يدرس كتاب الدراما في النص القرآني . . دراسة فنية الدراما بوصفها فناً أدبياً، ويهدف من ذلك إلى أن يتوصل إلى مدى توافر عناصرها وأساليبها في النص القرآني طارحاً إشكالية البحث من خلال الأسئلة التالية: ما هي الدراما، وهل وُجدت في القرآن العظيم؟ ثم إذا وُجدت فيه، ما سماتها؟ وللوصول إلى الغاية

يُعرّف المؤلف الباحث عماد الدين الرشيد في كتابه الدراما ويقارنها بالقصة من حيث اللغة والزمن ويعرض لمكوناتها، كما يتناول بعض الأساليب الدرامية ويُسقطه على النص القرآني ليجد لها توافراً كبيراً في القرآن الكريم، الأمر الذي يجعل من القصة القرآنية، كما يقول، حقلاً خصباً للدراما في كتاب الله المعجز .

يتألف الكتاب، الذي صدر مؤخراً ضمن سلسلة مفاهيم أساسية التي تصدرها دار نحو القمة للطباعة والنشر في سوريا من مقدمة للمؤلف وثلاثة فصول وهي على التوالي الدراسة الفنية في القرآن الكريم بين التقليدية والحداثة والدراما في الدراسات القرآنية وتوافر الأساليب الدرامية في الدراما القرآنية .

في مقدمة الكتاب يشير المؤلف إلى أن الوحي تبوأ في ثقافة الأمة الإسلامية مكان الصدارة، حتى إنه ليمثل السمة المميزة لهذه الثقافة إلى درجة أن يشكل هويتها التي لا تنفك عنها، وهذا لا ريب عائد كما يقول إلى كون الثقافة الإسلامية إلهية المصدر، وانطلاقاً من ذلك توجه علماء الإسلام، كما يؤكد، إلى خدمة الوحي كتاباً وسنة ووضعوا مناهج دقيقة للتعامل معه تمكّنهم من إثباته وتفسيره وفهمه، فنشأ علم أصول الرواية لإثبات ما يحتاج إثباتاً من الوحي، كما نشأ علم أصول الفقه لفهم الوحي وتفسيره قرآناً وسنة، ومن خلال عرضهم نصوص الوحي على منهج الإثبات والتفسير نشأت علوم الشريعة كافة: فإذا كانت نصوص الوحي المعروضة على ذلك المنهج متعلقة بصفات الله تعالى كان العلم الناشئ توحيداً، وإذا كانت تلك النصوص تتناول فروع الشريعة كان العلم فقهاً، وإذا كانت النصوص تتعلق بالآداب وتحسين النفس باطناً كان العلم زهداً وتصوفاً . وهكذا فكل علوم الشريعة نشأت من تناول نصوص الوحي وفق مَنْهَجَيْ الإثبات والتفسير اللذين برع علماء الإسلام في وضعهما بهدوء وروية، وقاموا على رعايتهما حتى نضجا واكتملا إلى مستوى أن يقبلا التعميم على كثير من المعارف الأخرى الدينية .

في الفصل الأول، يرى المؤلف أن الحديث عن الدراسة الفنية في القرآن الكريم يستدعي إلى الذهن ما يحتويه النص القرآني من عناصر البلاغة والبيان القائمة على النظم والسبك والتركيب، والمتكئة على اللفظ في معظم مظاهرها، والمستمدة من جزالته وقدرته على استيعاب تراكيب البلاغة، وحقيقة الأمر، كما يوضح المؤلف، أن هذه الصور البلاغية، وإنْ كانت لا تخرج عن الجانب الفني للقرآن الكريم، فضلاً عن كونها ألصق بالأدب، فإنها ليست مشهده الفني كاملاً، فثمة ضرب من الفن امتلأت به الآيات القرآنية تحرضه الألفاظ والتراكيب وينطلق منها، مستفيداً من دراسات الأقدمين، إلا أنه لا ينحصر في علاقاتها البديعية والبيانية، أو ينكفئ على الأنماط التقليدية من القوالب البلاغية، فلا تظهر قيمته إلا بمقدار ما يخضع للقوانين البلاغية الصارمة، بل يتجاوز هذا الفن مادته البنائية الأولى، اللفظ، ويتجه مباشرة إلى مَلَكة الإحساس بجمال النص القرآني في نفس القارئ، هذا الجمال الكلي المنسق فيحاكيه بروعته ويلامسه برقته موجهاً سهامه نحو خيال السامع فيختلس منه إعجابه، وينتزع منه انتباهه كلياً نحو مراد النص، حتى يتمكن من مشاعره فيذوب ساعتئذٍ مع معناه . ويلفت إلى أن هذا الضرب من الفن يقوم على أساس من تحويل الألفاظ والجمل في نفس السامع من حالة اللغة إلى مسرح الخيال وجعلها صوراً ثابتة أو متحركة وهو ما يُعرف ب التصوير الفني، فإذا ما تحركت الصور شكلت المشاهد، وإذا ما سُكب الحوار في المشاهد القصصية دبت فيها الحياة، وعاشت من جديد كأنها تحدث اليوم منسلخةً عن زمان حدوثها الحقيقي وحينئذٍ أمكن تسميتها ب الدراما .

في الفصل الثاني، يتوقف المؤلف عند مفهوم الدراما والتصوير الفني في القرآن الكريم، ويرى أن حقيقة وجود الدراما في القرآن الكريم تنبع من تطبيق أحكام الدراما على القصة القرآنية التي قدمها البيان الإلهي بأسلوب التصوير الفني . ويسوق المؤلف ما يقوله الراحل سيد قطب في كتابه التصوير الفني في القرآن الكريم من أن الأسلوب القرآني يعبر بالصورة المحسوسة والمتخيلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية، ثم يرتقي بالصورة التي رسمها، فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة مجسمة مرئية . وهذا المقطع يبين، كما يقول المؤلف، معنى التصوير ومجاله وأثره عند سيد قطب، فماهية التصوير هي التعبير بالصورة المتخيلة، ومجال التصوير المعاني الذهنية، والحالات النفسية، والحادث المحسوس، والمشهد المنظور، والنموذج الإنساني، والطبيعة البشرية، وأثر التصوير اللوحة والمشهد، والحركة الحية المتشخصة، ويضيف: إذا رجعنا إلى تعريف الدراما على أنها فن تمثيلي يُعنى بتصوير الفعل الإنساني وما يرتبط به وأن عبارة الفعل الإنساني تشتمل على المشاعر والأفكار والأفعال جميعاً فسنجد أن فن الدراما يقوم على أسلوب التصوير، وهو التعبير بالصورة المتخيلة، وأما مجال الدراما وهو الفعل الإنساني فيدخل في مجال التصوير الذي يتسع ليشمل المعاني الذهنية والأفكار المجردة زيادة على الفعل الإنساني . من هذه المقارنة يمكن أن نستخلص أن الدراما في النص القرآني إنتاج فني مستقل، وهو مباين للتصوير الفني في القرآن الكريم، وإن كان يعتمد عليه اعتماداً كبيراً . وبذلك نعلم، كما يقول الباحث عماد الدين الرشيد، أن سيد قطب، رحمه الله، حام في حديثه عن التصوير الفني في القرآن الكريم حول دراما النص القرآني، على الرغم من كونه لم يسمها باسمها، أو يفردها بأحكام خاصة .

ويفرد المؤلف الفصل الثالث والأخير من كتابه لدراسة بعض الأساليب الدرامية في القرآن الكريم ومنها أسلوب الخطف خلفاً وهو أسلوب فني يرتبط بالتصوير والإخراج الفني ارتباطاً وثيقاً وقد ظهر هذا الأسلوب مؤخراً بقوة بسبب تطور الإخراج السينمائي والتلفزيوني وولادة أجيال متقدمة من معدات التصوير والمونتاج إذ يعمد المخرج أو كاتب السيناريو إلى انتقاء حدث أو أحداث مهمة من قلب القصة الدرامية وينتزعها من سياقها الزمني ليستفتح بها عمله، ثم يسرد الأحداث المتتابعة منسجمة مع تسلسلها الزمني، بما فيها الأحداث التي افتتح بها عمله الفني أو ما يحيط بها من أحداث . والقصد من ذلك، حسب المؤلف، استثارة اهتمام المشاهد وجذبه إلى العمل الدرامي وتشويقه إلى اكتشاف بعض ما خفي عليه، ويزيد من إثارة فضوله للمتابعة وهذا النوع من التشويق مبناه إخفاء سر المفاجأة في القصة عن المشاهد بعد ما اطلع على أشد أحداثها إثارة وتركيزاً . ويقول: انتشر هذا الأسلوب في أقوى الأعمال الدرامية، ولم تخل منه حتى أفلام الكرتون، وأجمع كل النقاد على أنه لو أحكم أسلوب الخطف خلفاً تمام الإحكام فإنه يُعد من أعلى مزايا الأعمال الدرامية الناجحة ومثال ذلك في القرآن الكريم قصة البقرة في السورة التي حملت اسمها، إذ يستفتح البيان الإلهي هذه القصة بحدث من عمق أحداث الدراما، وهو الأمر بذبح البقرة وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . وإذا رجعنا إلى تسلسل الأحداث زمنياً في هذه الدراما لوجدنا أنها تبدأ مع قتل أحد رجلين من بني اسرائيل الآخر واتهام غيره، وهذا ما أخّره البيان القرآني خمس آيات عن بداية القصة وذلك بقوله تعالى وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ثم يقتضي التدرج بأحداث القصة أن يأتي الأمر بذبح البقرة بعد الإخبار عن جريمة القتل، فإن ذبح البقرة بتعبير مبسط هو الحل الإلهي لاكتشاف الجاني بعدما تدرأ القوم . ويضيف المؤلف: لا يحتاج الأمر كبير عناء لندرك أن أكثر مشاهد هذه القصة غرابة قضية الأمر بذبح البقرة، لذا قدمها البيان الإلهي بالذكر تشويقاً للسامع، وهكذا نرى أن الدراما في القرآن الكريم استعملت أسلوب الخطف خلفاً في بنائها، ولم يكن مجرد استعمال عادي بل تناوله القرآن الكريم باحتراف بالغ .

الأسلوب الثاني من أساليب الدراما في القرآن الكريم الذي يورده المؤلف أسلوب العرض الاسترجاعي، موضحاً أن قيمة العرض ليست بالمعلومات التي يضخها الكاتب فحسب، بل بما يحدثه من شد المتابع، والسيطرة عليه، واختلاس انتباهه من بين يديه قسراً عنه . ويقول: تحقيقاً لهذه الغاية، أوجد كُتاب الدراما أسلوباً متفنناً في العرض الدرامي، يقوم على تقديم جزء من المعلومات في بداية العمل الدرامي لا يعطي تصوراً كاملاً للأحداث، ولكنه كاف لإثارة فضول المخاطب وجذبه للمتابعة ثم يقوم الكاتب بالكشف شيئاً فشيئاً عن الأحداث التي أسهمت في تكوين الموقف الدرامي المتأزم ويسمى هذا الأسلوب بالعرض الاسترجاعي أو الفلاش باك، لأن الكاتب بعد أن قدم العرض وانطلق من نقطة الهجوم وشرع في الحبكة يعود إلى الزمن الماضي في الوقت الذي يتقدم فيه الحدث نحو المستقبل . ويضيف: وُجد هذا الأسلوب الدرامي في أكثر من مشهد في القرآن الكريم ومن ذلك ما وقع في عرض قصة سيدنا موسى عليه السلام في سورة طه، إذ بدأ العرض بقوله تعالى: وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى . واختزل النص القرآني العرض بقوله: حديث موسى وهو يشير بذلك إلى حديث مشهور في القرآن الكريم وقصة تكررت في أكثر من سورة عناصرها معهودة في ذهن السامع، ثم تبدأ الحبكة من حدث رؤية النبي موسى عليه السلام هو وأهله، وهذا الحدث يشكل نقطة الهجوم حيث تنطلق منه الحبكة وتتوارد أحداث الدراما تباعاً مع تسارع الزمن .