هل حدث لك ان قابلت سيارة مسرعة يدير سائقها شريطاً موسيقياً صاخباً من نوع الروك؟ وهل لاحظت الفرق بين هذا النوع والموسيقا الكلاسيكية التي تدخل على النفس الراحة أثناء التواجد في زحمة الطرقات خلال ذهابك الى عملك؟

هذه المواقف ليست مجرد كليشيهات أو كلام للاستهلاك، بل هي حقيقة واقعة تمكن باحثون في جامعة نوشاشال السويسرية من إعادة محاكاتها داخل جهاز خاص للمحاكاة. وتبين لهم أن موسيقا الراب تؤدي عند سماعها الى الافراط في السرعة وأنه إذا اردنا المحافظة على توازننا من الأفضل ان نستمع الى موسيقا شوبان مثلاً.

اجريت تجارب مشابهة في كل من فرنسا والولايات المتحدة واليابان على يد اخصائيي علم الأعصاب بشكل خاص محاولين فهم طريقة تأثير الموسيقا في الدماغ والذاكرة والسلوك بشكل عام.

وعندما فحص الباحثون الدماغ من الداخل بواسطة تقنية الرنين المغناطيسي، اكتشفوا ان الموسيقا تبدأ بتنشيط النظام الحوفي الذي له علاقة بالانفعالات والعواطف المرتبطة بالذاكرة، ومن هنا يفهم السبب في قدرتها على جعلنا نشعر بالفرح أو الحزن. إضافة الى ذلك، تنشط بعض أجزاء من الفص الجبهي الدماغي وأجزاء أخرى ايضاً وهو ما يؤدي الى رفع معدل اليقظة والانتباه لدى المرء. ويقول ايمانويل بيجوند مدير مختبر التدرب والتطوير بمدينة ديجون الفرنسية أصبحنا اليوم أكثر إدراكاً للسبب الذي يجعلنا نشعر بالراحة عندما نستمع الى الموسيقا، إذ أثبت باحث ياباني في علوم النفس والأعصاب ان القلب يضبط نبضه مع ايقاع الموسيقا. ولكي يشعر المرء بالراحة لا بد للايقاع ان يتقارب مع نبضات القلب عندما يكون في حالة السكون أي أن يكون المرء غير نشط. وفي هذه الحالة يتراوح عدد النبضات بين 60 و75 نبضة بالدقيقة.

من ناحية ثانية اظهرت دراسات اخرى ان الموسيقا قادرة على تهدئة الأشخاص المعرضين للحساسية وتخفيف الآلام خلال العمليات الجراحية، كما اثبتت الدراسات بأنه ليس من الضروري ان يكون المرء متخصصاً بالموسيقا ليستفيد من آثارها الايجابية في الجسم، بل تبين ان كل انسان مجهز بالطبيعة بحساسية مدهشة لتغير نغمات مقطوعة موسيقية ما. ولذا يقول الأطباء ان الاستماع الى الموسيقا له تأثير ايجابي في الجسم، فهي توقظ الدماغ وتغير من ضغطنا الدموي وتنشط عضلات الوجه خلال الثواني الثلاث الأولى من سماع المقطوعة الموسيقية. ويشير هؤلاء الى أن الموسيقا تؤثر في افراز هرمونات التوتر النفسي من خلال اللوزتين مجموعة اعصاب على هيئة لوزة تقع في النظام الحوفي حيث تعمل هذه على تنشيط وتحفيز الغدة النخامية لتطل نوعاً من الهرمونات يسمى اختصاراً (ACTH) أي الهرمون الموجه لقشر الكظر وهو من هرمونات التوتر النفسي. ويعمل هذا الهرمون بدوره على زيادة تحرير السكر عن طريق الكبد ليصل الى العضلات ويؤدي بالطبع الى وضع الشخص في حالة توتر. ومن هنا فإن الاستماع الى موسيقا هادئة يحول دون انطلاق هذه الآلية حيث يعمل الجزء السمعي الموجود بالقشرة الدماغية على كبح عمل اللوزتين وبالتالي انتاج هرمون (ACTH).

وقبل أن تتحول الموسيقا الى مجرد أداة للهو أو التسلية عند البعض، كانت مركزاً لاهتمام الانسان اثناء تأديته للطقوس البدائية، حيث تشير الابحاث الى أن اقدم الآلات الموسيقية تعود الى ما قبل 45 الف سنة. ولكن لماذا كانت الموسيقا محط اهتمام الشعوب القديمة؟

يقول دافيد شفارتز إن سر الموسيقا يكمن في تشابهها مع الصوت البشري نفسه، وحلل هذا الباحث في جامعة دوك بكارولينا الشمالية حوالي 6300 صوت بشري ثم اسمع مجموعة من المتطوعين توليفات موسيقية من نغمتين، فتبين له أن هذه التوليفات التي حكم عليها بعض المتطوعين بالمرحة كانت في الحقيقة مكونة من سلسلة من النغمات القريبة للصوت البشري، في حين ان التوليفات التي تشعر بالحزن كانت مكونة من نغمات أو من اصوات لا علاقة لها بالبشر.

من جهتها ترى الباحثة ميري بوسون بأن هذا التشابه ليس فيه شيء من الغرابة لأن المناطق الدماغية نفسها هي التي تعالج الكلمات المنطوقة والغناء والألحان المنغمة إلا ان ثمة فارقاً في عملية التنشيط، فهذه العملية تبدو أكثر وضوحاً في النصف الأيسر من الدماغ بالنسبة للغة في حين تظهر اشد وضوحاً في النصف الأيمن منه بالنسبة للموسيقا.

وتشير الباحثة بوسون الى أن اللحن الموسيقي ينقش في الدماغ بطريقة سهلة للغاية تصل الى حد الغرابة والعجب، فهو ينشط بنيات دماغية عدة خاصة بمنطقة قرن آمون والمناطق الحوفية التي لها علاقة بالذاكرة. وتأكدت الباحثة ايزابيل بيريتز من جامعة مونتريال من هذه الظاهرة واثبتت عن طريق التجربة ان اهتمامنا ينصب على الألحان المسموعة مسبقاً، وبالتالي فإن الذاكرة تحفظها وتعيدها الى السطح بمجرد سماعنا لها بعد غياب طويل، لأن كل نغم ينتظم في الذاكرة حول نقطة مرجعية محددة تسمى وفقاً للباحثة كارول كرورنانسل من جامعة كورنيل في نيويورك بالقيمة النغمية والتي بفضلها تتمكن ذاكرتنا من توفير مجهودها كي تتمكن فيما بعد من استخراجها من بين آلاف النغمات المخزنة فيها. ولو طلب منا ان نتذكر ترتيب الأغاني الموجودة على كاسيت معين نستمع له كل يوم فربما لن نستطيع من إعادتها بالترتيب المطلوب، لكن ما أن نستمع الى اغنية ما حتى نعرف عند نهايتها اسم الأغنية التي ستليها، ما يعني أن ذاكرتنا خزنت بطريقة غير مباشرة ترتيب الأغاني في الشريط. ومن هنا يتبين لنا ان دماغنا مجهز بشكل طبيعي للموسيقا، فحتى غير الموسيقيين يمكنهم التقاط التغيرات الدقيقة في بنية موسيقا معينة وفقاً لما اكتشفه ايمانويل بيجاند مدير مختبر دراسة التدرب والتطور في ديجون. ويضيف الباحث بأن ادمغة غير الموسيقيين لها نفس كفاءة الموسيقيين إلا انهم لا يدركون ذلك، أما دماغ الموسيقيين فقادر على تحديد أي خلل يحدث في قوانين افراز الهرمونات خلال 200 مليثانية أي قبل 100 مليثانية من وصول المعلومة الى الوعي، علاوة على ذلك يتميز الموسيقيون بالقدرة على الارتجال حيث اظهرت دراسة علمية حديثة أن منطقة القشرة الدماغية ما قبل الجبهية الظهرية الجانبية وهي منطقة ترتبط بعملية تخطيط الأفعال والنقد الذاتي، كانت تعمل بشكل بطيء عندما يقوم الموسيقيون بارتجال المقطوعات الموسيقية، ومن هنا يرى شارل ليمب المتخصص بالدماغ والأعصاب ان الموسيقي عندما يرتجل الموسيقا فإنما يقوم بالتحرر من القيود.

أما عن الطرب أو كما يسميها الباحثون بالقشعريرة الموسيقية فإنه وفقاً لآخر الدراسات، يحدث لدى المرء حالة من النشوة تؤدي الى تغيير في نبضات العضلة القلبية والتنفس. وكانت دراسة كندية مدعمة بالتصوير باستخدم الرنين المغناطيسي للدماغ، اظهرت أن المناطق النشطة في الدماغ اثناء الشعور بالطرب أو القشعريرة الموسيقية تتمحور حول دائرة المكافأة وهي الدائرة نفسها التي تنشط اثناء تناول الشوكولاتة أو ممارسة النشاط الجنسي أو تعاطي المخدرات.

وفي 1993 اظهرت احدى الدراسات التي اجراها فريق علمي برئاسة فرانس روشيه من جامعة كاليفورنيا على فريق من المتطوعين بعد إسماعهم لمقطوعات من موسيقا موزارت بشكل خاص، أن هؤلاء المتطوعين أبدوا كفاءات عالية اثناء خضوعهم لاختبارات الذكاء ومن هنا ظهر في عالم الطب النفسي ما يعرف بتأثير موزارت. وتبين للفريق العلمي أن الاستماع الى الموسيقا يؤدي الى تنشيط المناطق الدماغية الخاصة بالذاكرة واللغة والحساب، كما أنها تسهم في زيادة الانتباه والحوافز لدى الفرد.

وفي العام 2002 طلبت الباحثة سوزان هالام وزملاؤها من مجموعة من الأطفال تتراوح اعمارهم بين 10 11 سنة، حل مسائل حسابية لمدة 15 دقيقة وذلك في جو هادئ أو اثناء الاستماع الى الموسيقا بلانش ينج واظهرت النتائج ان الاطفال يعملون اثناء استماعهم للموسيقا بكفاءة أكبر وحلوا في المتوسط 36 مسألة رياضية مقابل 27 مسألة عند عملهم في جو هادئ فقط. ولاحظت الباحثة هالام أنه عندما كانت المسائل الرياضية سهلة وتبعث على الملل اظهر التلاميذ كفاءة عند حلهم لهذه المسائل خلال استماعهم لموسيقا صاخبة، أما حين كانت المسائل صعبة فكان الأمر يتطلب الاستماع الى نغمات وألحان هادئة. وعندما قاس الباحثون معدل هرمون الكورتيزول هرمون التوتر في اللعاب قبل وبعد القاء خطاب أمام حشد من الناس لوحظ أنه بمجرد بدء الموسيقا، فإن معدل الكورتيزول يثبت عند المولعين بالموسيقا في حين أنه يزداد لمدة 15 دقيقة عند الذين لا يستمعون الى شيء.