يكاد الناس يختلفون في كل شيء، ولا يجمعون على شيء مثل إجماعهم على أن الموت هو نهاية رحلة العمر، نهاية محتومة لكل حي، يولد ليموت، ويموت في أي وقت، أو بالأحرى في وقت غير معلوم، لا هو يعلم ساعة موته، ولا أحد يمكنه أن يعرف تلك الساعة متى تحين، ولا أين تحين؟ هكذا علمتهم الحياة أن الموت هو إسدال لستار النهاية لهذه الحياة .

لا فرار من الموت، وليس من أحدٍ إلا على قائمته، لا توجد حادثة واحدة على مدار تاريخ البشرية منذ آدم عليه السلام حتى يوم الناس هذا تفيد بأن أحداً استطاع أن يشذ عن القاعدة، #187;كل نفس ذائقة الموت#171;، كلهم ذاق طعمه، وانتهت حياته عنده، يذهب إليهم في ساعتهم، فلا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون: #187;أينما تكونوا يدرككم الموتُ، ولو كنتم في بروجٍ مشيدَّة#171;، بل هو ملاقيكم إن فررتم: (قل إِن الموت الذي تفرون منه فإِنه ملاقيكم)، وتكون النهاية بين يدي الله عز وجل #187;ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون#171;، بهذا يؤمن أصحاب الديانات السماوية جميعاً .

ما بعد الموت

يجمع الناس على الموت إذن، كحقيقة واقعة لا يجحدها أحد من العالمين، ولكنهم يختلفون مذاهب شتى على ما بعده .

بعضهم طرح وما زال يطرح السؤال: وهل هناك حياة بعد الموت؟

والسؤال قديم، قدم الكفر نفسه، فهناك الذين ينكرون وجود الله أصلاً، وينكرون النشأة الأولى، وينكرون الثانية تبعاً لذلك، ويكذبون بالبعث، #187;وَقَالُوا إِنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين#171; .

وهناك قوم يعترفون بوجود الله تعالى، ولكنهم مع ذلك يكذبون بالبعث، #187;وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ#171; (لقمان:25)، ومع ذلك لا يستطيعون أن يرتبوا على ذلك فكرة البعث والجزاء والحساب والحياة الأخرى، ويستكثرون على قدرة الله عز وجل أن تعيدهم وتحييهم من بعد موتهم يقولون: #187;أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً، وَآبَاؤُنَا، أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، إِنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين#171; (النمل:67-68)، وهناك آخرون يؤمنون بالبعث ويبنون إيمانهم هذا على أساطير وخرافات وضلالات وفلسفات وأفكار .

يتفق الجميع على أن الموت نهاية كل إنسان، ثم يختلفون على ما بعده باختلاف أديانهم وعقائدهم ومذاهبهم وأفكارهم والأساطير التي تحركهم .

أما الإسلام فيقدم رؤيته المختلفة عن الموت وعما بعده، رؤية منهجية، تقوم على أن الموت فاصل بين حياتين، حياة دنيا، وحياة أخرى، حياة أولى هي مزرعة، وحياة أخرى فيها الحصاد: حساب وجزاء، فإما جنة ونعيماً مقيماً ومتجدداً، وإما ناراً وعذاباً دائماً لا ينقطع ولا ينتهي .

يُقدّم الموت في الإسلام على أنه بداية الحياة الدائمة، ونهاية الحياة الزائلة، بداية الحياة الحقيقية، ونهاية الحياة الفانية، الموت في الإسلام ممر بين دارين، الدار الدنيا، ودار الآخرة، وهو عتبة البرزخ بين حياتين، الحياة الأولى التي هي مقدمة لنتائج تحصل في الحياة الآخرة .

وكما أن الموت حقيقة لا يماري فيها عاقل، فإن المسلم يقع في يقينه أن البعث حقيقة لا مراء فيها، وأن الناس لا بد مبعوثون من قبورهم بقدرة الذي أنشأهم أول مرة وهو بكل خلق عليم، وهم سيقفون من بعد يوم الحشر الأكبر بين يدي الرحمن الرحيم، يُعرضون لا تخفى منهم خافية، ومسؤولون عما قدموا في حياتهم الدنيا، وتوفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .

والبعث والقيامة والحساب قضايا محسومة لدى كل مؤمن بالله، وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماً للناس، فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟، قال: #187;الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالبعث#171; .

وبهذا يكون الموت في يقين المسلم هو نهاية الوقت المعطى للإنسان تحضيراً لما بعده، هو صفارة النهاية لمباراة يحصل على نتائجها في نهاية الموسم، موسم الحياة الدنيا، الذي ما إن ينتهي حتى يبدأ موسم جديد دائم وسرمدي وأبدي .

تمني فرصة أخرى

والموت بهذا المفهوم هو الذي ينهي الفرصة المتاحة لكل البشر لكي يقدموا لأخراهم، وهذا هو المخيف من الموت، أنه يقطع الفرص، ولذلك تجد أكثر الناس لا يتمنونه، أملاً في فرصة أخرى، وفسحة وقت جديدة، ربما تعيدهم إلى الطريق الصواب، وقد تحدى الله اليهود إذ يقولون: (نحن أبناءُ الله وأحباؤهُ)، ويدَّعون أن الدار الآخرة لهم عند الله خالصة، ويقولون: #187;لن يدخل الجنة إِلا من كان هوداً#171;، فيتحداهم عز وجل فيقول: #187;قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين#171;، ثم يؤكد لنا ولهم وللعالمين: #187;ولا يتمنونه أبداً بما قدَّمت أيديهم#171; .

هؤلاء الذين يطلبون دائماً تجديد الفرصة المعطاة لهم، لن تتوقف مطالبتهم حتى الرمق الأخير، ويظل الأمل يراودهم حتى يأتيهم أجلهم، وقد أخبر عنهم نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم غرز عوداً بين يديه وآخر إلى جنبه، وآخر أبعد منه، فقال: #187;أتدرون ما هذا؟#171;، قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: #187;هذا الإنسان، وهذا الأجل، وهذا الأمل، فيتعاطى الأمل، فيلحقه الأجل، دون الأمل#171;، وهؤلاء الذين يقول فيهم ربنا عز وجل: #187;حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوُتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ . لَعَلّي أَعمَلُ صَلِحاً فِيما تَرَكْتُ . كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ#171; .

بل إن بعض هؤلاء سيطلب الفرصة مجدداً حتى وهم في الآخرة، وأكثر من ذلك سيطلبونها وهم في نار جهنم: #187;وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ#171;، وسيأتيهم الجواب حاسماً قاطعاً آمالهم الكاذبة: #187;أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ، وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ، فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ#171; (فاطر: 36) .

ويختلف الموقف من الموت بين المؤمن وبين الكافر، يختلف لدى الذين يحبون لقاء الله عمن يكرهون لقاءه والعياذ بالله، وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: #187;من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه#171;، قالت عائشة، رضي الله عنها، أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: #187;ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت، بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه#171; .