أمير القوافي قد أتيت مبايعاً
وهذي وفود الشرق قد بايعت معي
ولما كان هذا الشاعر الفذّ متمكّناً في أن يطرق كل باب من أبواب الشعر ، فقد كان الوصف الجميل أحد أهم ما يلاحظه المتذوق للشعر في قصائد أمير الشعراء.. وكما قلت، فإن النخلة رغم أهميتها عند العربي، وخاصة في جزيرة العرب والبلدان التي ينبت فيها نخل التمر، إلا أن تغنّي الشعراء العرب بها ليس بالكثير، ويأتي ضمن قصائد متفرقة، أو في بيت واحد أو بيتين يقولهما الشاعر في مناسبة مارّة.. ويبدو لنا أن شوقي هو الشاعر الوحيد الذي وضع قصيدة كاملة من أكثر من واحد وعشرين بيتاً في النخلة، ولذلك أعتقد أن شوقي هو الشاعر الأول الذي خصّص قصيدة لهذه الشجرة المحبوبة.. وإذا جاء أحد من شعراء النخلة يتغنى بالنخلة في قصائد مترابطة المعنى ومخصصة للإشادة بالنخلة بعد شوقي، فإني لم أقرأ له قبل هذه القصيدة أو إنني لم أطّلع عليها.. ولذلك فإن شعراء الإمارات الثلاثة، الدكتور عارف الشيخ، والأستاذ سيف المري، والأستاذ محمد القرق، هم الذين يلون شوقي بتخصيصهم قصائد للنخلة بين شعراء العرب.. وإذا كانت هناك قصيدة أو قصائد اطلع عليها أحد من القرّاء فإني أكون شاكراً وممتناً لو تكرّم فأرسل إليّ صورة منها على بريدي الإلكتروني.. تعميماً للفائدة التي أرجو أن أغنمها وأفيد غيري من القرّاء الكرام الذين يتابعون ما أكتبه في هذه الحلقات الرمضانية.
يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
أرى شجراً في السماء احتجبْ
وشقّ العَنانَ بمَرْأَى عَجبْ
مآذنُ قامت هنا أو هناكَ
ظواهرها درجٌ من شذب
وليس يؤذِّنُ فيها الرجالُ
ولكن تؤذِّن فيها الغرب
وباسقةٍ من بناتِ الرمالِ
نَمتْ ورَبتْ في ظلالِ الكُثُب
كسارية ِ الفُلْكِ، أَو كالمِسلَّة،
أَو كالفَنارِ وراءَ العَبَب
تطولُ وتقصرُ خلفَ الكثيبِ
إذا الريحُ جاءَ به أَو ذهب
تُخالُ إذا اتَّقدَتْ في الضّحَى
وجرَّ الأصيلُ عليها اللهب
وطافَ عليها شعاع النهارِ
من الصحوِ، أو منْ حواشي السحب
وصيفة َفرعونَ في ساحةٍ
من القصر واقفةً ترتقب
قد اعتصبتْ بفصوص العقيقِ
مُفصَّلة ً بِشُذورِ الذهب
وناطتْ قلائدَ مَرْجانِها
على الصدر، واتَّشَحَتْ بالقَصَب
وشَدَّتْ على ساقِها مِئْزَراً
تعقَّدَ من رأسها للذنب
أهذا هو النخلُ ملكُ الرياضِ
أَميرُ الحقولِ، عروسُ العزب؟
طعامُ الفقيرِ، وحَلوَى الغَنيِّ
وزادُ المسافِر والمُغْتَرِب؟
فيا نخلة َ الرملِ، لم تبخلي
ولا قصَّرتْ نخلاتُ الترب
وأعجبُ: كيف طوى ذكركنَّ
ولم يحتفلْ شعراءُ العرب؟!
أليس حراماً خلوّ القصائدِ
من وصفكنّ، وعطلُ الكتب؟
وأنتنّ في الهاجراتِ الظِّلالُ
كأَنّ أَعالِيَكُنَّ العَبَب
وأنتنّ في البيد شاة ُ المعيلِ
جناها بجانبِ أخرى حلب
وأنتنّ في عرصاتِ القصورِ
حسانُ الدّمى الزائناتُ الرّحب
جناكنّ كالكرمِ شتى المذاقِ
وكالشَّهدِ في كل لون يُحَبّ
للحديث صلة غداً- إن شاء الله-.