الإماراتيون من أكثر الشعوب الخليجية حباً‮ ‬وشغفاً‮ ‬بالنخل،‮ ‬وإن كان شبابهم أو الجيل الجديد منهم أقل حماساً‮ ‬تجاه هذه الشجرة المباركة،‮ ‬إذا قورنوا بما كان عليه الآباء والأجداد،‮..‬ والمخضرمون منا‮ ‬يتذكرون كيف كانت الناس في‮ ‬الماضي‮ ‬تعوّل على النخلة،‮ ‬ولا تخلو مائدة أي‮ ‬بيت إماراتي‮ ‬من طبق من التمر أو‮ (‬السح‮) ، ‬كما‮ ‬يسميه العمانيون،‮ ‬والإماراتيون‮ (‬ولا أعرف من أين جاء هذا الاسم؟‮) ‬رطباً‮ ‬في‮ ‬الصيف وتمراً‮ ‬في‮ ‬الشتاء،‮ ‬وقد‮ ‬يكون التمر هو ‬الأكلة الرئيسية في‮ ‬بيوت ذوي‮ ‬اليسار،‮ ‬وإذا قدر الإماراتي‮ ‬على أن‮ ‬يزرع نخلة في‮ ‬منزله فإنه‮ ‬يفعل ذلك،‮ ‬وكان من العادي‮ ‬أن‮ ‬يجد المرء نخلة ونبقاً‮ ‬ولوزاً‮ ‬في‮ ‬ساحات بيوت ذوي‮ ‬اليسار في‮ ‬دبي‮ ‬وأبوظبي‮ ‬والشارقة وعجمان وأم القيوين، ناهيك عن أن النخلة هي‮ ‬الشجرة الأولى في‮ ‬المناطق الزراعية في‮ ‬الإمارات كرأس الخيمة والفجيرة وواحات العين‮..‬

ونعود إلى ما نحن بصدده وهو موضوع النخلة في‮ ‬شعر الإمارات،‮ ‬لنذكر ثلاث قصائد توضع في‮ ‬صف القصائد التي‮ ‬قيلت في‮ ‬النخل في‮ ‬الأدب العربي‮ ‬قديمه وحديثه، بل تفوق هذه القصائد جودة وتركيزاً،‮ ‬والقصائد الثلاث هي لمحمد صالح القرق،‮ ‬وسيف المري‮، ‬والدكتور عارف الشيخ‮..‬
‬والغريب أن تاريخ الشعر العربي‮ ‬لا‮ ‬يحتوي‮ ‬على قصائد جمّة في‮ ‬شجر النخل،‮ ‬ومعظم ما قيل في‮ ‬النخل أبيات متفرقة تأتي‮ ‬عرضاً‮ ‬ضمن قصائد متفرقة قيلت في‮ ‬مناسبات ومواضيع ليست بذات صلة بالنخل، حتى إن شاعراً‮ ‬كبيراً‮ ‬كأحمد شوقي‮ ‬ظن أنه الوحيد بين شعراء العرب كلهم الذي استطاع أن‮ ‬يأتي‮ ‬بقصيدة مطولة في‮ ‬النخلة‮‬،‮ ‬وأستغرب أن‮ ‬يخلو الشعر العربي‮ ‬من ذكر النخل ، ويقول أحمد شوقي:

وأعجب كيف طوى ذكركن‮ ‬

                    ولم‮ ‬يحتفل شعراء العرب

أليس حراماً‮ ‬خلو القصائد‮

                 من وصفكن وعطل الكتب

‮ ‬وفي‮ ‬اعتقادي‮ ‬أن شوقي‮ ‬لم‮ ‬يكن مصيباً،‮ ‬فقد سبقه إلى دبج قصيدة في‮ ‬النخلة الشاعر أبو نواس،‮ ‬الحسن بن هانئ،‮ ‬وإن كان وصف شوقي‮ ‬أبلغ‮ ‬من أبي‮ ‬نواس،‮.. ‬وحيث إن ‬قصيدتي أبي نواس وشوقي‮ ‬نادرتان فيما قيل من الشعر في‮ ‬النخلة وثمرتها‮. ‬فإني‮ ‬أورد هنا أبياتاً‮ ‬من القصيدتين،‮ ‬وكذلك قصيدة محمود سامي ‬البارودي‮ ‬قبل أن أنقل أشعار شعراء إماراتيين في‮ ‬النخلة،‮ ‬وأرجو أن أقدم بهذا منفعة للقارئ المتذوق للشعر العربي‮ ‬الجميل في‮ ‬هذه الشجرة الجميلة،‮ ‬علماً‮ ‬أنني‮ ‬أميل إلى تفصيل قصيدة أحمد شوقي‮ ، ‬حيث خصّ‮ ‬النخل بوصف رائع بينما أبو نوّاس‮ ‬يذكر النخلة في‮ ‬ذكره لقصر من القصور‮.. ‬

يقول أبو نواس ‬من ضمن قصيدة:

لا أنعتُ‮ ‬الرّوضَ ‬إلاّ‮ ‬ما رأيتُ‮ ‬بهِ

                  قَصراً‮ ‬مُنيفاً،‮ ‬عليهِ‮ ‬النّخلُ‮ ‬مشتَمِلُ

نخلٌ،‮ ‬إذا جُلِيَتْ‮ ‬إبّانَ‮ ‬زينتِها،

                  لاحَتْ‮ ‬بأعناقِها أعْذاقُها النُّحُلُ

أسقاطُ‮ ‬عَسجَدِهِ‮ ‬فيها لآلِئها،

              منضُودَة‮ ‬ٌ‮ ‬،‮ ‬بسموطِ‮ ‬الدُّرّ‮ ‬تتّصِلُ

يَفْتَضّها فَطِنٌ‮ ‬عِلْجٌ‮ ‬بها خَبِرٌ‮،

            فضَّ‮ ‬العذارى‮ ‬،‮ ‬حُلاها الرَّيطُ‮ ‬والحُللُ

فافتَضّ‮ ‬ أوّلَها منها وآخرَها

                فأصْبَحَتْ،‮ ‬وبها مِن فَحلِها حَبَلُ

لم تَمْتَنِعْ‮ ‬عِفّة‮ ‬ً‮ ‬منْهُ،‮ ‬ولا وَرَعاً

                بلا صَداقٍ‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يُوجَدْ‮ ‬لها عَقَلُ

حتى إذا لَقِحَتْ‮ ‬أرْختْ‮ ‬عَقائِصَها،

                فمالَ‮ ‬ مُنتَثِراً‮ ‬عُرْجونُها الرجِلُ

فَبِيْنَما هي‮ ‬والأرْواحُ‮ ‬تَنْفَحُها،

             شهرينِ‮ ‬بارحَة‮ ‬ً‮ ‬وَهْناً‮ ‬،‮ ‬وتَنتَحِلُ

أرْخَتْ‮ ‬عُقوداً‮ ‬مِنَ‮ ‬الياقوتِ‮ ‬تُرْضِعُهُ‮،

              حتى تَمَكّنَ‮ ‬في‮ ‬أوْصَالِهِ‮ ‬العَسَلُ

والقصيدة طويلة،‮ ‬وهي‮ ‬مدونة في‮ ‬ديوان أبي‮ ‬نواس‮..‬

‮‬وبعد أبي‮ ‬نواس بسنين طويلة،‮ ‬جاء محمود سامي‮ ‬البارودي‮ ‬الذي‮ ‬أدخل على‮ ‬الشعر العربي‮ ‬تغييراً‮ ‬في‮ ‬الأسلوب والمضمون، وخاصة الشعر الذي‮ ‬قاله النظّامون في‮ ‬العصور المتأخرة،‮ ‬ووصف البارودي‮ ‬النخلة ضمن قصيدة‮..‬

وَالْبَاسِقَاتُ‮ ‬الشُّمَّخُ‮ ‬الْحَوَامِلُ‮

                  مشمورة‮ ‬ٌ‮ ‬عنْ‮ ‬سوقها الذلاذلُ

ملوية‮ ‬ٌ‮ ‬في‮ ‬جيدها العثاكلُ‮

‬                   معقودة‮ ‬ٌ‮ ‬في‮ ‬رأسها الفلائلُ

للبسرِ‮ ‬فيها قانئٌ‮ ‬وَناصلُ‮

                     ‬للبسرِ‮ ‬فيها قانئٌ‮ ‬وَ‮ ‬ناصلُ

كَأَنَّهُ‮ ‬مِنْ‮ ‬ذَهَبٍ‮ ‬قَنَادِلُ‮

                  ‬منَ‮ ‬العراجينِ‮ ‬لها سلاسلُ

وللحديث صلة‮ ‬غداً‮ -‬ إن شاء الله-.

بقلم: ‬عبد الغفار حسين

‮ ‬[email protected]