إعداد: محمد هاني عطوي

الموسيقى لغة عالمية مثلها مثل اللغة، فهي حاضرة في حياة الإنسان منذ زمن سحيق، ولذا فهي حسب العلماء تطور أدمغتنا وقدراتنا الفكرية وتساعدنا على مكافحة مرض الزهايمر، والموسيقى لا تحمينا، لا من البرد، ولا من الحرارة، ولا من الرياح ولا من الشمس، ولا حتى من الحيوانات المفترسة أو الميكروبات، ومن المستحيل تناولها كطعام أو كشراب، وللوهلة الأولى، يصعب علينا أن نفهم ما يمكن أن تجلب لنا من الناحية التطورية، علما بأنه لا شيء يبدو ضامنا بقاء الجنس البشري في أي حال من الأحوال، وأولى الآلات الموسيقية التي اكتشفها علماء الآثار، هي المزامير المنحوتة من عظام الحيوانات، التي يتراوح عمرها بين 35 - 40 ألف سنة، وإذا كنا لم نعثر بعد على أحافير للألحان التي دندنها الإنسان الأول، إلا أن الغناء ظهر قبل ذلك بكثير، في عصور ما قبل التاريخ، فما الذي تفعله الموسيقى لدماغنا حتى تشبعه هذا الإشباع؟

لا شك أن كلنا طرب لغناء ما سمعه، أو اهتز للحن موسيقي جميل، ومن شاهد فيلم «البرتقالة الآلية» لستانلي كوبريك، ورأى النشوة التي تنتاب أليكس دو لارج المعتل اجتماعيا، والمصاب بمرض استخدام العنف الفائق مع الآخرين، يدرك ما للموسيقى من تأثير عندما يستمع للمقطوعات الأولى من سيمفونية بيتهوفن 9. ويقول الباحثون إن الاستماع إلى الموسيقى من الناحية الفسيولوجية يتسبب في تعرق خفيف وتغيرات في التنفس ومعدل ضربات القلب، وهي ظاهرة مثلها مثل الشعور بالحاجة إلى الغذاء والشراب وغيرها من احتياجات الإنسان الحيوية، تحث دائرة الإثابة في دماغ المستمع لتلبية الاحتياجات الأساسية لديه، ما يزيد من إفراز الدوبامين، وهو الهرمون العصبي المسؤول عن الشعور بمتعة «التشويق الموسيقية»، هذا ما نشره في العام 2011، فريق علمي كندي من جامعة ماكجيل في دورية «الطبيعة وعلوم الأعصاب»، مستخدمين تقنيات تصوير الدماغ (MRI و PET)، وتشير الدراسة إلى أن ما يدفعنا إلى تكرار تجربة الاستماع إلى الموسيقى، يكمن في أن الموسيقى تخلق نوعاً من «الإدمان غير المؤذي» كلياً، علاوة على ذلك، فإن السبب الذي يجعلها لا تترك لدينا موجة من المد والجزر العاطفي، يعود إلى أنها تترك في أدمغتنا آثاراً، تجعلنا إما أن نكون موسيقيين أو مجرد مستمعين.

تأثير الموسيقى

يعتبر الباحث هيرفي بلاتيل المعروف على مستوى العالم، من أوائل الباحثين الذين شاهدوا في التسعينات، تأثير الموسيقى على الدماغ من خلال تصويره بالرنين المغناطيسي، وكان بلاتيل الذي يعمل أستاذا في علم النفس العصبي في INSERM،، ويمارس عمله في جامعة كاين، تمكن مع فريقه من تسليط الضوء على شبكات الدماغ التي تشارك في الإدراك والذاكرة الموسيقية، وحتى تلك اللحظة كان من المعتقد أن نصفي الدماغ يلعبان دوراً مكملاً، بمعنى أن النصف الأيسر يختص بالمنطق واللغة، في حين أن النصف الأيمن يختص بالناحية الفنية، ويقول بلاتيل أن الموسيقى تشرك الدماغ ككل، وتثيره في مناطق لها وظائف أوسع من ذلك بكثير، فالاستماع إلى عمل موسيقي مثلا، يولد في الدماغ «سيمفونية عصبية» حقيقية تتشارك فيها أربعة فصوص دماغية مع المخيخ والحصين «قرن آمون» الذي يشتهر بدوره في الذاكرة، وكان هيرفي بلاتيل قد اكتشف في العام 2010 مع فريقه من خلال منطقة قرن آمون، أن الدماغ يكون أكثر نشاطا عند الموسيقيين منه عند غير الموسيقيين، كما أن كمية الخلايا العصبية وكثافتها تزداد مع عدد سنوات الممارسة لأن دماغنا يتميز بطواعية ومرونة.

ويشير بلاتيل إلى أنه لو تعلم أحدنا القفز أو التحدث بالروسية، فإن التعلم يطور تدريجيا مناطق الدماغ، وهذه واحدة من خصائصه الأساسية، وبناء على التمارين العملية والمحفزات التي يتلقاها، فإنه ينتج خلايا عصبية جديدة، ويضاعف الوصلات العصبية «المشابك» لتحسين أدائه وهذا ما يعرف بمرونة الدماغ.
وينطبق الأمر السابق عندما نبدأ بتعلم الموسيقى، وحتى ولو تعلم المرء في وقت متأخر جدا العزف على آلة موسيقية، فإن الدماغ يتغير بمعنى أن الموسيقى تعمل على تقويته، «وكأنه عضلة تنتفخ مع التدرب»، وإثرائه بمجموعة واسعة من القدرات الادراكية، هذا النوع من التدريب العصبي يستفيد منه بشكل أكثر الموسيقيون الأطفال، ويوضح هيرفي بلاتيل الأمر بالقول: «قبل سن المراهقة، يكون الدماغ غير ناضج، وكلما تعلم المرء شيئاً جديداً تغير حال الدماغ وبنيته.

خصائص علاجية

يمكن القول إنه خارج مناطق السمع، فإن ممارسة الموسيقى على آلة موسيقية يطور المناطق الدماغية التي تعالج المعلومات الحركية، أي التي لا تكون نفسها عند عازف البيانو أوعازف الكمان، وإلى حد كبير المناطق المتعلقة باللغة، والتي تتقاسم معها عدة أماكن مشتركة في الدماغ، بالإضافة إلى الذاكرة والشعور باللذة، وهنا نرى أن الطفل الموسيقار يحصل على أفضل أداء في المعلومات الحركية، ويكتسب مفردات أوسع، وتكون لديه قدرة أكبر على القراءة والكتابة، وتعلم اللغات الأجنبية، وفهم الرياضيات، والمنطق، حتى يصبح الأفضل في اختبارات قياس معدل الذكاء مقارنة مع زملائه غير الموسيقيين، ولكن هل يعني ذلك أن الموسيقى تجعل المرء أكثر ذكاء؟

يرى بلاتيل أنه من الواضح أن الأمر سيكون أكثر اختصاراً، فالذهاب إلى معهد الموسيقى، يعادل بالنسبة للمرء الذهاب إلى المدرسة مرتين، وتعلم النوتة الموسيقية وإتقان العزف على آلة، والتزام العزف المتزامن مع موسيقيين آخرين، كل ذلك يعتبر بمثابة الأنشطة الشاقة للغاية، التي من شأنها حسب هذا الخبير تحفيز أجزاء كثيرة من الدماغ، وتطويرها، وجلب العديد من الفوائد التي ستؤثر إيجابيا على المرء في كل حياته، حتى ولو أنه توقف عن الموسيقى فيما بعد.ويعتقد بلاتيل أن الموسيقى لا تؤثر على عمل دماغنا والمهارات الفكرية فحسب، ولكن لها تأثيرات علاجية مذهلة، فقد لوحظ تضاعف في ورش العمل الموسيقية لمساعدة مرضى الزهايمر، والمساهمة في تهدئة القلق لديهم، وتحسين مزاجهم وهو أمر غير متوقع على الإطلاق، ويقول بلاتيل الذي يعمل على أمراض الاعصاب، إن الذاكرة الموسيقية عند المرضى الذين يعانون من مرض الزهايمر، تقاوم حتى في مرحلة متطورة جدا، لأن دماغ هؤلاء يستمر في ترميز المعلومات، ولو أننا أسمعنا بعض الإيقاعات الجديدة لأشخاص يعانون من فقدان كبير في الذاكرة، فإنهم سيكونون قادرين على دندنتها في وقت لاحق بعد عدة أشهر، وعلى الرغم من أن منطقة قرن آمون «الحصين»، تكون لدى هؤلاء تالفة، فإن هذه الألحان تبقى في أدمغتهم، والواقع، أن الذاكرة تستعير طرقا أخرى، أقل عرضة للتلف في أدمغتهم. ويضيف بلاتيل: نشرع حاليا في إجراء دراسة من شأنها تمكيننا من مراقبة دماغ الأشخاص المرضى جداً، لفهم مسار الذاكرة اللاوعيية لديهم.
وثمة مجالات علاجية جديدة تكتشف باستمرار كالعلاج بالموسيقى، الذي بدأ يأخذ مكانا مهما في علاج التوتر والألم، وعسر القراءة، ويدخل إلى أقسام الطب النفسي في المستشفيات والعيادات، وفي بعض الأحيان يبدو أن هذه العلاجات تؤثر بأعجوبة، فمثلا نجد أن تعلم العزف على البيانو، يساعد مرضى السكتة الدماغية على استعادة المهارات الحركية، والغناء والكلام، فموسيقى ذات إيقاع تكييفي يضمن وينظم عملية المشي للمرضى الذين يعانون من نشاط حركي مختل، بسبب مرض باركنسون، و يمكن القول في نهاية المطاف، إنه ثبت بالتجربة لدى متخصصي الأعصاب والموسيقى أن الموسيقى هي بلسم للروح.