رغم عظمة الإسلام وسمو تشريعاته وعدالة أحكامه ووسطية منهجه في الحياة، فإن الافتراءات والأكاذيب الغربية التي تحاول النيل منه وصرف المسلمين وغير المسلمين عنه تتواصل وتتكرر على ألسنة بعض السياسيين ورجال الدين وأدعياء الفكر والثقافة، ولا يمل هؤلاء من التكرار، ولا يتوقفون عن ترديد الأباطيل والأكاذيب، على أمل أن تتحقق أهدافهم وينتشر باطلهم وينصرف الناس عن دين الله الخاتم.

من المزاعم والشبهات التي أثارها خصوم الإسلام ويحرصون دائما على ترديدها القول بأنه لم ينصف المرأة، حيث ميز الرجل عليها في الميراث وجعل نصيبها نصف نصيب الرجل، وهذا ظلم لها وعدوان على حقوقها وانتقاص من قدرها، وتمييز للرجل عليها.

في البداية يؤكد المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة أن هذه الشبهة مردود عليها وليست كما يتوهم البعض ثغرة في تشريعاتنا الإسلامية، ويقول: الذين يثيرون الشبهات حول أهلية المرأة في الإسلام، متخذين من التمايز في الميراث سبيلا إلى ذلك لا يفقهون أن توريث المرأة على النصف من الرجل ليس موقفاً عاماً ولا قاعدة مطردة في توريث الإسلام لكل الذكور وكل الإناث، فالقرآن الكريم لم يقل يوصيكم الله في المواريث والوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين وإنما قال يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظ الأنثَيَيْنِ. أي أن هذا التمييز ليس قاعدة مطردة في كل حالات الميراث، وإنما هو في حالات خاصة، بل ومحددة من بين حالات الميراث.

بل إن الفقه الحقيقي لفلسفة الإسلام في الميراث يكشف عن أن التمايز في أنصبة الوارثين والوارثات لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة، وإنما لهذه الفلسفة الإسلامية في التوريث حكم إلهية ومقاصد ربانية تخفى على كثير من الناس ولا يدركها هؤلاء الخصوم الذين يحرصون على رمي الإسلام بكل ما يرونه نقائص وثغرات لكي تتحقق لهم أهدافهم.

معايير ثلاثة

والتفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات في فلسفة الميراث في الإسلام تحكمه كما يقول الدكتور عمارة ثلاثة معايير هي:

أولها: درجة القرابة بين الوارث ذكرا أو أنثى وبين المورث، فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث، دونما اعتبار لجنس الوارثين.

وثانيهما: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال، فالأجيال التي تستقبل الحياة وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة، وتتخفف من أعبائها، بل وتصبح أعباؤها عادة مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات، فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه وكلتاهما أنثى، بل وترث البنت أكثر من الأب، حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها، وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التي للابن والتي تنفرد البنت بنصفها، وكذلك يرث الابن أكثر من الأب وكلاهما من الذكور، وفي هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث في الإسلام حكم إلهية بالغة ومقاصد ربانية سامية تخفي على الكثيرين، وهي معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق.

وثالثهما: العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين، وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتا بين الذكر والأنثى، لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها، بل ربما كان العكس هو الصحيح.

وباستقراء حالات ومسائل الميراث يذكر الدكتور عمارة هذه الحقائق:

هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.

وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.

وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال.

أي أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابل أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.

عدل وإنصاف

الدكتورة سعاد صالح أستاذة الشريعة الإسلامية بفرع جامعة الأزهر للبنات تبين وجه العدالة في تقرير الإسلام لنصيب الأنثى وخاصة الحالات التي تأخذ فيها المرأة نصف نصيب الرجل، وتقول: الإسلام جعل عبء الأسرة وإنشاءها كله على الرجل وأعفى منه المرأة، فالأنثى في غالب أحوالها مضمونة النفقة في الشرع الإسلامي سواء كانت أماً أم زوجة أم بنتا أم أختا، وذلك بعكس الرجل المكلف دائما بالإنفاق على أسرة كما هو مشاهد وممارس في مختلف الأدوار والبيئات دون استثناء.

فالرجل يدفع المهر ولا حد لأكثره ويتحمل تجهيز المنزل ونفقات الحياة، وفي حالات الطلاق يتحمل نفقة العدة وغيرها من النفقات، وفي هذا المعنى يذكر الإمام الفقيه محمد عبده في تفسير المنار الحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين هو أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجه فكان له سهمان، أما الأنثى فهي تنفق على نفسها فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها.

قد يقول قائل: إذا كان حظ الرجل مرتبطا بقيامه بالإنفاق على المرأة فما هو الحال لو تبدلت الأدوار وأصبحت المرأة هي المنفقة أو على الأقل مشاركة في النفقة على الأسرة والأولاد؟

تقول الدكتورة سعاد صالح: العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام والأدوار الاجتماعية والمسؤوليات الاقتصادية المنوطة بكل منهما لا تتغير ولا تتبدل، وإذا كانت هناك ظروف طارئة أو استثنائية داخل بعض الأسر فلا يمكن أن نجعلها قاعدة ونحكم من خلالها.

فما جد من خروج المرأة للعمل والكسب ومساهمتها في نفقات البيت والأولاد مع زوجها لا ينبغي أن ينخدع به البعض فيطالب بمساواتها في الميراث، فإن ذلك على خلاف القاعدة الفقهية القويمة التي رسمها الشارع الحكيم في توزيع دور كل من الرجل والمرأة في الحياة وفق طبيعة كل منهما، وهو يحمل من الضرر أكثر مما يحقق من المصلحة ويعارض الدور الذي رسمه الإسلام للمرأة وهي أنها راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها.

وهذا ما تشعر به المرأة ظاهرا وباطنا وتسلم به وتسعى إليه في الحقيقة والواقع، ولو سألنا النساء عما يفضلنه من أساليب الحياة وصورها لكان جواب معظمهن: الزوج والأمومة في البيت، ويستوين في ذلك كلهن على اختلاف الظروف والحالات والأدوار والأطوار لأنه الأمر الطبيعي الذي أعدهن الله تعالى له.

تكامل الأسرة

وهنا تنبه الدكتورة سعاد صالح إلى أمر مهم وهو أن الإسلام لا ينظر إلى المرأة كفرد، ولكنه ينظر إليها وإلى الرجل كأسرة مكونة من فردين يكونان نواة المجتمع الكبير، فهي تأخذ سهما وزوجها يأخذ سهمين من مورثه فتكون النتيجة ثلاثة أسهم لهذه الأسرة، وأخوها يأخذ سهمين من أبيها وزوجته تأخذ سهما من مورثها فيكون المجموع ثلاثة أسهم في أسرة أخرى، فهنا تعادلية وهنا نظرة طبيعية، لأن الأسرة الجديدة تقوم امتدادا للأسر التي انتهت رسالتها في الحياة ولها تشابك مع أسر أخرى تريد أن يكون لها امتداد في الحياة أيضا.

إذن، فالتكامل موجود بين الرجل والمرأة في كل بيت ومن تكامل الأسرة يتحقق تكامل المجتمع، ولا مكان بالتالي لهذا الانفصال بين الرجل والمرأة بل هما كيان واحد لا تستقيم الحياة إلا به.

ومن هنا يتضح لنا أن الإسلام لم ينظر إلى المرأة في حكم الميراث من حيث جنسها كامرأة، ولكن ينظر إليها من حيث الوضع الاجتماعي، ومن حيث الأعباء الاقتصادية والتبعات الملقاة عليها وعلى الرجل.