تفاقمت أزمة الهجرة إلى أوروبا في أعقاب ما يسمى «الربيع العربي»، وبصفة خاصة منذ اشتعال فتيل الحرب الأهلية في سوريا عام 2015، حيث بلغ عددهم 13 مليون مهاجر، 60% منهم من الذكور فوق 18 سنة، 17% من النساء، والباقي 23% أقل من 18 سنة.
المهاجرون غير الشرعيين بطريق البحر المتوسط، سواء من سواحل ليبيا أو من شرق المتوسط، ومعظمهم من إفريقيا (77%)، إما هاربون من الحروب والدمار أو يبحثون عن فرص عمل في أوروبا، وبين اللاجئين قادمون من دول فشلت أو على أعتاب الفشل، مثل سوريا والعراق وأفغانستان، وفئة ثالثة تسعى إلى الحصول على اللجوء السياسي. ويلاحظ أن تلك الحروب قد أدت إلى خلق ظاهرة المشردين الذين بلغ عددهم حوالي 60 مليونا، وهو أكبر عدد منذ الحرب العالمية الثانية.
وبصرف النظر عما إذا كانت أوروبا تحتاج إلى مدد سكاني أم لا، وما إذا كان هؤلاء يشكلون إضافة إلى القوى العاملة؛ حيث تراوحت نسبتهم إلى العمالة الوطنية ما بين 10% إلى 50%، فإنهم قد ساهموا في صعود أحزاب اليمين المتطرف بمعدلات تتراوح ما بين 7% (اليونان)، 29% (سويسرا) بالإضافة إلى ظهور الأحزاب والتيارات الشعبوية والحركات الداعية إلى الأصلوية أي حصر الإقامة في أوروبا في أبنائها الأصليين دون غيرهم. ففي الانتخابات البرلمانية عام 2017، فقدت المستشارة الألمانية حوالي مليون صوت ذهبت إلى حزب «البديل من أجل ألمانيا»، والذي حصل على 94 مقعدا في البوندستاج (البرلمان)المكون من 659 مقعدا، وصار بذلك ثالث حزب سياسي، وهو الحزب المناهض تماما لسياسة ميركل بفتح أبواب ألمانيا للمهاجرين، على الرغم من أن الدراسات تشير إلى أنه بحلول عام 2050 سينخفض عدد سكان ألمانيا من 82 مليونا إلى 70 مليونا، وهي بذلك تحتاج إلى حوالي 24 مليون مهاجر لاستمرار معدل النمو الاقتصادي، وحدثت نفس الظاهرة في النمسا؛ ففي انتخابات 2017، نجح سباستيان كيرتز كمستشار للنمسا، وهو الذي شكل تحالفاً مع الحزب اليميني المتطرف؛ حزب الحرية النمساوي، وقد تكرر الأمر نفسه في السويد والدنمارك وهولندا، حتى إنه في فرنسا، احتلت ماري لوبان المركز الثاني بعد ماكرون باعتبارها معادية لكل من المهاجرين واللاجئين والاتحاد الأوروبي.
وقد تصاعدت الاتجاهات المعادية للهجرة نظراً لاحتمالات زيادة نسبة الأجانب إلى الأوروبيين الأصليين، إذ يوجد الآن حوالي 26 مليون أجنبي في أوروبا يمكن أن يصل عددهم عام 2050 إلى أكثر من 82 مليونا، وبذلك يشكلون خطراً على أوروبا من زوايا عدة؛ فمن ناحية، يحلون محل الأوروبيين في العمل نظراً لانخفاض رواتبهم، إذ يصل عددهم في فرنسا إلى 1.9 مليون، وفي ألمانيا إلى 2.2 مليون، وفي سويسرا إلى نصف مليون، ومن ناحية أخرى، يشكلون خطرا على الثقافة الأوروبية والهوية المسيحية؛ حيث إن غالبيتهم من المسلمين؛ 47% (سوريا)، 20.9% (أفغانستان)، 9.4% (العراق)، وهكذا.
والأخطر من ذلك أن عددًا من «الدواعش» استطاعوا الوصول إلى أوروبا ضمن المهاجرين، مما نتج عنه زيادة العمليات الإرهابية في فرنسا وبروكسل وألمانيا وبريطانيا وهولندا وغيرها، كما أن المهاجرين يحصلون على أموال الضمان الاجتماعي بما يشكل استنزافًا لها دون أن يشاركوا فيها مثل المواطنين، ولذلك، رفضت دول أوروبا الشرقية رفضًا باتًا أي نوع من الهجرة أو طلب اللجوء السياسي إليها أو إلى دول أوروبا الأخرى سواء لأسباب دينية أو أخرى تتعلق بالتنافس على الوظائف. وعلى الرغم من أن أوروبا استطاعت أن تمنح ما يناهز 1.3 مليون مهاجر لجوءا سياسيا، كما استطاعت استيعاب ما يزيد على 13 مليون مهاجر ولاجئ جاء معظمهم من سوريا (5 ملايين)، وأفغانستان (3 ملايين)، والصومال (مليون)، وجنوب السودان (800 ألف)، والسودان (600 ألف)، وهكذا، إلا أن أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية استمدت زخما استثنائيا بعد وصول ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، وهو الذي اتخذ موقفا عنصريا معاديا للهجرة غير الشرعية، بل وضد الهجرة الأجنبية بصورة عامة.
ومما يزيد من قوة الدفع لأحزاب اليمين المتطرف والأحزاب والتيارات الشعبوية أن قضية اللاجئين والمهاجرين انتقلت من الأبعاد الإنسانية إلى مادة للمساومات والابتزاز السياسي، خصوصا من جانب تركيا التي تشكل نقطة انطلاق للمهاجرين واللاجئين من سوريا والعراق إلى أوروبا عبر اليونان؛ فقد هددت تركيا، والتي تستضيف حوالي 3.5 مليون لاجئ سوري بفتح أبواب الهجرة لهم إلى أوروبا، وهددت بأن هناك مليوني لاجئ في الأردن ولبنان يمكن أن يشكلوا أزمة طاحنة جديدة لأوروبا، وهكذا، قدم الاتحاد الأوروبي مؤخرًا 3.7 مليار يورو لتركيا بالإضافة إلى ما سبق أن قدمه، والذي بلغ 3 مليارات يورو لمساعدة تركيا على إعاشة اللاجئين وعدم السماح لهم بالوصول إلى أوروبا، واستقبال اللاجئين الذين تتم إعادتهم من اليونان أو أوروبا إلى تركيا. وفي نفس الوقت، قدم الاتحاد الأوروبي حوالي 266 مليون يورو للسلطات الليبية من أجل تقديم خدمات بديلة للأفارقة الذين يحاولون عبور المتوسط ومحاولة إعادتهم لدولهم. كما قررت تقديم مساعدات مالية تصل إلى حوالي 3000 يورو للأسرة الراغبة في العودة من أوروبا إلى دولها الأم.
وعلى الرغم مما سبق، من معالم التشدد والتطرف من اليمين الأوروبي والأحزاب الشعبوية ضد اللاجئين والمهاجرين المسلمين؛ فإن هناك أصواتاً وأحزاباً ليبرالية وفي الوسط السياسي ما زالت تدعو إلى حق اللاجئين والمهاجرين في الإقامة والاندماج في أوروبا، فمثلاً؛ اتخذت المستشارة الألمانية ميركل قراراً بما يسمى لَمّ شمل الأسر المهاجرة إلى ألمانيا، والذي أدى إلى استقبال حوالي 1000 مهاجر شهريا على الرغم من معارضة اليمين المتطرف، وقد بررت ذلك بأنه إجراء إنساني مؤقت، كما يلاحظ أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التابعة لمجلس أوروبا تتخذ موقفا مؤيدا لوجود اللاجئين والمهاجرين في الاتحاد الأوروبي.
ونظراً لكل تلك المخاطر والرغبة في السعي إلى علاج جذور المشكلة خاصة في سوريا؛ فقد ناقشت المستشارة الألمانية ميركل مع الرئيس الروسي بوتين في زيارته الأخيرة لألمانيا أهمية عودة اللاجئين السوريين إلى سوريا لأن أوروبا لا يمكنها أن تتحمل موجة ثانية من اللاجئين، وتم الاتفاق على ضرورة الإسراع بالحل السلمي في سوريا وتهيئة المناخ لعودة المهاجرين واللاجئين، وإن كانت التطورات الأخيرة في إدلب تشير إلى أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تميل إلى التصعيد العسكري ضد القوات السورية النظامية بما ينبئ بمزيد من اللاجئين إلى تركيا، ومن ثم إلى أوروبا، إن هذه العلاقة الطردية بين اللاجئين وتكريس الاتجاهات اليمينية المتطرفة والشعبوية في أوروبا من شأنه أن يهدد ليس فقط استقرار أوروبا، وإنما أيضا مستقبل الاتحاد الأوروبي الذي صار بالفعل على المحك، بما ينبئ بتصعيد العنف في أوروبا.
المهاجرون في أوروبا.. قنبلة موقوتة
6 سبتمبر 2018 03:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 سبتمبر 03:19 2018
شارك
د. عبد المنعم المشاط