من أفضل ما وصفت به أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ما قالته عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين قالت: كان خلقه القرآن، ومن خلقه القرآني أنه كان وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر ربه في اليوم مائة مرة، وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وقال الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان: كنت رجلاً ذرب اللسان على أهلي، قلت يا رسول الله قد خشيت أن يدخلني لساني النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة، وذكر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم .
يفرج الكروب
الاستغفار باب عظيم من أبواب نعم الله عز وجل، ورحمة واسعة من رحمات المولى سبحانه وتعالى فاستغفر ربك وكن دائماً من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن عبداً أصاب ذنباً، فقال رب أذنبت، فاغفر لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً، فقال رب أذنبت آخر فاغفره، فقال علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً، قال رب أصبت أذنبت آخر فاغفره لي، فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدي (ثلاثاً) فليعمل ما شاء .
وبين لنا رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه أن الاستغفار فرج من كل كرب، ومخرج من كل ضيق فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاًس ورزقه من حيث لا يحتسب، وكثيرة هي الأحاديث الشريفة التي تحضنا على الاستغفار، منها ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إني كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (آل عمران: 135) .
والاستغفار ينفعك في وقت تكون فيه أشد احتياجاً إلى ما ينفعك بين يدي الله عز وجل حين تنقطع عنك الأسباب، وتنعدم الإعانة، حيث تحتاج حينئذ إلى كل استغفار لهج به لسانك، وخفق به قلبك، وإن شئت فاقرأ حديث الزبير الذي أخرجه الطبراني في الدعاء بسند حسن والبيهقي بسند لا بأس به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب أن تسره صحيفته يوم القيامة فليكثر فيها من الاستغفار، وعند ابن ماجة بسند صحيح وعند النسائي بسند صحيح أيضاً عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً .
ويغسل القلوب
والاستغفار يغسل القلب ويعيده إلى وضاءته، ويحسن صيانته، فإن قلوب العباد تصدأ إذا أهملت كما يصدأ الحديد، وتعتم من كثرة الذنوب، وإلى ذلك لفتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (المطففين: 14)، وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً؛ فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، ولا يتمكن العبد من النجاة من ذلك إلا بالرجوع إلى الله، والذل والخضوع والانكسار بين يديه، والاستغفار والتوبة .
والمؤمن يواجه غواية إبليس بالاستغفار، بشرنا بذلك الهادي الأمين في ما رواه أبوسعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول إبليس لله (عز وجل): بعزتك وجلالك لا أبرح أغويهم ما رأيت الأرواح فيهم، فيقول الحق جل وعلا: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني، وعن مولى لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة .
ولا شك أن الاستغفار المطلوب هو الذي يثبت معناه في القلب لا التلفظ باللسان فحسب، فأما من قال بلسانه استغفر الله وقلبه مصر على معصية فاستغفاره كما قيل يحتاج إلى استغفار، ودلنا رسولنا الكريم على سيد الاستغفار، في الحديث الذي رواه شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة .