كان للصناعة نصيب كبير من عناية خلفاء العصر العباسي الذين اهتموا باستعمال موارد الثروة المعدنية، فاستخرجوا الفضة والنحاس والرصاص والحديد من مناجم فارس وخراسان، وكان بالقرب من بيروت مناجم للحديد ساعد وجودها على نمو بعض الصناعات المعدنية. كما استخرجوا الخزف والمرمر من تبريز، والملح والكبريت من شمالي فارس، والغاز والنفط من بلاد الكرج.
واشتهرت البصرة بصناعة الصابون والزجاج، ولا سيما في عهد الخليفة المعتصم الذي شيد مصانع جديدة لها في بغداد وسامراء وغيرهما من المدن؛ كما انشأ مصانع للورق في مدن عدة وجلب لها الاساتذة والصناع من مصر التي اشتهرت بصنع الورق منذ عهد بعيد.
المنسوجات والزجاج
كما انشأ العباسيون دوراً للطراز في أهم مدن فارس. وكذلك تفوق المسلمون في صناعة الحرير والاطلس والمنسوجات الحريرية المشجرة والسجاجيد. ومما يدل على تفوق المسلمين في الصناعة، هذه المنسوجات النفيسة التي اخرجتها أنوال فارس والعراق والشام، فامتازت الكوفة بكوفياتها الحريرية وغيرها، وتفوقت خوزستان بمنسوجاتها. وكان للمنسوجات الحريرية المشجرة الجميلة التي تصنع في تستر ولسجاجيد قرقب وحراير سوس شهرة عظيمة في اسواق العالم في ذلك الحين. وامتازت دمشق بصناعة الاقمشة الحريرية التي لا تزال تسمى الدمقس واشتهرت مدن خراسان بصناعة البسط والستور والمنسوجات الصوفية على اختلاف انواعها.
كما اشتهرت مصر في ذلك العصر بصناعة المنسوجات، فكانت تصنع في مدينة تنيس الثياب الملونة والفرش، ويعمل بها للخليفة ثوب يقال له البدن بلغت قيمته ألف دينار، ليس فيه من الغزل سدى ولا لحمة سوى اوقيتين. أما بقيته، فمن الذهب الخالص المحكم الصنعة. ولم يحفظ لنا التاريخ ان قطعة النسيج من الكتان بلغت قيمتها مائة دينار إلا في مدينتي تنيس ودمياط، مما يدل على مدى تقدم صناعة المنسوجات المصرية ودقتها في ذلك العصر كما كانت تصنع الثياب الصوفية في مدينة تنيس.
واشتهرت بلاد الشام بصناعة الزجاج والخزف، واتخذ اهلها سمة (طرازاً) خاصة بهم في زخرفة الزجاج. وفي مستهل القرن الثاني للهجرة، كان الزجاج الملون المطلي بالميناء يصدر الى كثير من جهات العالم. وبلغت هذه البلاد في نقش الزجاج بالذهب والألوان الاخرى درجة كبيرة من الاتقان.
وكان ببغداد عدد كبير من دور الصناعة، وقد قيل: انه كان بها اربعمائة رحى مائية، واربعة آلاف معمل لصنع الزجاج، وثلاثون الف معمل لصنع الخزف، ويلوح لنا ان في هذا القول شيئا كبيرا من المبالغة. وكان لكل حرفة سوق خاصة، كسوق الحدادين وسوق النجارين وسوق البزازين. وقد أسس الخليفة المنصور اسواق الكرخ في الجهة الجنوبية بين الصراة ونهر عيسى لتكون مركزاً للصناعة والتجارة.
واشتهرت بغداد بالصناعة التي نبغ فيها الفرس، وبلغت صناعتها شأنا بعيداً في الدقة والجمال، حتى انهم كانوا يرصعون الزجاج بالجواهر، ويكتبون عليه بالذهب المجسم، ويصنعون للملوك اقداحاً تبهر الابصار. وكانوا يتخذون على الجامات (الكؤوس) صورا، صوروا عليها طيورا تطير، ومن فوقها العقبان تنقض عليها، وهي تحاول الافلات من مخالبها، مما يأخذ بالألباب ويستوقف الأنظار.
المراكب واستخراج المعادن
واشتهرت مصر من عهد الفراعنة بصناعة المعادن، ولا سيما صياغة الذهب والفضة.
واشتهرت مصر في العصر العباسي الاول بصناعة المراكب النيلية التي كانت تسير في النيل، تحمل حاصلات البلاد بين جهات الوجهين البحري والقبلي، كما اشتهرت بصناعة السفن التي تشحن بالأسلحة والمقاتلة لغزو بلاد الدولة الرومانية الشرقية عن طريق الاسكندرية ودمياط وتنيس والفرما.
وكذا اشتهرت بلاد الاندلس باستخراج المعادن من مناجمها المختلفة، وعلى الأخص الذهب ومن المناجم الواقعة على نهر تاجة، والفضة ببعض جهات قرطبة، والحديد من جبال طليطلة، والرصاص من غربي قرطبة، والنحاس بنواحي طليطلة وشمالي الاندلس. وقال المقري: انه كان بالاندلس مقاطع عدة للرخام الأبيض والخمري والأحمر والمجزع، ووصفها وصفاً شائقاً وذكر اماكنها.
وكانت قرطبة مركزاً مهماً لصناعة الجلود. وكما اشتهرت بلاد الاندلس بصناعة السفن وآلات الحرب من التراس والرماح والسروج واللجم والدروع.
صناعة الأسلحة
وعني المسلمون في العصر العباسي، بالأسلحة والآلات العسكرية كالسيوف والرماح والنبال والدروع والبيض والمغافر. وعرفوا المنجنيق منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وسموا الصغير منه العرادة، وصنعوا آنذاك دبابات من الخشب المغطى بالجلد سموها الضبور (واحدها الضبر)، فكانوا يتقون فيها النبال، أو يزحفون تحتها إلى الحصون. واستعملوا النفط، والنار، والسلالم في الحصار وصد الأعداء. جاء في تاريخ الطبري أن المعتصم تجهز لغزو بلاد الروم (حوالي 223ه/838م) بالسلاح والعدد والآلة وحياض الأدم والبغال والروايا والقرب وآلة الحديد والنفط.
وامتدت صناعة الحرير من بلاد الروم في الغرب إلى المشرق، حيث كانت أوسع صناعاته في مدينة خوزستان التي نقل إليها الساسانيون صناعة الحرير على أنواعه من بلاد الروم. وكانت أهم الفرش الصوفية الفارسية منها والبخارية. وصنع أهل الحيرة الطنافس، آخذين طريقتها عن الروم، وكانوا يزخرفونها، ويرسمون عليها الخيل والجمال والسباع والطيور. وصنعوا في الأبلة ثياب الكتاب الرفيعة المقصبة وبالكوفة عمائم الخز، وفي بغداد الطرائف ومختلف ثياب الخز، وفي واسط الستور الواسطية. وصنعت الحصر في كل أنحاء الخلافة العباسية، وأتقنت مدينة عبادان صناعتها، فلقد حصرها أهل مصر وفارس.