قال الله تعالى: وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، في سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم (الواقعة/ 41-44) . وذكر سبحانه هول النار في آية أخرى، فقال تعالى: وأمّا من خفّت موازينه، فأمّه هاوية، وما أدراك ماهية، نار حامي (القارعة / 8-11) . وأما الظل الذي أشارت إليه الآية (وظل من يحموم)، فهو ظل دخان النار . وقد تحدّث القرآن الكريم عن هذا الظل الذي هو دخان جهنّم الذي يعلو النار، فقال: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللّهب، إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالات صفر (المرسلات 30-33)
نار جهنّم، التي تحدث هذا الظّل من الدخّان، يتطاير منها شرر متفرّق من جهات كثيرة، كأنه القصر عظماً وارتفاعاً، وكأنه الجمال الصّفر لوناً وكثرة . وقال ابن عبّاس إن معنى (كأنه جمالات) هو حبال السفن الغليظة .
فالآية تقسّم هذا الدخان إلى ثلاثة أقسام، وأخبر الحق سبحانه عن قوّة النار ومدى تأثيرها في المعذّبين فقال: (سأصليه سقر، وما أدرك ما سقر، لا تبقي ولا تذر، لوّاحة للبشر) (المدثر/ 26-29) .
عن سلمان، قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء جمرها، ولا يطفأ لهبها، ثم قرأ: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق) (الحج 22)
والنار متفاوتة في شدة حرها، وما أعده الله من العذاب لأهلها، قال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) (النساء 145) .
والعرب تطلق الدرك على كل ما تسافل، كما تطلق الدرج على كل ما تعالى، فيقال: للجنة درجات وللنار دركات، وكلما ذهبت النار سفلا كلما علا حرها واشتد لهيبها .
وقد تسمى النار درجات أيضاً، ففي سورة الأنعام ذكر الله أهل الجنة والنار ثم قال: (ولكل درجات مما عملوا وما ربّك بغافل عمّا يعملون ) (الأنعام 132) .
وقال تعالى: أفمن اتّبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير، هم عند الله والله بصير بما يعملون (آل عمران /162-163)
وقال تعالى: إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً (النساء 56) .
قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرّة، كلّما أكلتهم قيل لهم : عودوا، فيعودون كما كانوا .
يضربون بمطارق من حديد، فتتفتت أبدانهم، ثم يعودون، قال تعالى: (ولهم مقامع من حديد) (الحج 21 ) .
تقييدهم بالقيود والأغلال، وسحبهم على وجوههم .
أعد الله لأهل النار سلاسل وأغلالاً وقيوداً ومطارق، قال تعالى: إنّا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيراً ( الإنسان 4) .
وقال تعالى: (إن لدينا أنكالاً وجحيماً، وطعاماً ذا غصّة وعذاباً أليماً، يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كئيباً مّهيلاً) إن لدينا لهؤلاء الكفرة المكذّبين بالآخرة قيوداً ثقيلة توضع في أرجلهم كما يفعل بالمجرمين، إذلالاً لهم، ولهم نار مستعرة يصلونها .
وهناك أصناف أخرى من العذاب تحدّث عنها القرآن الكريم نسأل الله أن يكفينا شرّها وأن يجعلنا من المؤمنين الصابرين الذين يدخلهم الجنة .
والفرصة أمامنا هذه الأيام ففي رحاب شهر الصوم ندعو الله أن يكون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هادياً ومرشداً، وأن يختم مسار حياتنا بنيل الجنّة والبعد عن النار إنه سميع مجيب .
* مفتي زحلة والبقاع - لبنان