للعبارة الأولى التي يستهل بها المبدع نصه الأدبي أهمية خاصة تكثف فكرته الرئيسية وتضيء رؤيته للقضية أو الحالة التي يجسدها ويشكلها في نصّه. نستطيع رؤية ذلك بوضوح في عبارة إليوت في مستهل قصيدته (الأرض الخراب)، حيث يبدؤها ب (نيسان أقسى الشهور) حيث يكثّف رؤيته للخراب الذي حل بالعالم بعد الحرب الأولى من خلال أسطورة تموز الذي يعود في الربيع ليخصب الأرض بعد خرابها وموتها، ثم يضيء فكرته في القصيدة من خلال هذا المدخل الإيحائي الذي يشير إلى إدانة الإنسان المعاصر الذي حوّل الربيع (نيسان) من جمال وإخصاب وحياة إلى قبح وخراب وموت.
مثل هذا المدخل الإيحائي المكثف نجده في بداية رواية (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ التي استهلها بقوله (ها هو يتنفس نسمة الحرية ولكن في الجو غبار خانق وحر لا يطاق). وهذه العبارة/ البداية تكشف عن قضية البطل الرئيسية أو الفكرة الجوهرية التي يبني الكاتب عليها وحولها مجريات الرواية وأحداثها وهذه الفكرة هي مسألة الحرية وتبعات مصادرتها المأساوية.
أما خليل حاوي في قصيدة (لعازر) فإنه أيضاً يستهل قصيدته ببيت شعري يضيء الباب الذي سندخل منه لفهم عالم القصيدة وحالتها وإحالاتها وموضوعها الذي يتماهى في ثنايا أسطرها الشعرية. يقول:
عمّق الحفرة يا حفار
عمقها لقاع لا قرار
يأخذ الشاعر في هذا المطلع القارئ إلى موضوعه أو إلى حالة القصيدة أو مفتاحها أو قضيتها الرئيسية وهي القبر أو الموت، ويجمع لها مفردات الحفرة العميقة والحفار والقاع السحيق، ليثير الدهشة والتساؤل حول رغبة (المتكلم) /الشاعر/ في الموت والاندثار بعيداً عن هذا العالم في قبر لا قرار له ولا نهاية.
ترتبط أمنية الموت هذه، إلى جانب إيحاءاتها التشاؤمية بالمفهوم العام، بقصة أو أسطورة (لعازر) الذي طلب من الآلهة إعادته إلى الحياة بعد الموت فاستجيب طلبه وخرج من قبره ليرعى أخته الوحيدة، كما تقول الحكاية. أما خليل حاوي فإنه (لعازر) الجديد الذي يرد افتراضاً على الصوت الذي سيعيده إلى الحياة قائلاً: عمق الحفرة يا حفار، إنه لا يريد هذه الحياة بواقعها المزري المهين المأساوي، كما سنبين بعد قليل.
لقد كان انتحار خليل حاوي الفعلي في ما بعد (1982) إثر اجتياح إسرائيل للبنان، قد فتح الباب أمام قراءات جديدة لشعره وبخاصة هذه القصيدة (لعازر) التي جسّد فيها حاوي إحباطه واحتجاجه ورفضه للحياة المهينة التي يحياها الإنسان العربي. وحين احتلت بلاده بلغ الرفض والاحتجاج ذروته فأقدم على الانتحار حين رأى كل هذا الذّل الذي عمّ الوطن العربي والعالم بأسره بعد الاحتلال والدمار والقتل الذي حلّ بلبنان من دون أن يحرك أحد ساكناً.
لكل هذا كانت تنبؤات الشاعر مأساوية في هذه القصيدة، حيث ظهرت حالة الاشمئزاز والرفض والتشاؤم من الحاضر والمستقبل قبل إقدامه على الانتحار بزمن طويل. فهو يختار الموت ويطلبه في قبر سحيق حتى لا يكون قريباً من عالم كهذا، ثم يشير بإيحاءات متنوعة إلى كل هذا الغضب والقهر الذي يضيق به صدره والذي جعله يفضل الموت على الحياة، فيقول:
لم يزل ما كان: برق يتلوى
فوق رأسي أفعوان
شارع تعبره الغول
وقطعان الكهوف المظلمة
كنت ميتاً بارداً يعبر أسواق المدينة
هذه هي صورة الواقع الأليم الوحشي الموحش ببرقه وأفاعيه وغيلانه وكهوفه، هذا هو الواقع أو العالم الذي يريد قبراً سحيقاً ليبتعد عنه وعن قنابله وقتلته وسجونه وشروره. هذا العالم ليس لإنسان يبحث عن الجمال والسلام والوئام والاستقرار، إنه عالم للحروب والبطش والسفاحين ولشعار البقاء للأقوى في التدمير والتخريب والقتل. وبما أنه لا يستطيع وقف كل هذه الدماء، كل هذا الخراب، فالقبر أولى به، والموت كهف يغيب فيه بعيداً، يقول:
الجماهير التي يعلكها دولاب نار
من أنا حتى أردّ عنها الدوار
عمق الحفرة يا حفار
إنه يرى الناس يسقطون ويقتلون ويحرقون في الشوارع المكتظة، ولا يستطيع فعل شيء أو تحمل ذلك. هذه الجماهير إن كانت محتجة أو كانت في حياتها اليومية الطبيعة، تحصدها النيران والقنابل والرصاص، أمام العالم كله، فهل يندم إن رحل عن هذا العالم الدموي الموبوء، وهنا يكون قرار الشاعر أو قرار (لعازر) الجديد أن يرفض الحياة أو العودة إلى الحياة إلى مثل هذا المكان أو العالم الذي على هذه الصورة المأساوية، إن الموت أفضل من حياة مهينة مروعة كهذه.
هذه الرؤية التشاؤمية للواقع الإنساني أصبحت هاجساً في ذهنه، وربما حفرت صوراً سوداوية في أعماقه من الصعب محوها، فقد عاصر حروباً وحشية عمياء كثيرة في النصف الثاني من القرن العشرين، وحين جاءت الحرب الشرسة عند احتلال وطنه ووقف عاجزاً عن فعل شيء ورأى العالم متفرجاً على مآسي عشرات الألوف من الناس وهم يقتلون ويحرقون بلا ذنب، تمكنت الفكرة العدمية منه وبلغ التشاؤم منتهاه حيث أطلق النار على نفسه احتجاجاً على عصر وحشي (وحضارة) همجية حولت أحلام الناس وآمالهم إلى كوابيس ورعب لا يستطيع أحد تجنبها.
* جامعة الإمارات