حيث الصالات الحمراء والبيضاء والخضراء، بجانب قاعة العرش، التي تزوج بها الملك فاروق لاحقا.
وكان الملك فاروق من هواة جمع الأشياء النادرة مثل ورق البريد، والعملات القديمة وأشياء تذكارية، ومجوهرات نادرة الى غير ذلك من الأشياء ذات القيمة، علاوة على ما تركه والده من هذه الأشياء، وقيمتها كلها حسب ما هو مدون بدفاتر القصر وقت الشراء 10 ملايين جنيه.
وذات مرة كلف أحد مستشاريه بالسفر الى اسطنبول عام 1945 للبحث عن علبة نشوق مصنوعة من السيفر الكحلي مطعمة بخيوط ذهبية وفصوص من الألماس، قيل انها موجودة في اسطنبول، وكان التنافس شديدا بينه وبين الأمير محمد علي ولي العهد للحصول على هذه العلبة النادرة على اعتبار أنها من مخلفات محمد علي رأس العائلة، الى أن نقلها الى مصر، وفرح بها الملك كثيرا وأضيفت الى المجوهرات المحفوظة بالقصر.
وبحسب المؤرخين، الذين تعتمد عليهم المكتبة في التوثيق، فإن مصر كانت تعيش خلال الملكية حياة سياسية غير مستقرة نتيجة صراع الأحزاب وضياع فلسطين وكذا انخفاض شعبية فاروق الأول عند معظم المصريين لأسباب عديدة منها فضيحة بيع وزارة نجيب الهلالي لعبود باشا بمليون جنيه، واغتيال الشيخ حسن البنا على يد البوليس السياسي، وطلاقه للملكة فريدة وكثرة الشائعات التي كانت تقال عنه فضلا عن الاضرابات التي شهدتها القاهرة من مظاهرات وعنف وحرائق مدبرة حريق القاهرة.
وبعد قيام ثورة يوليو بعدة أيام، وتحديدا في الساعة السادسة وعشرين دقيقة مساء 26 يوليو 1952 غادر الملك فاروق مصر على ظهر اليخت الملكي المحروسة (وهو نفس اليخت الذي غادر به جده الخديو اسماعيل عند عزله عن الحكم) وكان في وداعه اللواء محمد نجيب والضباط الأحرار الذين كانوا قد قرروا الاكتفاء بعزله ونفيه من مصر.