ينبغي للمرء المؤمن أن يستحضر الإيمان في قلبه، ويدفع كل آفة بما يردها، وأن ينظر إلى إيمانه هل تغير؟ ويقف حارساً لقلبه لئلا يدخله شك أو شرك أو اعتراض وتسخط، فتخرج النفس على تلك الحال المكروهة حين تحضره الوفاة، بل ينبغي أن يجتهد في مراعاة الإيمان، وتحقيق التوبة، وملاحظة الرضا بالقضاء، ومحبة لقاء المولى، وحسن الظن به، ويحمد الله سبحانه على ما قدر، وهكذا كان حال الصحابة - رضي الله عنهم جميعاً - مع الله سبحانه وتعالى، ومن بين هؤلاء الصحابي الجليل النعمان بن مقرن - رضي الله عنه - الذي عندما اقترب أجله، وحل ميعاد وفاته، لم يكن يفكر سوى في عز الإسلام، حيث راح يدعو ويردد «اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح فيه عز الإسلام، وذل يذل به الكفار، ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة».
ويروي الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «إن للإيمان بيوتاً وللنفاق بيوتاً، وإن من بيوت الإيمان بیت ابن مقرن». وفي نهاوند جمع الفرس مئة وخمسين ألفاً تحت إمرة الفيرزان، وقد قرن بعضهم بعضا، كل سبعة في قران، وألقوا حسك الحديد، وقالوا: من فر منّا عقره حسك الحديد.
معركة شرسة
وخطب النعمان بن مقرن رضي الله عنه - في جیشه فقال: «إذا كبرت التكبيرة الأولى، فشدّ رجل شسعه، وأصلح من شأنه، ولیتهیأ من لم یكن تهیأ. فإذا كبرت الثانیة؛ فشد رجل إزاره، ولیشد علیه سلاحه، وليتأهب للنهوض، ويتهيأ لوجه حملته. فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معا. اللهم إني أسألك أن تُقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام، وذل يذل به الكفار، ثم اقبضني إليك بعد ذلك على الشهادة، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك، ونصر عبادك. أمنوا يرحمكم الله» فأمن المسلمون وبكوا. وحمل النعمان - رضي الله عنه- مع التكبيرة الثالثة، وهو يحمل الراية، وقد رآها المسلمون تنقض نحو الأعاجم انقضاض العقاب.
يقول جبیر: «فو الله ما علمت من المسلمين أحدا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر، فحملنا حملة واحدة وثبتوا لنا، فما كنا نسمع إلا وقع الحديد على الحديد حتى أصيب المسلمون بمصائب عظيمة، فلما رأوا صبرنا وأنا لا نبرح العرصة انهزموا، فجعل يقع الواحد فيقع عليه سبعة، بعضهم على بعض في قياد فيقتلون جميعاً، وجعلوا يعقرهم حسك الحديد الذي وضعوه خلفهم».
واقتتلوا بالسيوف قتالاً شديدا يصفه الرواة بقولهم: «لم يسمع السامعون بوقعة قط كانت أشد منها»، واستمر القتال من انتصاف النهار حتى هبوط الظلام، وكثر قتلى الفرس حتى امتلأت أرض المعركة دماً يزلق فيه الناس والدواب، فانزلق فيه من خيول المسلمين وأصيب فرسانهم، وزلق فرس النعمان بن مقرن - رضي الله عنه - فلقي النعمان مصرعه. وفي رواية ابن إسحاق وجبير: أنه رمي بنشابة فأصابت خاصرته فقتلته، وكان أخوه نعيم بن مقرن قريبا منه، وأسرع نعیم. وسجی النعمان بثوب، ثم أتی حذيفة بن اليمان في ميمنته فدفع إليه الراية باعتباره خليفة النعمان. وكتموا مصاب النعمان عن الجيش لكيلا يهن الناس. وقتل من الفرس مئة ألف أو يزيدون، وفي رواية أنه قتل في اللهب ثمانون ألفاً، وفى المعركة ثلاثون ألفا، مقترنين في السلاسل سوى من قُتل في المطاردة.
واجتمع المسلمون بعد المعركة فتساءلوا: «أین أمیرنا؟»، قال معقل بن مقرن: «هذا أميركم، قد أقر الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة».
دموع فرح وحزن
وفي رواية عن معقل بن يسار قال: «أتيت النعمان وبه رمق، فغسلت وجهه من إداوة ماء كانت معي: فقال: من أنت؟ قلت: معقل، قال: ما صنع المسلمون؟ قلت: أبشر بفتح الله ونصره. قال: الحمد لله، اكتبوا إلى عمر». ولما أتى السائب إلى عمر بغنائم نهاوند قال: ما وراءك يا سائب؟ فقال: خيراً يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك بأعظم الفتح، واستشهد النعمان بن مقرن - رحمه الله-، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكی، ونشج وكأنه أصيب بأعز إنسان لديه.. وكاد الحزن على النعمان يُنسي عمر فرحة الفتح بهذا النصر الكبير الذي سمي في التاريخ بفتح الفتوح.
وقال محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي في كتاب «سير أعلام النبلاء»: «كبر النعمان بن مقرن رضي الله عنه الأولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضاً، ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين، وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالاً لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، ولا سمع السامعون بوقعة مثلها، قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دماً، حتى قيل: إن الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانه في ذلك الدم فوقع وجاءه سهم في خاصرته فقتله، ولم يشعر به أحد سوى أخيه سويد». كانت وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين وكان قتل النعمان بن مقرن يوم جمعة، ولما جاء نعيه عمر بن الخطاب خرج فنعاه إلى الناس على المنبر ووضع يده على رأسه يبكي.