ونعود إلى ما نحن بصدده وهو موضوع النخلة في شعر الإمارات، لنذكر ثلاث قصائد توضع في صف القصائد التي قيلت في النخل في الأدب العربي قديمه وحديثه، بل تفوق هذه القصائد جودة وتركيزاً، والقصائد الثلاث هي لمحمد صالح القرق، وسيف المري، والدكتور عارف الشيخ..
والغريب أن تاريخ الشعر العربي لا يحتوي على قصائد جمّة في شجر النخل، ومعظم ما قيل في النخل أبيات متفرقة تأتي عرضاً ضمن قصائد متفرقة قيلت في مناسبات ومواضيع ليست بذات صلة بالنخل، حتى إن شاعراً كبيراً كأحمد شوقي ظن أنه الوحيد بين شعراء العرب كلهم الذي استطاع أن يأتي بقصيدة مطولة في النخلة، وأستغرب أن يخلو الشعر العربي من ذكر النخل ، ويقول أحمد شوقي:
وأعجب كيف طوى ذكركن
ولم يحتفل شعراء العرب
أليس حراماً خلو القصائد
من وصفكن وعطل الكتب
وفي اعتقادي أن شوقي لم يكن مصيباً، فقد سبقه إلى دبج قصيدة في النخلة الشاعر أبو نواس، الحسن بن هانئ، وإن كان وصف شوقي أبلغ من أبي نواس،.. وحيث إن قصيدتي أبي نواس وشوقي نادرتان فيما قيل من الشعر في النخلة وثمرتها. فإني أورد هنا أبياتاً من القصيدتين، وكذلك قصيدة محمود سامي البارودي قبل أن أنقل أشعار شعراء إماراتيين في النخلة، وأرجو أن أقدم بهذا منفعة للقارئ المتذوق للشعر العربي الجميل في هذه الشجرة الجميلة، علماً أنني أميل إلى تفصيل قصيدة أحمد شوقي ، حيث خصّ النخل بوصف رائع بينما أبو نوّاس يذكر النخلة في ذكره لقصر من القصور..
يقول أبو نواس من ضمن قصيدة:
لا أنعتُ الرّوضَ إلاّ ما رأيتُ بهِ
قَصراً مُنيفاً، عليهِ النّخلُ مشتَمِلُ
نخلٌ، إذا جُلِيَتْ إبّانَ زينتِها،
لاحَتْ بأعناقِها أعْذاقُها النُّحُلُ
أسقاطُ عَسجَدِهِ فيها لآلِئها،
منضُودَة ٌ ، بسموطِ الدُّرّ تتّصِلُ
يَفْتَضّها فَطِنٌ عِلْجٌ بها خَبِرٌ،
فضَّ العذارى ، حُلاها الرَّيطُ والحُللُ
فافتَضّ أوّلَها منها وآخرَها
فأصْبَحَتْ، وبها مِن فَحلِها حَبَلُ
لم تَمْتَنِعْ عِفّة ً منْهُ، ولا وَرَعاً
بلا صَداقٍ ، ولم يُوجَدْ لها عَقَلُ
حتى إذا لَقِحَتْ أرْختْ عَقائِصَها،
فمالَ مُنتَثِراً عُرْجونُها الرجِلُ
فَبِيْنَما هي والأرْواحُ تَنْفَحُها،
شهرينِ بارحَة ً وَهْناً ، وتَنتَحِلُ
أرْخَتْ عُقوداً مِنَ الياقوتِ تُرْضِعُهُ،
حتى تَمَكّنَ في أوْصَالِهِ العَسَلُ
والقصيدة طويلة، وهي مدونة في ديوان أبي نواس..
وبعد أبي نواس بسنين طويلة، جاء محمود سامي البارودي الذي أدخل على الشعر العربي تغييراً في الأسلوب والمضمون، وخاصة الشعر الذي قاله النظّامون في العصور المتأخرة، ووصف البارودي النخلة ضمن قصيدة..
وَالْبَاسِقَاتُ الشُّمَّخُ الْحَوَامِلُ
مشمورة ٌ عنْ سوقها الذلاذلُ
ملوية ٌ في جيدها العثاكلُ
معقودة ٌ في رأسها الفلائلُ
للبسرِ فيها قانئٌ وَناصلُ
للبسرِ فيها قانئٌ وَ ناصلُ
كَأَنَّهُ مِنْ ذَهَبٍ قَنَادِلُ
منَ العراجينِ لها سلاسلُ
وللحديث صلة غداً - إن شاء الله-.
بقلم: عبد الغفار حسين