الشارقة: محمد الماحي
في حين يتجه العالم نحو التركيز أكثر على المهارات والأنشطة الفنية في العملية التعليمية، تظل مكانة هذه الأنشطة في التعليم هامشية، ويعد النشاط الفني واحدًا من الأنشطة الأقل حظًا في المدارس.
وانطلاقاً من الدور المحوري الذي تلعبه الفنون البصرية في عملية التربية والتنشئة السليمة للأجيال الصاعدة، أكد خبراء تربويون ل «الخليج» على أهمية استمرار الأنشطة والفعاليات الفنية على مدار العام، من أجل الإسهام بشكل فعّال وبناء في عملية التوجيه السلوكي والتربوي للطلاب.
وتؤكد الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي 2030 التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم ضرورة تزويد الطلبة بالمهارات الفنية والعملية ليكونوا منتجين وقادرين على دفع عجلة الاقتصاد في القطاعين الحكومي والخاص، كما أطلقت نهاية العام الماضي مبادرة روائع لتنمية مواهب الطلبة في مجالات الفنون البصرية والتراث والمسرح والموسيقى، وحظيت المبادرة في دورتها الأولى على إقبال كبير من قبل الطلبة واهتمام ملحوظ من أولياء الأمور، إذ تقدم للمبادرة قرابة 1300 طالب وطالبة اختارت لجان التحكيم منهم 183 في مجالات المبادرة الأربعة، وخضع الطلبة المقبولون في المبادرة لتجارب أداء أمام لجان تحكيم متخصصة في كافة المجالات، والتي شارك بها أساتذة من جامعة السوربون الفرنسية وعدد من مؤسسات بيوت الخبرة من داخل الدولة وخارجها.
ويقول الخبير التربوي الدكتور جلال حاتم، رئيس الكلية الإماراتية الكندية الجامعية، إن حصص المسرح والرسم والموسيقى حصص أساسية في المنهاج، بل إنها تعادل بأهميتها المواد الأخرى، العلمية والأدبية، لكن الطلبة والأهل قلما يدركون أهمية هذه المهارات التربوية، مشيراً إلى أن العديد من الأهل ينظرون باستخفاف إلى هذه الحصص، ويتخذها بعض الطلبة حصصا للتسلية ليس إلا.
وأضاف: إن علماء التربية يرون أن أكثر الطلبة ذكاء هم الأكثر قدرة على الرسم، ومن هنا كانت حصة الرسم مهمة جدا، لا سيما أن الرسم من المعايير المهمة المطلوبة في العديد من المهن، كالهندسات كافة، ولاسيما الهندسة المعمارية.
وأكد أن عدم الاهتمام بهذه الحصص، أو استغلال الوقت المخصص لها لفائدة دروس أخرى أمر فيه إجحاف في حق الفن وحق المهتمين به،مطالباً كل المعلمين أن يدركوا خصوصية هذه الدروس وأهميتها في حياة الطلبة.
ويرى إن تدريس المهارات الفنيّة بالمدارس يعطي فرصة للموهوبين، للتعبير عن أنفسهم، ويحقق إمداد الساحة الفنيّة بمواهب شابّة قادرة على الابتكار والتجديد والإبداع، عبر آليات أكاديمية تتيح للمدرسة إضافة بصمة متميّزة في الساحة الفنية.
وأضاف أن التركيز على مواد العلوم وحدها، مع إهمال المواد الفنية، يصنع شخصيات جامدة، وإشباع الوجدان يكون بالفن الذي هو بمثابة لقاح تحصيني ضد التطرف، حيث ينزع من الإنسان التعصب والغلو، لأنه يُربّي الإنسان وجدانيًا. وهكذا يحذر هؤلاء من أن الاستهانة بهذا الجانب سوف يجعلنا نجني ثماره المُرّة في المستقبل.
وأوضح أن الفن ينمي الحس، ويساعد على التحليل، ويمنح الطلبة مساحة من الحرية، وينمي عقولهم، ويحرك في داخلهم طاقة إيجابية، يفرغونها في لوحاتهم الفنية، وفي المجسمات التي يصنعونها.
وتابع: المهارات الفنية تخلق كوادر مؤهلة للتعامل مع متطلبات الحياة المهنية، وتزويد العناصر الشابة بالمهارات اللازمة، ما يسهم في تشجيع الطلبة على الانخراط في هذا المجال الفني والمهني تماشيا مع سياسة الدولة.
وأضاف يجب تمكين الطلبة في المدارس لإحداث المهارات في مجالات استخدام تقنيات المعلومات والاتصال الحديثة التي تخص التربية الفنية كي يتمكنوا من الولوج إلى المنافسة العالمية.
ويقول الخبير التربوي الدكتور خالد صقر المري: يجب على المدارس التركيز على تنمية مهارات الرسم والتلوين لدى الطلبة، من خلال أقامة ورش عمل متخصصة بالفنون البصرية، والورش تعد رابطاً فنياً يجمع بين الطلبة والفن، لتفجير طاقاتهم واستيعابها في لوحة قد تكشف عن موهبة فنية واعدة، لاسيما مع احتكاكهم بفنانين تشكيليين محليين يقدمون أساسيات الرسم وتعليمه، ويصححون الأخطاء الفنية، ليتمكن الطلبة من تداركها مستقبلاً.
هذه الورش الفنية إذا أصبحت موجودة في الحرم المدرسي وبشكل أسبوعي أو شهري تخلق حالة من التواصل والتفاعل الإيجابي بين الطلبة، وإضفاء عنصري التشويق والمنافسة بينهم أثناء تنفيذ اللوحات واختيار الألوان والخامات، كما يتم التأثر بخبرات الفنان، خصوصاً المراهقين الذين غالباً ما يعبرون عن مشاعرهم بالرسم والتعبير الكتابي والفنون عامة، لاسيما أنهم يعكسون المشهد الحقيقي في اللوحة، كلِ بحسب زاويته.
وتهدف المهارات الفنية إلى اكتشاف مواهب الناشئة وصقل مهاراتهم الفنية وتطويرها وإشراكهم في المشهد الفني للدولة، والاكتشاف المبكر للموهوب يبدأ من داخل المدرسة والمجتمع واكتمال حلقة اكتشاف المواهب يأتي بتضافر تلك الجهود للتوعية بأهمية الاكتشاف المبكر للموهوبين من خلال مقاييس الموهبة للدخول لمنظومة المنافسة.
وأكد الخبير التربوي علي سيف حميد الجنيد، أن التربية الفنية ترتقي بالطالب عقلا وفكرا وإحساسا ووجدانا وسلوكا واتزانا وتسهم في تنمية الرؤى الجمالية والمعرفية للشخصية المبدعة، لافتا إلى إن التعليم ليس الهدف منه الحصول على شهادات دراسية فقط، ولكن الأفضل بناء الطالب وتفجير مواهبه الداخلية، ودعم مواهب الطلبة الفنية والاعتناء بها يحقق إلى جانب تنمية مهارات الطلبة تطويرا في أدائهم وتحصيلهم الأكاديمي، نظرا لمنحهم الوقت والاهتمام للقيام بما يرغبون به من هوايات ومواهب ترافقهم في مسيرتهم الأكاديمية.
وقال: يجب ألا يتوقف الطموح عند صقل مواهب الطلبة وتنميتها، بل يتعدى ذلك إلى تجسيد تلك المواهب والمهارات على أرض الواقع عبر تشكيل فرق وطنية متخصصة في الأوركسترا والمسرح والفنون وغيرها من المجالات، ليتمكن الطلبة من المشاركة وبكل اقتدار في المسابقات والفعاليات الدولية، ليمثلوا الدولة أفضل تمثيل.
ويقول الخبير التربوي إبراهيم بركة، إن تعليم المهارات الفنية يغرس في نفوس النشء كثيرا من الأسس التربوية وفي مقدمتها تنمية القدرات الشخصية من حيث التدريب على الاستقلالية والقدرة على مواجهة الغير والتعاون مع الآخرين، عبر المشاركة في الأنشطة والفعاليات المختلفة التي تقام في المدرسة أو خارجها، والتي تتيح الفرصة لإبراز المواهب لدى الطلاب، ما يتيح للمدرسة وأولياء الأمور العناية بتلك المواهب والقدرات منذ الصغر، وبما يساعد على نمو الموهبة وبالتالي ازدياد ثقة الطالب في نفسه وقدرته على التعبير عما يحب ويفكر فيه.
وأشار إلى أهمية دور الفنون البصرية في تهذيب النفس والسلوك لدى الطلاب، وتحقيق التوازن الانفعالي لهم، وأيضاً تعزيز الشعور بالانتماء والهوية الوطنية عبر ممارسة الألعاب والفنون الشعبية المختلفة وبين أن للموسيقى دورا كبيرا في تنظيم عملية التوافق العصبي والعضلي لدى الطلبة، فضلاً عن أن الممارسة الموسيقية قادرة على علاج عيوب التخاطب والنطق، عبر الأغاني والتعبير الصوتي الذي يقوم به المؤدون الصغار، وتفيد الموسيقى أيضاً في صحة وسلامة الجهاز التنفسي من خلال معرفة كيفية التحكم في عملية التنفس، كما أنها تلعب دوراً مهماً في تقوية الذاكرة عبر تعود التلاميذ على تذكر الألحان والأناشيد التي يشاركون في تقديمها في الحفلات المدرسية والمناسبات المختلفة.