عندما أحضر مجالس عقود النكاح، وأبدأ بإجراء العقد، أسأل طرفي العقد والأهل: كم مقدار المهر؟ فيجيبون بلسان واحد: المهر عشرة آلاف أو عشرون ألفاً، فأقول لهم: هذا هو كل المهر؟ فيجيبون بلسان واحد أيضاً: نعم هذا هو المهر .
ثم أسمعهم يقولون: وفي الورقة عشرون أو ثلاثون ألفاً، فأقول لهم مرة أخرى: ألم تقولوا المهر عشرة؟ فيجيبون: نعم، ذلك المهر وهذه العشرون في الورقة .
عجباً للناس يحفظون مسميات الأشياء بالخطأ ثم يتوارثونها، حتى المثقفين منهم يرددون تلك الأخطاء، ومنها المهر الذي يطلق عندهم على المعجل منه، مع العلم بأن المهر هو الصداق الذي بناء عليه يتقرر الزواج، وقد أجاز الشارع الحكيم أن يقسط مقدماً ومؤخراً تيسيراً على الزوج .
والمهر حق مالي أوجبه الشارع للمرأة على الرجل في عقد زواج صحيح أو عند دخول بشبهة أو بعد عقد فاسد، وهو ليس عوضاً عن شيء وإنما نحلة أي عطية من الله مقابل استمتاع الرجل بها .
وسماه القرآن الكريم مرة نحلة ومرة أجراً وفريضة، قال تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة (الآية رقم 4 من سورة النساء) . وقال تعالى: فآتوهن أجورهن فريضة (الآية رقم 24 من سورة النساء)
والمرأة تستحق هذا المهر بمجرد العقد في الزواج الصحيح، وبمجرد الدخول الحقيقي في الزواج الفاسد أو المخالطة بشبهة، ولا تبرأ ذمة الزوج منه إلا بالأداء أو بالإبراء من طرف المرأة نفسها .
إذن فإن المهر الإجمالي يصبح ديناً في ذمة الزوج بمجرد العقد كما ذكرنا، ويجب أداؤه متى طلبت الزوجة كما يقول الأحناف والجعفرية، وللمرأة أن تمتنع عن الدخول في طاعة الزوج إلى أن يعطيها ما طلبت .
لكن جرت العادة الآن أن يكون للمهر مقدم ومؤخر، والمقدم هو المعجل الذي يتفق عليه من قبل الزوجين، ويدفعه الزوج لزوجته في مجلس العقد، وقد نص عليه قانون الأحوال الشخصية في دولة الإمارات، على ألا يزيد على عشرين ألف درهم، ولا يزيد المؤخر على ثلاثين ألفاً .
وهذا النص من حيث التقسيط يتوافق مع الشرع الذي أجاز أن يعجل كله أو يعجل بعضه ويؤجل بعضه الآخر، لكن شريطة أن يكون المؤجل معلوماً كأن يقال في أقرب الأجلين: الطلاق أو الوفاة .
والمهر المؤجل دين في الذمة طبعاً، وهو كما قلنا واجب الأداء من مال الزوج في إحدى ثلاث حالات هي:
عند الطلاق .
عند وفاة الزوجة فلورثتها مطالبة الزوج بالمؤخر .
عند وفاة الزوج فللزوجة حق المطالبة، وهذا الحق غير نصيبها المفروض في تركة الزوج .
ومن هذا الشرح يتبين أن المهر كله حق للزوجة، وليس لأحد من الأهل نصيب فيه، إلا إذا أعطت من تلقاء نفسها شيئاً منه لأحد منهم، ولها أن تطلبه كله عند دخول الزوج بها .
وللزوجين أن يقسطاه حسب الاتفاق، وإذا قسطاه إلى معجل ومؤجل، فالمعجل تستحقه عند العقد، والمؤجل تستحقه عند الطلب، وهو دين في ذمة الزوج لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، وإذا مات الزوج يؤدى للزوجة ضمن ديون الزوج وقبل توزيع التركة، وتأجيله إلى أجل غير مسمى، أو عدم دفعه للمرأة، أو إكراه المرأة على التنازل عنه ظلم لا يقبله الله .