لا أعتقد أن الشعر العربي‮ ‬في‮ ‬تاريخه الطويل عرف ‬شاعراً‮ ‬فحلاً‮ ‬كأحمد شوقي، الذي‮ ‬أوتي الإمكانية الشعرية والقدرة على ‬التحكّم الكامل في‮ ‬زمام الشعر بجميع أنواعه الغنائي‮ ‬والمسرحي‮ ‬والملحمي‮ ‬والديني‮ ‬والتمثيلي‮ ‬والمدائح واستعراض حوادث التاريخ،‮ ‬وموضوعات كثيرة أخرى ‬يقف المرء أمام عبقريّها مشدوهاً وينحني‮ ‬تعظيماً‮ ‬لهذا الشاعر والأديب الكبير الذي‮ ‬يوضع وحده بلا منازع أميراً‮ ‬للشعراء المتقدمين والمتأخرين‮.. ‬ولم‮ ‬يبالغ‮ ‬حافظ إبراهيم حين وصفه بأنه أمير القوافي‮:

أمير القوافي‮ ‬قد أتيت مبايعاً‮

              وهذي‮ ‬وفود الشرق قد بايعت معي‮

ولما كان هذا الشاعر الفذّ متمكّناً‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يطرق كل باب من أبواب الشعر ، فقد كان الوصف الجميل أحد أهم ما‮ ‬يلاحظه المتذوق للشعر في‮ ‬قصائد أمير الشعراء‮.. ‬وكما قلت،‮ ‬فإن النخلة رغم أهميتها عند العربي‮، ‬وخاصة في‮ ‬جزيرة العرب والبلدان التي‮ ‬ينبت فيها نخل التمر،‮ إلا أن تغنّي ‬الشعراء العرب بها ليس بالكثير،‮ ‬ويأتي‮ ‬ضمن قصائد متفرقة،‮ ‬أو في‮ ‬بيت واحد أو بيتين‮ ‬يقولهما الشاعر في‮ ‬مناسبة مارّة‮.. ‬ويبدو لنا أن شوقي‮ ‬هو الشاعر الوحيد الذي‮ ‬وضع قصيدة كاملة من أكثر من واحد وعشرين بيتاً‮ ‬في‮ ‬النخلة،‮ ‬ولذلك أعتقد أن شوقي‮ ‬هو الشاعر الأول الذي‮ ‬خصّص قصيدة لهذه الشجرة المحبوبة‮.. ‬وإذا جاء أحد من شعراء النخلة‮ ‬يتغنى‮ ‬بالنخلة في‮ ‬قصائد مترابطة المعنى‮ ‬ومخصصة للإشادة بالنخلة بعد شوقي،‮ ‬فإني‮ ‬لم أقرأ له قبل هذه القصيدة أو إنني‮ ‬لم أطّلع عليها‮.. ‬ولذلك فإن شعراء الإمارات الثلاثة،‮ ‬الدكتور عارف الشيخ،‮ ‬والأستاذ سيف المري،‮ ‬والأستاذ محمد القرق،‮ ‬هم الذين‮ ‬يلون شوقي‮ ‬بتخصيصهم قصائد للنخلة بين شعراء العرب‮.. ‬وإذا كانت هناك قصيدة أو قصائد اطلع عليها أحد من القرّاء فإني‮ ‬أكون شاكراً‮ ‬وممتناً‮ ‬لو تكرّم فأرسل إليّ‮ ‬صورة منها على‮ ‬بريدي‮ ‬الإلكتروني‮.. ‬تعميماً‮ ‬للفائدة التي‮ ‬أرجو أن أغنمها وأفيد‮ ‬غيري‮ ‬من القرّاء الكرام الذين‮ ‬يتابعون ما أكتبه في‮ ‬هذه الحلقات الرمضانية‮.

‮يقول أمير الشعراء أحمد شوقي‮:

أرى شجراً‮ ‬في‮ ‬السماء احتجبْ‮

                         وشقّ‮ ‬العَنانَ‮ ‬بمَرْأَى عَجبْ

مآذنُ‮ ‬قامت هنا أو هناكَ

                         ظواهرها درجٌ‮ ‬من شذب

وليس‮ ‬يؤذِّنُ‮ ‬فيها الرجالُ‮

                          ولكن تؤذِّن فيها الغرب

وباسقةٍ ‬من بناتِ‮ ‬الرمالِ‮

                      نَمتْ‮ ‬ورَبتْ‮ ‬في‮ ‬ظلالِ‮ ‬الكُثُب

كسارية‮ ‬ِ‮ ‬الفُلْكِ،‮ ‬أَو كالمِسلَّة،‮

                            أَو كالفَنارِ‮ ‬وراءَ‮ ‬العَبَب

تطولُ‮ ‬وتقصرُ‮ ‬خلفَ‮ ‬الكثيبِ

                           إذا الريحُ‮ ‬جاءَ‮ ‬به أَو ذهب

تُخالُ‮ ‬إذا اتَّقدَتْ‮ ‬في‮ ‬الضّحَى‮

                          ‬وجرَّ‮ الأصيلُ‮ ‬عليها اللهب

وطافَ‮ ‬عليها شعاع النهارِ‮

              من الصحوِ،‮ ‬أو منْ‮ ‬حواشي‮ ‬السحب

وصيفة ‬َفرعونَ‮ ‬في‮ ‬ساحة‮‬ٍ‮

                           من القصر واقفة‮ً ‬ترتقب

قد اعتصبتْ‮ ‬بفصوص العقيقِ

                        ‬مُفصَّلة‮ ‬ً‮ ‬بِشُذورِ‮ ‬الذهب

وناطتْ‮ ‬قلائدَ‮ ‬مَرْجانِها‮

               على الصدر،‮ ‬واتَّشَحَتْ‮ ‬بالقَصَب

وشَدَّتْ‮ ‬على ساقِها مِئْزَراً‮

                        تعقَّدَ‮ ‬من رأسها للذنب

أهذا هو النخلُ‮ ‬ملكُ‮ ‬الرياضِ‮

                 أَميرُ‮ ‬الحقولِ،‮ ‬عروسُ‮ ‬العزب؟

طعامُ‮ ‬الفقيرِ،‮ ‬وحَلوَى الغَنيِّ‮

                     ‬وزادُ‮ ‬المسافِر والمُغْتَرِب؟

فيا نخلة‮ ‬َ‮ ‬الرملِ،‮ ‬لم تبخلي‮

                   ‬ولا قصَّرتْ‮ ‬نخلاتُ‮ ‬الترب

وأعجبُ‮: ‬كيف طوى ذكركنَّ‮

              ولم‮ ‬يحتفلْ‮ ‬ شعراءُ‮ ‬العرب؟‮!‬

أليس حراماً‮ ‬خلوّ ‬القصائدِ‮

                   من وصفكنّ،‮ ‬وعطلُ‮ ‬الكتب؟

وأنتنّ‮ ‬في‮ ‬الهاجراتِ‮ ‬الظِّلالُ‮

                        كأَنّ‮ ‬أَعالِيَكُنَّ‮ العَبَب

وأنتنّ‮ ‬في‮ ‬البيد شاة‮ ‬ُ‮ ‬المعيلِ‮

                جناها بجانبِ‮ ‬أخرى حلب

وأنتنّ‮ ‬في‮ ‬عرصاتِ‮ ‬القصورِ

                حسانُ‮ ‬الدّمى الزائناتُ‮ ‬الرّحب

جناكنّ‮ ‬كالكرمِ‮ ‬شتى المذاقِ

                وكالشَّهدِ‮ ‬في‮ ‬كل لون‮ ‬يُحَبّ

للحديث صلة‮ ‬غداً- إن شاء الله-.