تحقيق: بكر المحاسنة
أرض حباها الله سر النضارة والبهاء، وألبس سماءها رداء البياض الذي يريح القلب ويسر النظر .
تمنّع أهلها بعاداتهم فسميت بالمنيعي، وتمرس أهلها على حب الوطن فلم تمتنع عن حبهم وإعطائهم ما يرغبون من بقلها وثومها وقثائها وفاكهتها التي تشتهيها الأنفس . إنها المنيعي التي لا تمنع عن زائرها السرور والجمال، ولا تمنع عنه الخير وطيب المذاق . . أهلها أصحاب كرم لم يمنعوا الزاد عن طالبه ولم يمنعوا الحب وحسن الاستقبال عن ضيوفها فكانوا كما أرضهم ساحرون في تعاملهم، وكما جبالها قمم في الشموخ، وككرومها غاية في العطاء والنبل .
تتمتع منطقة المنيعي التابعة لإمارة رأس الخيمة بمناخ جميل طوال أيام السنة وبوجود المناظر الطبيعية الخلابة وبمناطقها الساحرة الهادئة ووجودها بين الجبال الشاهقة الارتفاع المتصلة مع بعضها بعضاً الأمر الذي اضفى عليها رونقها الخاص، ما جعلها منطقة ساحرة بجدارة، إضافة لذلك تكثر فيها الأودية والانحدارات الرأسية التي لا تخلو من جمال الطبيعة الخلابة .
وتعتبر منطقة المنيعي من المناطق الجبلية ذات الطبيعة الجميلة، نظراً لما تتمتع به من مقومات طبيعية رائعة، فجوها معتدل صيفاً ويميل إلى البرودة في مواسم هطول الأمطار إضافة إلى موقعها بين أحضان الجبال، ونتيجة لموقعها المتميز فإن منطقة المنيعي تعد مركزاً لعدد من القرى القريبة منها كالنصلة ورافاق والفشغة والحويلات والقور وصخيبر والوعب ووادي الطوى ووادي العجيلي .
وتشتهر منطقة المنيعي منذ القدم بتنوع المحاصيل الزراعية ذات الجودة العالية نتيجة تربتها الخصبة ومياهها العذبة وجوها الجميل الذي يساعد كثيراً على انتشار المزارع الخضراء وعلى الإنتاج الزراعي الوفير كالمانجو والنخيل وأشجار السدر وأشجار الفواكه والحمضيات إضافة إلى حبوب البر والشعير والذرة وزراعة الغليون وغيرها من المحاصيل الزراعية الأخرى، كما تزخر المنطقة بوجود العديد من الآثار والمواقع التاريخية الشاهدة على مكانتها التاريخية والتي تدل على البعد الأثري والتاريخي للمنطقة وظهر ذلك من خلال الآثار التي تشتهر بها المنطقة من قلاع صغيرة وكبيرة ومربعات قديمة تعود لمئات السنين، وعدد من بقايا البيوت القديمة وآبار المياه ما يسمى "الطوي" وقنوات المياه القديمة .
تسكن هذه المنطقة منذ القدم قبيلة الدهماني، إلى جانب عدد من القبائل منها اليليلي والكعبي والمزروعي والمحرزي وهي من القبائل ذات الجذور العربية الأصيلة في مساكن شعبية حديثة بنيت بعد قيام الاتحاد، والبعض يسكن فللاً سكنية بمكرمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وما زال يحتفظ الأهالي بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة المتوارثة عن الأجداد والآباء، كما اهتم أهالي منطقة المنيعي منذ القدم بالقيام بكافة أعمال الزراعة وبتربية المواشي والأغنام والجمال .
توجهنا إلى بيت علي بن سعيد الدهماني (أبو سعيد) مسؤول المنطقة والذي يتصف بالحكمة والكرم والشجاعة يسعى للخير وإصلاح ذات البين وله مواقف كثيرة ومشرفة بين الأهالي، كما يعرف بتمسكه بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة ومحبته وانتمائه للوطن وللقيادة الحكيمة، ومن مجلسة بدأ سرد ذكريات الماضي قائلاً: معيشتنا في الماضي كانت بسيطة وقاسية بسبب وقوع المنطقة وسط الجبال العالية وعدم وجود طرق معبدة أو أي خدمات واعتمدنا فيها بشكل أساسي على الزراعة بكافة أنواعها وتربية المواشي وخاصة الأغنام والأبقار وكان لدى الأهالي الاكتفاء الذاتي من المزروعات والأغنام، وظلت الحياة صعبة حتى قيام الاتحاد بقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وإخوانه حكام الإمارات، فبعده بسنة واحدة قام الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، ببناء المساكن الشعبية الحديثة القادرة على حماية الأهالي من الظروف الجوية المتقلبة التي كانت تصيبهم بالخوف نظراً لطبيعة المكان الواقع في أسفل سفوح الجبال العالية ولطبيعة البيوت القديمة المبنية من الطين والحجارة والعسبق وجريد النخيل كما كانت المنطقة تعاني صعوبة السفر منها وإليها حيث كان الطريق إليها، يتطلب الذهاب لدبي ثم إلى حتا ثم الدخول إلى أودية كثيرة شديدة الوعورة، كما كانت المنطقة تنعزل عن المناطق الأخرى في مواسم هطول الأمطار حيث المياه تغمر الشارع الوحيد المؤدي إلى المنيعي والقرى الأخرى، لكن بعد ذلك وبفضل الله وفضل توجيهات القيادة الحكيمة تغيرت ظروف الحياة كما كانت عليه في الماضي .
ويؤكد الدهماني أن منطقة المنيعي والمناطق التابعة لها حظيت بمنجزات دولة الاتحاد حيث إنه بفضل توجيهات الشيخ زايد بن سلطان وأخيه الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رحمهما الله، ومن بعدهما توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وأخيه صحاب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي حاكم رأس الخيمة وولي عهده سمو الشيخ محمد بن سعود القاسمي، تم بناء المساكن الحديثة وإيصال التيار الكهربائي وتوفير خدمات الاتصالات والإنترنت كما تعبدت الطرق الداخلية والخارجية للمنطقة حتى أصبحت معظم الطرق ممهدة ومرصوفة ويسهل على المواطنين والزائرين التنقل عبرها والوصول إلى مختلف المواقع بالمنطقة، كما وانتهت المعاناة التي عرفها أجدادنا بانتشار المدارس الحكومية وقرب المستشفيات الحكومية والعيادات الخاصة، فضلاً عن بناء المساكن "الفلل" الجديدة . كما شهدت منطقة المنيعي حالياً تطوراً كبيراً عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً واضحاً، وتغيرت وجهتها، حيث يوجد فيها مركز المنيعي الصحي ومركز شرطة المنيعي ومركز للبريد، وفرع لبنك رأس الخيمة الوطني، والمحال التجارية والمكتبات، كما تتوافر مدارس للبنين والبنات من كافة المراحل وروضة للأطفال، وأصبح بالمنطقة الفلل الحديثة متعددة الطوابق، التي تم بناؤها بمكرمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله .
وأشار الدهماني إلى أن المنطقة تشتهر بوجود عدد من القلاع الصغيرة والكبيرة ومربعات قديمة تعود لمئات السنين والمبنية من الحجارة الصخرية والطين المطعم بالحصى والتي استخدمها الأهالي للحراسة وللدفاع عن المنطقة من الأعداء ولمراقبة مزارعها، وعدد من بقايا البيوت القديمة وآبار المياه ما يسمى "الطوي" وقنوات المياه القديمة .
عبيد بن سعيد الدهماني (من منطقة رافاق) يقول: عرفت منطقة المنيعي منذ القدم بأرض الزراعة حيث كانت وما زالت تمتاز أشجار النخيل في المنيعي بإنتاجها لأفضل أنواع التمور والرطب خاصة (النغال) الذي يصنع منه الحسيل، وهو التمر المجفف الذي يخزن ويستفاد منه في وقت الشتاء، كما تمتاز اراضي المنطقة بزراعة العديد من المحاصيل والحمضيات والفواكه ونباتات الدخن وحبوب البر والشعير والذرة والغليون ويرجع ذلك لخصوبة أراضي المنيعي ووجود الأفلاج والمياه فيها ولجوها اللطيف البارد معظم أيام السنة .
ويشير إلى تميز المنطقة منذ القدم بوفرة الأعشاب الطبيعية التي كانت تتكاثر خلال موسمي الربيع والأمطار، ومنها عشبة الحرمل والحلول والجعدة والشريش والكرمل، والحميض والعديد من النباتات والأعشاب البرية وكان وما زال أهالي المنطقة والمناطق المجاورة يستخدمونها للتداوي وفي طبخ الطعام .
خلفان بن شبيب الدهماني يقول: اشتهرت المنيعي منذ القدم بكرم وطيبة وشجاعة سكانها وبقوة التقارب والتراحم مع جميع أهالي المناطق المجاورة وذلك لقوة العادات والتقاليد العربية الأصيلة القائمة بين جميع سكانها في الماضي والحاضر، كما عاش الأهالي جميعاً حياة بسيطة في مساكن متواضعة قائمة على البركة والقيم العربية الأصيلة، والأهالي يدركون أهمية العمل والسعي طلباً لكسب لقمة العيش الكريم وذلك بالقيام بجميع الأعمال المتاحة في ذلك الزمن سواء أعمال الزراعة أو تربية الأغنام ورعيها ولا يزال هناك العديد من أهالي المنطقة مستمرين في حياتهم على هذه الأعمال والمهن .
ويؤكد أن منطقة المنيعي عرفت منذ القدم بكثرة انتشار مزارع النخيل وأشجار المانجو وكافة أنواع المحاصيل وخاصة مزارع الغليون حيث هناك الكثير من مزارع المنطقة لا تزال محتفظة بتضاريسها وخصوبة أرضها على الرغم من قلة مياه الأمطار وملوحة المياه .
عن التعليم في الماضي يقول جمعة محمد الدهماني: لم تكن هناك مدارس وإنما التعليم على يد كبار السن من المطاوعة الذين يأتون من رأس الخيمة ويقومون بعمل حلقات دينية وتعليم القرآن في أماكن تجمع الناس لأداء الصلاة وكان المطوع يحظى بالاحترام من قبل الجميع أما في الوقت الحاضر انتشر التعليم وتتطور من كافة النواحي وأصبح هناك العديد من المدارس لكافة الفئات العمرية إناثاً وذكوراً ومنها مدرسة المنيعي للتعليم الإعدادي والثانوي بنين ومدرسة سالم سهيل للتعليم الأساسي إضافة إلى مدرسة العصماء بنت الحارث للبنات وروضة النجوم الحكومية .
الشاعر سعيد سالم الدهماني يقول: هناك الكثير من المبدعين من أبناء المنطقة الذين كتبوا الشعر والنثر والقصة على امتداد الأجيال وكانوا ممن دعموا الأفكار الخلاقة والرؤى المتطلعة إلى ترسيخ القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية في نفوس الناس .
وأوضح أن منطقة المنيعي والمناطق المجاورة لها تعيش فيها قبيلة الدهماني وبعض القبائل العربية المعروفة منها قبيلة الكعبي والمزروعي والمحرزي واليليلي وعدد من القبائل الأخرى، وجميعهم ما زالوا محافظين على العادات والتقاليد العربية الأصيلة، ويمارس بعضهم المهن القديمة والبعض ما زال متمسكاً بأنماط الحياة القديمة ويهتم بأعمال الزراعة وتربية المواشي .
محمد خلفان علي الدهماني يقول: تعتبر المنيعي من مناطق رأس الخيمة فهي تبعد عن المدينة نحو 120 كيلومتراً باتجاه الجنوب، وتقع بين الجبال الشاهقة في الارتفاع، ويحدها من الشرق منطقة وادي الحلو ومن الشمال جبال منطقة شوكة، وتتمتع المنطقة بجوها اللطيف والمائل إلى البرودة في معظم أيام السنة كما تتميز بانعدام الرطوبة فيها .
علي محمد بن خليفين يقول: تزخر منطقة المنيعي بالعديد من الآثار التاريخية التي تعود إلى مئات السنين، كما أنها منطقة مملوءة بالخيرات حيث تتميز بموقعها بين الجبال العالية كما تزخر بالوديان والأفلاج المائية مما أسهم في انتشار مساحاتها الزراعية بشكل كبير وجودة منتجاتها التي كانت تتميز بطيب المذاق . ويؤكد أنه بالرغم من تعدد القبائل في منطقة المنيعي إلا أنهم تميزوا منذ القدم بقوة العلاقات والترابط وما زال أهالي المنيعي حتى وقتنا الحاضر يعيشون كأسرة واحدة تربطهم علاقات القربى والنسب والانتماء للأرض وللقيادة الحكيمة ومتعاونون فيما بينهم على السراء والضراء، كما أنهم يتميزون بالهدوء وصفاء النفوس وبالكرم والشجاعة والنخوة التي تتولد في كل جيل كما أنهم يكرمون من يزورهم .
الشاب سعيد ناصر الدهماني يقول: ندين بالولاء لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والحب والوفاء لصاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي حاكم رأس الخيمة حيث يولي اهتماماً خاصاً للمواطن ويوفر الحياة الكريمة ويتابع باستمرار تنمية المناطق التي كان يطلق عليها في السابق النائية، ولكن اليوم أصبحت تربطها الطرق الحديثة ببقية إمارات الدولة كما توفر فيها الخدمات المختلفة التي جعلت المواطن يعيش أفضل من الماضي . ظظويؤكد: منطقة المنيعي تشكل منطقة طبيعية وتاريخية تتميز بوجود الآثار مثل القلاع الصغيرة والمربعات التاريخية الموجودة فيها والتي يصل عمرها إلى أكثر من 200 عام إضافة إلى وجود عدد من بقايا المنازل القديمة ووجود الأفلاج والآبار القديمة، كما أن الطبيعة الجبلية الخلابة فيها وجريان الأودية في مواسم هطول الأمطار تعد عاملاً أساسياً في قدوم السياح والزوار للتمتع بهذه المناظر التي تبقى خالدة في الذاكرة على مر العصور ولكي تذكر السياح والأجيال القادمة بماضي القبائل والأهالي الذين عاشوا على أرضها، كما أنها تتميز عن غيرها من المناطق بالهدوء الشديد وبمناطقها الساحرة المتمثلة بوجود الآثار التاريخية والأماكن الأثرية ووجودها بين الجبال العالية والوديان الكبيرة والصغيرة .
علي عبيد المعمري يقول إن مياه الأمطار في حال سقوطها على المنطقة تجعل من جبال المنيعي ربيعاً فتبهر الناظر وتريح النفس، والزائر يشعر بالحيوية وراحة النفس وصفاء الجو، لأنها منطقة بعيدة عن الرطوبة وعن التلوث .

دور مهم للمرأة

عن دور المرأة في الماضي بالمنطقة تقول روية سليم حمود أم سالم (55 عاماً) التي ما زالت تقوم بكافة أعمال الزراعة وتربية الأغنام والبوش والعناية بها ومحافظة على زيها التراثي الإماراتي وعلى العادات والتقاليد العربية الأصيلة: المرأة كانت عماد الأسرة فكانت الأم والأب في وقت واحد، تقوم بالعديد من المهام والمسؤوليات، تربي الأبناء وترعاهم وهي المسؤولة عن تعليمهم للقرآن والعقيدة الإسلامية، كما كانت تقوم بكافة أعمال الزراعة وجني المحاصيل وجلب الحطب من الجبال وجلب المياه من الآبار إضافة إلى رعي الأغنام والبوش، كما كانت تقوم بخياطة الملابس والقيام بكافة أعمال المنزل من طبخ وتنظيف وغيره، كما تقوم بصناعة المشغولات اليدوية المتنوعة من سعف وجريد النخيل والقش وصناعة العديد من الأدوات التي تستخدم في المنزل . وعن طرق العلاج في الماضي لدى النساء والأطفال تقول أم سالم: كان في الماضي حرمه تسمى شيخة وهي التي تثقب آذان البنات وتقوم بعلاج النساء والأطفال من الأمراض من خلال استخدام الوسم والخلطات والوصفات العشبية المتنوعة التي تتضمن مجموعة من الأعشاب الطبية والنباتات البرية المعروفة لدى الأهالي، وتعالج باستخدام وسائل من الطبيعة معتمدة على خبرتها من الفطرة والوراثة، ومؤكدة أن بعض النساء يلدن أطفالهن وحدهن في المنزل من دون الحاجة إلى مساعدة أو إلى الذهاب إلى المستشفيات .