* خمسون عاماً مضت، منذ انغلقت أبواب سجون جزيرة سانت هيلانة، وما عادت تستقبل منفيين وسجناء سياسيين وعبيداً، كانت تحملهم سفن وبوارج الإمبراطورية البريطانية التي غابت شمسها، وتلقي بهم في هذه الجزيرة البركانية المعزولة عن الدنيا، والقابعة في جنوب المحيط الأطلسي .

قبل نحو مئتي عام، نقلت بارجة بريطانية، نابليون بونابرت بالأصفاد، منفياً إلى هذه الجزيرة، وعاش فيها سجيناً حتى وفاته بالسرطان في عام ،1821 ودفن فيها، ولم ينقل رفاته إلى باريس إلا في عام 1840 .

كانت القوى الأوروبية بقيادة بريطانيا تخشى نابليون بعد هزيمته في معركة واترلو، فقررت نفيه بعيداً في أعماق المحيط الأطلسي، حتى لا يتمكن من الهرب والعودة إلى عرش فرنسا، كما فعل في عام ،1813 حينما هرب من سجنه في جزيرة ألبا بالبحر الأبيض المتوسط، واستعاد عرشه .

* إرث بريطانيا في مجال نفي السياسيين الوطنيين المعارضين لها، في أزمنة الاستعمار الغربي لمناطق واسعة من العالم، إرث طويل وفريد، وقاسٍ على الروح والجسد، والأمثلة كثيرة، ونصيب العرب منه كبير، ومن بينهم أحمد عرابي الذي نفته بريطانيا إلى سيلان في عام 1882 .

وكذلك سعد زغلول الذي نفته إلى مالطا ثم إلى سيشل في عام ،1919 ولحقه إلى هناك سلطان الصومال، وفي ما بعد حلّ على سيشل أيضاً منفياً الزعيم القبرصي المطران مكاريوس، أما سلطان الفضلي فقد نفته بريطانيا إلى تنجانيقا في إفريقيا .

* تذكر سجلات جزيرة سانت هيلانة St . Helena أنه في أواخر شهر يناير/ كانون الثاني عام ،1957 حملت بارجة بريطانية ثلاثة سجناء من البحرين، واستغرقت الرحلة البحرية نحو شهر، من البحرين مروراً بالخليج العربي وبحر العرب، وممباسا، باتجاه كيب تاون في جنوب إفريقيا، وصولاً إلى المنفى في جزيرة سانت هيلانة البريطانية، والتي تبعد نحو ألفي ميل عن البرازيل، ومثلها عن كيب تاون، ولا يزيد عدد سكانها على أربعة آلاف شخص . وكان البرتغاليون قد اكتشفوها في مطلع القرن السادس عشر، وأطلقوا عليها هذا الاسم، تيمناً بالقديسة هيلانة أم الملك قسطنطين، وهي الملكة التي بنت كنيسة القيامة في القدس (إيليا) عام 335 ميلادية . وفي عام 1695 احتلها الإنجليز، واستخدمت مخزناً للوقود، وتموين السفن البريطانية المتجهة نحو الشرق، ومعتقلاً لسياسيين منفيين فيها من أكثر من مكان .

كانت البحرين في خمسينات القرن الماضي، مشمولة بالسلطات القضائية البريطانية، وكانت فيها نهضة تعليمية وثقافية وصحفية متقدمة، كما شهدت حركة إصلاحية وطنية، تناهض الطائفية، وتدعو للإصلاح والتحديث، ولعلها رائدة أيضاً، وسبقت عصرها في الدعوة لإقامة اتحاد فيدرالي بين إمارات الخليج العربي، وتوحيد العملة، وإنشاء صندوق إنمائي لإنعاش ما سُمي وقتها بعُمان الساحل والداخل، والمطالبة بإلغاء الحماية البريطانية للخليج العربي، والالتحاق بعضوية جامعة الدول العربية، وتأسيس برلمانات شعبية .

* كانت هذه الدعوات الشعبية، توقاً خالصاً للاتحاد والتعاون والتعاضد الخليجي، وذلك قبل أكثر من ستين عاماً، لكن بريطانيا في ذلك الوقت، كانت ترى في مثل هذه الدعوات إضراراً بمصالحها، فعارضتها بشدة، وبخاصة أنها كانت تتحكم في قناة السويس، وفي مواقع استراتيجية في شرقي السويس، وحقول نفط وخطوط نقله، وفي ظل هذه السياسات الاستعمارية استصدرت بريطانيا حكماً في نوفمبر 1956 بسجن قادة الحركة الإصلاحية البحرينية، وهم عبدالرحمن الباكر، وعبدالعزيز الشملان، وعبد علي العليوات، لمدة أربعة عشر عاماً، ونفيهم إلى جزيرة سانت هيلانة في المحيط الأطلسي . في سجن على سفح جبل يطل على الميناء، عبر طريق وعر، وفي موقع كانت تستخدمه المدفعية البريطانية منذ نحو قرن ونصف .

* عاش السجناء الثلاثة في عزلة عن العالم، إلا من راديو، تابعوا من خلاله أحداثاً هامة جرت في العالم العربي في نهاية الخمسينات، ودافع عنهم بعض الأحرار الإنجليز، وأثاروا قضية نفيهم في مجلس العموم والصحافة، حتى تم الإفراج عنهم في يوليو/ تموز 1961 .

عرفت المرحوم عبدالرحمن الباكر كقامة إنسانية وفكرية وطنية عالية، من خلال ولديه الدكتور عبدالله رحمه الله، وإبراهيم، وابنتيه عائشة وحصة، وقد توفي في لبنان في يوليو ،1971 ونقل جثمانه إلى الدوحة ليدفن هناك، كما عرفت عبدالعزيز الشملان أثناء عمله سفيراً للبحرين في القاهرة، وفي اجتماعات الحوار العربي الأوروبي في السبعينات، وفي أيامه الأخيرة زرته في مستشفى بالتيمور في ضواحي واشنطن في منتصف الثمانينات، وترك لنا عبدالرحمن الباكر مذكراته في كتاب سماه من البحرين إلى المنفى، ونشر في عام 1965 من قبل دار الحياة، وفي هذه المذكرات، تبدو شعوب المنطقة منذ زمن قد شبت عن الطوق، وبلغت رشدها، وتعاطت أمصالاً فكرية ووعياً سياسياً لصيانة مناعتها ووحدتها، وأثبتت أن فيها من الرجال والنساء من يملك البصيرة الثاقبة والرؤية الوطنية الشمولية الصادقة، وقيم الفروسية والصبر والنقاء، رغم التوحش الاستعماري البريطاني، لا بأس أن نعيد قراءة التاريخ في الخليج العربي، ولنتذكر أن الخليج ليس مجرد برميل نفط .