أثار حكم قضائي مصري يلزم وزارة الاتصالات المصرية باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت حماية للشباب والأخلاق العامة حالة من الجدل حول جدوى القوانين في ظل غياب التنشئة السليمة في الأسرة والمدرسة وتنافس وسائل الإعلام الغربية والعربية في بث العري.. ومع هذا رأوا أن هذه خطوة على الطريق الصحيح إن أمكن تنفيذها على أرض الواقع رغم الصعوبات الفنية التي تجعل تنفيذه بشكل كامل مستحيلا، في حين رأى آخرون أن التسلح بالأخلاق الفاضلة يبدأ من الأسرة والتعليم وفق استراتيجية متكاملة وليس بمجرد أحكام قضائية.
قالت المحكمة في حيثيات حكمها: الدستور المعدل وبالتماشي مع الاتفاقات الدولية المقررة لحقوق الإنسان قد كفل حرية التعبير بمدلوله العام، وما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير ونقلها إليه غير مقيد بالحدود الإقليمية على اختلافها، كما أن الدستور أكد على ضرورة ألا تنحصر حرية التعبير في مصادر بذاتها بل قصد أن تترامى آفاقها وأن تتعدد مواردها إلا من الأغلال أو القيود التي تفرزها تقاليد المجتمع وقيمه وثوابته بحسبان أن الحريات والحقوق العامة ليست حريات وحقوقا مطلقة وإنما مقيدة بالحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة التي هي أساس المجتمع، والتي قوامها الدين والأخلاق والوطنية والتزام الدول والمجتمع بمراعاة المستوى الرفيع للتربية الدينية والقيم الخلقية والوطنية والتراث الحقيقي للشعب والآداب العامة.
وأكدت المحكمة أن شبكة الإنترنت مملوءة بمواقع إباحية تنفث سمومها في نشر الرذيلة بين طوائف المجتمع المصري بالصوت والصورة، بما يهدم كل العقائد الدينية الراسخة والقيم الأخلاقية والآداب العامة وأن الإبقاء على هذه المواقع وعدم حجبها يهدم القيم المشار إليها ولا يمكن أن يدور ذلك في فلك حرية التعبير، لأن ما يعرض على هذه المواقع يعد أبرز صور الإخلال بالمصالح العليا للدولة والأمن القومي الاجتماعي، ولذا يلزم الإدارة اتخاذ جميع الوسائل اللازمة لحجب هذه المواقع عن المواطن المصري ويصبح القرار السلبي بالامتناع عن ذلك اعتداء صارخاً على أحكام الدستور والقانون.
أيد الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري الحكم القضائي، مؤكدا أنه يدرس حاليا كيفية ترجمة هذا الحكم التاريخي إلى واقع من خلال مشروع قانون بمجلس الشعب يتم من خلاله إلزام المؤسسات والوزارات المسؤولة عن الإعلام بكل صوره وخاصة الفضائي، بمراعاة الآداب والأخلاق العامة فيما تبثه الفضائيات وما يتم السماح به من خلال الإنترنت حتى نحمي المنظومة الأخلاقية الإسلامية التي تتوافق مع تقاليدنا وعاداتنا في العالم الإسلامي كله وليس في مصر فقط، خاصة أن الفضائيات أصبحت لا تقل خطورة عن الإنترنت في تدمير أخلاق الشباب وإشعال غرائزه.
سد أبواب الفتنة
وأعلن تأييده لكل حكم قضائي يعمل على سد باب الفتنة بكل صورها والفاحشة بكل أشكالها وخاصة ما يتعلق بالإثارة الجنسية التي حرمها الإسلام ابتداء من النظرة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها مخافة الله وجد حلاوة الإيمان في قلبه ومن يتأمل آيات القرآن سيجد فيها أمرا بسد أبواب الفتنة الجنسية فقال تعالى ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا شك أن هذه المواقع الإباحية قمة الفجور والحث على الزنى الكامل وليس الزنى بالنظر فقط في ظل انتشار العنوسة بين الفتيات والشباب، مما يدفع غير المتزوجين إلى تقليد ما يرونه ويفشلون في تطبيقه عبر الزواج الشرعي الذي أصبح حلما بعيد المنال لدى كثيرين في ظل مخالفة الشرع الذي أمرنا بتيسير الزواج حتى ننشر العفة بين من وصفهم الله بقوله والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون وخطر هذه الإباحية يدمر الأخلاق في المجتمع كله حتى بين المتزوجين حيث تدفعهم إلى الخيانة والانحلال والفساد الأخلاقي، ولهذا فإن كل من يساعد على نشر هذه الإباحية وعدم منعها يعد من الذين قال الله فيهم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم.
ودعا الحكام في العالم الإسلامي كله وليس في مصر فقط إلى اتخاذ خطوات فعالة لحماية شعوبهم من خطر هذه الإباحية لأنهم مسؤولون عن رعيتهم حيث قال صلى الله عليه وسلم كلكم راع ومسؤول عن رعيته ويمتد هذا إلى رب الأسرة الذي يجب عليه شرعا الاهتمام برعيته من الأولاد والزوجة ومنعهم من التعرض لهذه الإباحية حتى يكونوا ممن قال الله فيهم يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ضغوط نفسية
ويرى الدكتور سيد صبحي أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس أن من يشاهد المواقع الإباحية يظن أنه بهذا يقوم بالتنفيس عن غريزته حتى يطفئ نارها وهو في الحقيقة مخطئ لأنه يزيدها اشتعالا ويكون كمن يضع الزيت على النار وهو يظن أنه يطفئها، وكلما زادت فترات مشاهدة هذه المواقع زاد تعلقا بها وأصبح أسيرا من الناحية النفسية لها وشيئا فشيئا يتراجع الإحساس بالذنب أو ما يسميه العامة تأنيب الضمير حتى تصبح مشاهدة الحرام أمرا عاديا في البداية، وسرعان ما يحاول التنفيس عما في نفسه من كبت بالربط بين ما يشاهده في المواد الإباحية وما يراه في الواقع من أفراد الجنس الآخر مع رغبة عارمة في التجربة لمن لم يسبق له ارتكاب الخطيئة، وتستمر الضغوط النفسية في التزايد حتى تصل إلى درجة الانفجار بارتكاب الفاحشة وليس مجرد عادة سرية فقط، وهنا تنهار منظومة القيم ويصبح لديه رغبة في التكرار ليس مع فرد واحد من الجنس الآخر بل مع أفراد عديدين يكونون صورة طبق الأصل لما يراه في المواد الإباحية بعد أن تم كسر حاجز الخوف من الله وارتكاب الفاحشة والاعتداء على أعراض الآخرين.
ويحذر د. سيد صبحي من كارثة مشاهدة وإدمان هذه المواقع قائلا: بمرور الوقت يصبح الرجل عربيدا ينتهك حرمات الآخرين دون وازع من دين أو خشية من الله ويصبح هدفه إطفاء نار الغريزة التي اشتعلت بالمشاهدة ثم التخيل ومحاكاة ما يراه ومحاولة العيش في الصورة التي يراها وأعجبته، ويبدأ الشيطان في السيطرة على نفسه، ويتواكب ذلك مع مزيد من الإدمان للمواقع الإباحية والوقوع في الفاحشة والشعور بالسعادة المؤقتة التي تميت القلب في ظل الانغماس في هذا الوسط وتعرفه على رفاق السوء من الجنسين، وهكذا يضيع مدمن المواقع الإباحية حتى يصاب بالضعف الجنسي بل قد تنتقل إليه أمراض جنسية كالإيدز فضلا عن الأمراض النفسية التي تزداد تعقيدا كلما ابتعد عن الله واختلط مع شياطين الإنس بل قد يقع في جرائم الاغتصاب مما قد يصل به إلى الإعدام.
التيارات الوافدة
وتشير الدكتورة سهير عبدالعزيز أستاذة علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر إلى أن المجتمع العربي والمسلم أصبح فريسة للتيارات الوافدة في عصر السماوات المفتوحة وانتهاء قدرة الدول على توفير الحماية اللازمة بشكل كامل من أخطار المنظومة الاجتماعية الوافدة التي تقدس حرية الجنس وتدعو للتحرر من كل القيم والفضائل وكسر قيود الأسرة والمجتمع ليفعل كل إنسان ما يحلو له دون النظر إلى قيمة العيب التي كانت تساعد على توازن المجتمع وفي ظل تقليد شبابنا وفتياتنا لمن هم في سنهم في الغرب والتواصل معهم عبر الإنترنت والمحمول وصل الأمر إلى عبادة الشيطان من دون الله وقديماً قالوا معظم النار من مستصغر الشرر حيث تترك الأسر لأبنائها من الجنسين الحبل على الغارب دون أدنى رقابة وكأن هؤلاء الأبناء لا تؤثر فيهم المتغيرات الاجتماعية الوافدة أو حتى شلة الأنس من رفاق السوء الذين يمارس الشاب معهم كل المحرمات التي يرفضها الدين والتقاليد، ولهذا يحاولون أن تكون ممارساتهم في الخفاء بعيدا عن أعين أفراد المجتمع.
وتحاول الدكتورة سهير الربط بين أهمية منع هذه المواقع الإباحية وبين الواقع المرير الذي تعيش فيه معظم المجتمعات العربية من بطالة وعنوسة، وتزايد معدلات الطلاق في سن مبكرة، ففي مصر مثلا هناك بطالة بين الشباب تزيد على 10% وتأخر سن الزواج حيث يوجد أكثر من تسعة ملايين فوق سن الخامسة والثلاثين، وضعف هذا العدد أنهوا دراستهم ولم يتزوجوا وسنهم ما بين العشرين والخامسة والثلاثين، وإذا أضفنا إلى هذا ارتفاع عدد حالات الطلاق الكثير منها في السنوات الأولى من الزواج وكذلك زيادة عدد الأرامل وكل هذه الفئات في حاجة ملحة إلى إشباع غريزتها بالحلال، ولكنها إن لم تستطع تلجأ إلى المواقع الإباحية لتفريغها في وسائل غير مشروعة أقلها العادة السرية وقمتها ارتكاب الفاحشة.
مشكلات أسرية
وتفجر الدكتورة سهير مفاجأة بالتأكيد على أن المشاهد الإباحية في الفضائيات أو الإنترنت أصبحت أحد أهم العوامل المؤدية للمشكلات الأسرية، حيث يلجأ الزوج أو الزوجة إلى المواقع الإباحية للتخفيف من الضغط النفسي نتيجة المشكلات، فيكون كل منهما كمن يهرب من الرماد إلى النار، حيث يتم عمل مقارنة بين ما يرونه وما يعيشون فيه من مشكلات فتكون النتيجة مزيداً من عدم التوافق الجنسي بين الزوجين مما يؤدي إلى الخيانة أو الطلاق، وكلاهما جريمة في حق الأسرة والمجتمع وخاصة إذا كان هناك أولاد ومن غير المستبعد أن يكرروا ما فعله آباؤهم وأمهاتهم، وبالتالي فإن منع هذه المواقع يعد حماية للمجتمع ولكنه ليس الوسيلة الوحيدة لذلك ولا يتعارض هذا التوجه مع الحرية الشخصية وهي حرية مقيدة بالقيم والمبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع، وهي تختلف من مجتمع لآخر، فما قد يراه الغرب مقبولا لديه يكون مرفوضا بل مجرماً من الناحية الاجتماعية لدينا مثل الشذوذ وممارسة الجنس في الأماكن العامة باسم الحرية الشخصية.
سلاح ذو حدين
وعن رأي خبراء الإعلام في القضية أكدت الدكتورة ليلى عبدالمجيد عميدة كلية الإعلام في جامعة القاهرة أن وسائل الإعلام كلها بما فيها الإنترنت سلاح ذو حدين ومن الصعب جدا وضع القيود الكاملة عليها لأن هذا يتعارض مع حرية الآخرين في استخدامه وما قد لا يعجبك قد يعجب الآخرين، وما قد تراه ضارا يراه غيرك نافعا، وبالتالي فإن سياسة وصاية الدولة على أفرادها لم تعد ممكنة أو مقبولة كما كان الأمر في السابق في ظل انهيار الحدود والقيود بكل أشكالها وتحول العالم إلى قرية صغيرة وإذا كان البعض يرى أنها ممكنة جزئيا وليس بشكل كامل، فإن هذا مستحيل مستقبلا في ظل التقدم المذهل في مجال الإعلام والاتصال ولهذا فإن الحل ليس في القوانين فقط فإذا افترضنا أنه تمت فلترة الإنترنت فماذا تفعل في الفضائيات وهي أكثر انتشارا ومتاحة للجميع في أي مكان بصرف النظر عن ثقافته أو مستواه التعليمي أو الثقافي؟ والوضع نفسه في جهاز المحمول الذي يتطور بشكل مذهل ليقدم خدمات لم نكن نحلم بها منها ما يستخدم في صالح مستخدمه ومنها ما يدمر أخلاقه وقيمه.
وتشير د. ليلى إلى أن الحكومات إذا استطاعت الحجب فإن من المبادئ الموجودة ونحذر منها قاعدة الممنوع مرغوب حيث سيتم تفعيلها وتتضاعف وسائل نشر الإباحية مما يساعد على الترويج لها أكثر من تحجيمها وخاصة إذا علمنا أنها مرتبطة بتجارة قدرها البعض بأكثر من 12 مليار دولار سنوياً، في حين قدرها آخرون بأضعاف هذا الرقم أي أكثر من ميزانيات كثير من الدول، وأرى أنه من الأفضل أن يتم نشر الوعي بمخاطر هذه المواقع بكل الوسائل ابتداء من الأسرة التي تربي والمدرسة التي تعلم والجامعة التي تثقف ووسائل الإعلام التي يجب إعادة النظر في مضمون كثير منها، ليكون أكثر وعيا بدلا من موجة العري والرقص التي تتنافى مع قيمنا وديننا وأخلاقنا، سواء كنا مسلمين أو مسيحيين، وتحقق النتائج نفسها التي تحققها المواقع الإباحية بأموال العرب والمسلمين ولهذا لابد من تفعيل مواثيق الشرف الإعلامية، وأن يتم وضع تعديلات عليها تتوافق مع الواقع الذي وصلت إليه الفضائيات التي لا يقل خطرها إن لم يزد على خطر المواقع الإباحية.
الأسرة خط الدفاع الأول
يشير الدكتور عبدالغني عبود أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس إلى أنه لا حماية من مخاطر المواقع الإباحية إلا بالتسلح الذاتي الذي تقوم به الأسرة بفطرتها السوية وقديما قالوا التعليم في الصغر كالنقش على الحجر أي أن ما تزرعه الأسرة في نفوس أبنائها من قيم ومبادئ يستحيل تغييرها، وحتى إذا طرأ تغيير فإنه يكون طارئا أو استثناء وسرعان ما يعود الإنسان إلى ما تربى عليه وعلى الرغم من أنهم في الغرب قد سنوا تشريعات لحماية الفئات الأكثر عرضة للتأثير الضار للمواقع الإباحية وخاصة الأطفال من خلال القيام بنشر تحذيرات بألا يشاهدها أو يدخل عليها من هم دون الثامنة عشرة وسعي دول أخرى لتقليل مخاطر تلك المواقع إلا أنه يتم شراء برامج يسهل اختراقها بسهولة وستزيد مشاهدة القنوات الإباحية ولو عن طريق الاشتراك فيها وعدم الاكتفاء بما هو متاح مجانا أو تبادل المواد الإباحية عبر المحمول أو الشرائط بكل أنواعها وغيرها من الوسائل التي قد تكون أكثر تدميرا للأخلاق من الإنترنت.
ويدق الدكتور عبود ناقوس الخطر لكل الأسر العربية من أن هناك دراسات عن ترتيب المواقع في البلاد العربية ثبت من خلالها أن معظمها يزداد فيها عدد الأشخاص الذين يدخلون على المواقع الإباحية، وأن بعض هذه المواقع إسرائيلية تقدم خدماتها باللغة العربية وهذا ما أكدته صحيفة يديعوت أحرونوت التي أوضحت أن ضحايا هذه المواقع هم أحفاد لأجداد كانوا أطرافا في الصراع العربي - الإسرائيلي، وقد نسوا قضية الصراع نفسها في ظل إدمانهم لهذه المواقع التي حققت ما لم تحققه آلة الحرب الإسرائيلية، ويزيد الطين بلة أن الانحراف الأخلاقي أصبح متاحا ليس عبر الإنترنت فقط بل عبر الفضائيات التي تمكن مشاهدتها بعيدا عن المنزل وأجهزة المحمول التي أصبح الشباب يفعل بها ما يشاء، ولهذا فإن مكافحة الوسائل التي تنقل الإباحية وليس الإنترنت فقط تحتاج لاستراتيجية متكاملة لحصر أسبابها ومعالجتها، لأنه لا تكفي المعالجة الأمنية أو القانونية رغم الأهمية القصوى لهما.