إن النحو العربي ظاهرة اجتماعية عجيبة قلّما نجد لها مثيلاً في غير أمة العرب فكيف نشأت؟ وما العوامل التي ساعدت على تطورها؟ إن النحو العربي معقّد . فهل كان معقداً منذ نشأته الأولى، أم أن التعقيد طرأ عليه مؤخراً؟ يعتقد النحاة والمولعون بالنحو أن تلك القواعد المعقّدة لم تختلق اختلاقاً إنما كانت موجودة عند العرب منذ أيام الجاهلية إذ كانوا يتبعونها في كلامهم سليقة ولم يفعل النحاة بعد ذلك سوى استنباط القواعد من كلام العرب ثم العمل على تبويبها وتسجيلها في الكتب، هنا يأتي الدكتور إبراهيم أنيس فيفنّد هذا القول ويستهزئ به في كتابه من أسرار اللغة وخلاصة رأيه أن النحاة هم الذين خلقوا النحو العربي وأبدعوه وقد أصبحت قواعد النحو حقائق ملموسة منذ ألّف سيبويه كتابه الذي لا يزال عمدة النحاة وإمامهم وأولع الناس بهذا الكتاب وبالنحو من ورائه، فصار النحو عنوان ثقافة العصر ونال حظوة لدى السلاطين فتنافس الناس في تعلمه وأخذوا يضيفون إليه ويعقدونه جيلاً بعد جيل، حتى أمسى في النهاية مقدساً لا يجرؤ أحد على الشك فيه .
يقول الدكتور إبراهيم أنيس إن عرب الجاهلية لم يكونوا يعرفون عن النحو شيئاً إنما كانوا يحركون أواخر الكلمات كيفما اتفق من أجل الوصول والتنغيم الموسيقي ولهذا نجدهم يتركون آخر الكلمة ساكناً عند الوقف، وجاء النحاة أخيراً فاعتقدوا خطأ بأن حركات الإعراب ضرورية لتوضيح المعنى في الكلام ثم بنوا علمهم كله على هذا الرأي المغلوط .
وفي رأي الدكتور أنيس: إن نحوياً واحداً من النحاة القدماء فطن إلى هذه الحقيقة هو الإمام قطرب . قال قطرب: إنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون، فجعلوه في الوصل محركاً حتى لا يبطئوا في الإدراج، وعاقبوا بين الحركة والسكون وجعلوا لكل واحد أليق الأحوال به، ولم يلتزموا حركة واحدة لأنهم أرادوا الاتساع، فلم يضيقوا على أنفسهم وعلى المتكلم بحظر الحركات إلا حركة واحدة ومن الجدير بالذكر أن النحاة يجرّحون قطرباً هذا ويكذبونه . قال ابن السكيت: كتبت عنه قمطراً ثم تبينت أنه يكذب في اللغة فلم أذكر عنه شيئاً . ولعل هذا كان من الأسباب التي جعلت النحاة لا يكترثون للرأي الذي جاء به قطرب في أمر الإعراب، فلقد ظلوا متمسكين برأيهم القديم في أن الإعراب إنما دخل الكلام ليفرّق به بين المعاني ولولاه لالتبس المعنى على القارئ أو السامع . تجاه رأي النحاة ورأي الدكتور أنيس ظهر رأي ثالث نستطيع أن نعدّه الرأي الأوسط والأمثل هو الذي جاء به إبراهيم مصطفى الذي يعتقد أن للنحاة يداً طولى في خلق القواعد النحوية الموجودة بين أيدينا الآن، ولكنهم لم يخلقوها من عدم فقد كان لها أصل بسيط عند عرب الجاهلية، ثم جاء النحاة فزخرفوه وعقّدوه ما شاء لهم التعقيد . وفي رأيه أن عرب الجاهلية كانوا يتبعون في الإعراب ثلاث قواعد فقط، على المنوال التالي:
- كانوا أولاً يضعون الضمة على آخر كل كلمة يتحدثون عنها أو يسندون إليها خبراً، أي أن الضمة كانت عندهم علامة الإسناد بوجه عام . وجاء النحاة بعد ذلك فوضعوا قواعد المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم كان وأخواتها وما أشبه، مع العلم أن العرب الأولين لم يكونوا يفهمون من هذه القواعد المتداخلة شيئاً .
- كان العرب يجعلون الكسرة علماً للإضافة فلا فرق عندهم بين المجرور بالحرف أو المجرور بالإضافة . فهم يقولون: كتاب محمد أو كتاب لمحمد وإنما صارت الكسرة في نظرهم علامة الإضافة لما فيها من شبه بياء النسبة . ومعنى هذا أنهم كانوا يعربون لغتهم على نمط ساذج يمكن فهمه بالسليقة .
- وكانوا يضعون الفتحة على آخر كل كلمة غير مجرورة أو مرفوعة . فالفتحة هي الحركة الخفيفة المستحبة عند العرب، وهي بمثابة السكون في لغتنا العامية . إنهم إذاً لا يعرفون المفعول به أو المفعول المطلق أو المفعول لأجله أو المفعول فيه أو المفعول معه أو غير ذلك من المواضيع الكثيرة التي اختلقها النحاة لتبيان المواضيع التي يجب فيها نصب الاسم أو يجوز . وبعد النظر نجد أن رأي مصطفى هو خير ما يمكن أن يؤتى به لتعليل منشأ الإعراب في لغة العرب . إن هذا الرأي بعبارة أخرى أصح من رأي النحاة القدماء ومن رأي الدكتور أنيس، أما رأي النحاة فليس من السهل علينا قبوله في أي حال . فنحن نعلم بأن الأمية كانت غالبة على عرب الجاهلية، وكانوا لا يستعملون الكتابة إلا نادراً، ومهما كانت سليقتهم اللغوية سليمة فهم غير قادرين على إخضاع ألسنتهم للقواعد العويصة التي جاء بها سيبويه وغيره . من هذا المنطلق نذهب في هذا الشأن لمذهب مصطفى فنقول إن عرب الجاهلية كانوا بوجه عام يجعلون الضمة علامة الإسناد، والكسرة علامة الإضافة، ثم يفتحون ما سوى ذلك . وهذا أمر ميسور تستطيع السليقة أن تجري عليه وتألفه .