في 4 يوليو/تموز ،1962 غادرت السفينة بريتش سيجنال منصة الشحن في جزيرة داس، وهي تحمل أول شحنة نفط تنتج في الحقول البحرية المكتشفة في أبوظبي من قبل شركة أدما . وكانت السفينة تحمل 30 ألف طن من النفط، حيث بدأ أول حقل مكتشف بإنتاج ما يقارب 4 آلاف طن يومياً(1) . في الوقت نفسه، كانت شركة تطوير نفط الساحل المتصالح التي اكتشفت النفط في صحراء أبوظبي تجهز حقولها للإنتاج والتصدير، وقامت بتغيير اسمها ليصبح شركة نفط أبوظبي خلال يوليو/تموز ،1962 وكانت الشركة تتوقع الإنتاج من حقلها مربان بما يقارب 6 ملايين طن في العام منذ بداية عام ،1964 وأعلنت الشركة أنها ستقوم بإنفاق 15% من دخلها لتطوير محطة التصدير في جبل الظنة التي تقع على بعد 120 ميلاً غرب مدينة أبوظبي، وكانت الشركة قد طرحت مناقصة لمجموعة من الإنشاءات في موقع العمل وميناء التصدير، واختارت مجموعة من الشركات الفرنسية واللبنانية والأمريكية والكويتية للعمل في تلك الإنشاءات . (2) ويبدو واضحاً أن وتيرة الحياة الرتيبة في أبوظبي التي استمرت لعشرات السنين، بدأت تتغير، وأصبحت أبوظبي منذ ذلك الوقت منطقة جاذبة للأيدي العاملة، ويقول المعتمد البريطاني واصفاً التغيرات الجديدة هناك ضغط عنيف على مواقع العمل في أبوظبي بسبب الطلب الكبير للقوى العاملة، في جبل الظنة بسبب التطوير الجديد الذي تقوم به شركة النفط، وهذا بدوره أثر في مستوى الأجور والتكاليف في الإمارة، فالأجر اليومي للعامل حالياً بدأ يتصاعد، ووصل إلى 10 ريالات مع توفير الطعام والشراب، وهذا بدوره ضاعف نسبة الأجر للعامل في دبي (3) .

النشاط التجاري

لا يمكن مقارنة الوضع التجاري في بداية السيتنات في أبوظبي، بمثيله في دبي، فأبوظبي في تلك الفترة كانت مدينة ناشئة، قليلة السكان، كثير من أهلها مهاجرون لدول الخليج النفطية، ولكن الإعلام عن اكتشاف النفط، حول الإمارة فجأة من إمارة منسية، إلى صدارة الأحداث، وتحول الإنجليز من سلطة مهيمنة تتدخل بكل صغيرة وكبيرة، ولا تبالي بأي تطوير أو تنمية في الإمارة، إلى مؤسسة تسعى بكل جهدها للهيمنة على الوضع الاقتصادي من خلال إتاحة الفرصة للشركات البريطانية للاستفادة من الفرص الكثيرة المتوافرة، ومحاولة عرقلة شركات الدول الأخرى من منافسة المؤسسات الإنجليزية . ويجب علينا أن نفرق بين السوق الاستهلاكي الذي كان يحوي مجموعة من المحال التجارية الصغيرة التي تقدم خدمات بسيطة للسكان، وبين القادمين الجدد من التجار الذين يسعون لعقد صفقات مع الحكومة لإنشاء الطرق والكهرباء وتمديد المياه وتموين شركات النفط وغيرها . وسارعت مجموعة من البنوك لفتح فروع لها في أبوظبي، بدءاً من البنك البريطاني ثم البنك الشرقي والبنك العثماني، وكانت هذه البنوك تأمل في أن تضخ الشركات العاملة وحكومة أبوظبي سيولتها النقدية فيها، ولم يكن اهتمامها منصباً على خدمة الناس، بسبب قلة عدد السكان، والفقر الذي يشمل الأغلبية من السكان . وقبل أن نناقش محاولات الإنجليز لفرض الشركات البريطانية في السوق الجديد، سنلقي نظرة على حالة السوق المحلي، حيث يشير المعتمد البريطاني في تقرير له عام 1962 أن السوق الاستهلاكي يتكون من 8 من صغار التجار غير المؤهلين، من التجار المحليين والعرب . (4) ويتابع في تقرير آخر . إن مجموعة التجار المحليين في أبوظبي تتكالب من أجل إيجاد فرص للحصول على ثروات من النفط . وهؤلاء تعوزهم الخبرة، وغير متعلمين، كما أنه ليس لديهم الهمة والطموح لفرض وجودهم، وهمتهم تظهر عندما يحين الوقت للتحدث مع الحاكم عن منافسة الشركات الأجنبية وقدراتها، والثلاثة بنوك هنا ترغب في تقديم تسهيلات ائتمان لهم لمساعدتهم لبناء مخزون من السلع، التي قد يشتد عليها الطلب في المستقبل القريب جداً، وإلى ذلك الحين، فإن التجار المحليين حالياً لا يرغبون في عمل شيء ما على الإطلاق (5) . ويبدو التجني واضحاً مما قاله المعتمد البريطاني في كلامه، فماذا يتوقع من إمارة ظلت فقيرة ومغلقة لسنوات طويلة بفضل الحماية البريطانية، هل من المتوقع أن يتحول تجارها البسطاء فجأة إلى رجال أعمال متمرسين؟ من الطبيعي أن يكون التجار في ظروف كهذه، بهذه الكيفية، وهذا ليس عيباً، ولكن الخطأ أن أعيب على هؤلاء عدم تحولهم بسرعة إلى تجار منافسين للأجانب، إن من حق أي شعب أن يتمتع بثروته، وهؤلاء التجار من هذا الشعب، وعندما يذهبون للحاكم للشكوى ضد المنافسين الجدد من الأجانب الذين بدأوا يتوافدون بأعداد كبيرة للاستفادة من الثروة، فهذا حقهم، وكان من المفروض على السلطة البريطانية بصفتها سلطة الحماية، أن تحمي الإمارة اقتصادياً، كما تدعي حمايتها أمنياً، فإذا كان هؤلاء التجار لا يملكون رأس المال، بالإمكان تسليفهم، وإذا كانوا لا يملكون الخبرة، فهذه تأتي مع الوقت، لا أن أقول إن هؤلاء يبغضون العمل، وأن الشركات الأجنبية على أتم الاستعداد لتلبية أي طلب، والمقصود بالشركات الأجنبية، الشركات البريطانية التي تتوافر لها الحماية والأولوية، ويمكننا ملاحظة ما قامت به السلطة البريطانية من تسهيلات للشركات الإنجليزية، من خلال ما يقوله أحد شهود العيان، وهو محمد عبدالجليل الفهيم الذي يقول: لم يكن بوسع التجار المحليين استيراد المنتجات والخدمات المطلوبة، كما لم يكن بوسعهم إسكان العدد المتزايد من عمال النفط، وذلك لأن التجار كانوا يفتقرون إلى رأس المال، وكان يحظر عليهم إقامة أي بناء، والبنوك التي أنشئت لم يكن في مقدورها مساعدة التجار المحليين، لأنه لم يكن لديها الأنظمة المحاسبية أو الإدارية المطلوبة للأعمال المصرفية الحديثة، ولم تكن هناك إدارة حكومية تساعدهم على تنظيم أنفسهم للاستفادة من الفرص التي أتاحها تطور الصناعة النفطية، وكان الناس الذين يمكن لهم تقديم المنتجات والخدمات عاجزين عن ذلك للافتقار إلى المهارات والبنى التحتية اللازمة، كان معظمهم لا يجيد الإنجليزية، وكان انعدام لغة مشتركة للتفاهم زيادة للطين بلة، كانت السوق المحلية خارج اللعبة، فقد كانت غير مستعدة سواء من الناحية المالية أو الإدارية للاستفادة من الفرص الجديدة، كما لم يلق المقاولون المحليون دعماً أو تشجيعاً من قبل الحكومة للمشاركة في النمو الاقتصادي الواعد الذي كان لايزال بطيئاً، لقد كان الوضع بمجمله محبطاً جداً للجميع (6) . ويبدو الفهيم أكثر واقعية وتوضيحاً للوضع الاقتصادي في أبوظبي، فإذا كان الإنجليز قد عابوا على المواطنين عدم معرفتهم بالتجارة، واتهموهم ببغض العمل والاتكال على الآخرين، فإن الفهيم اختصر الأمر وأوضح أن عدم وجود المؤسسات المالية الحديثة إضافة إلى تجاهل المقاولين المحليين ورغبة الإنجليز بإخراج السوق المحلية من اللعبة، إضافة إلى قلة خبرة المواطنين بالعمل التجاري، كل هذه مجتمعة هي صورة الوضع التجاري خلال تلك الفترة من بداية الستينات .

العصا في الدولاب

السلطة البريطانية بصفتها سلطة الحماية في الإمارات وقتها، حاولت قدر الإمكان تطبيق سياساتها المتعددة الجوانب، وهذا بدوره أدى إلى حالة صدام مستمرة بينها وبين الشيخ شخبوط، حاكم أبوظبي، ففي مجال العمل بشركات النفط، سبق أن ذكرنا في المقال السابق لا مبالاة شركات النفط في توظيف المواطنين، سواء كموظفين أو كعمال، وتفضيل الجنسيات الأجنبية عليهم، وبما أن التأشيرات كانت تمنح من قبل مكتب المعتمد البريطاني، كان من السهل إدخال الجنسيات المرغوب فيها، ناهيك عن المتسللين الذين كانوا يجدون سهولة في تعيينهم كعمال . وعندما بدأ تصدير النفط، حاولت السلطة البريطانية احتواء السوق وقصره على الشركات البريطانية، وسبق أن أشرنا إلى رأي المعتمد البريطاني في عدم كفاءة المواطنين لادارة السوق، ورغبته في إعطاء الفرصة للأجانب للتحكم فيه، وكان هذان العاملان أحد أسباب الاصطدام بين الانجليز وشخبوط، ويمكننا أن نستشف الكثير عن هذا الموضوع من خلال تقرير للمعتمد البريطاني عام ،1962 يقول فيه يستغرب الإنسان أن كان الشيخ شخبوط، يرغب في تدفق النفط من جبل الظنة أم لا، بسبب أن سياسته الحالية مرسومة على أساس إعاقة الأمور وليس تشجيع التطوير السريع لميناء التصدير ومحطة التحميل في جبل الظنة، وقد بين الحاكم أن على جميع شركات النفط العمل على توظيف مواطنين من أبوظبي، وعندما يكتمل توظيف المواطنين يمكن أن تفكر الشركات في استقدام العمالة الوافدة . ويكمل المعتمد البريطاني تقريره بقوله لسوء الحظ، لم تؤت هذه السياسة أكلها، وذلك لأن مواطني أبوظبي الذين يحبون صيد الأسماك والونسة في السوق يخشون من العمل الصعب، وإذا كان المقاولون يرغبون في إنجاز أعمالهم في الأوقات المحددة، فلا بد من استقدام عمالة من الخارج(7) .

هذا التقرير وغيره يعطينا صورة واضحة عن طبيعة الإدارة البريطانية التي أهملت الإمارات طوال سنوات الحماية، ولم تسع لنفع أبناء البلد بعد اكتشاف النفط في بلدهم، وتخالف حاكماً بل وتنتقده لأنه يرغب في أن يعمل أبناء إمارته في إمارتهم بدلاً من تغربهم في البلدان الأخرى، وتعلل عدم الرغبة في التوظيف بكسل المواطنين ورغبتهم في قضاء أوقاتهم في تجاذب الأحاديث في الأسواق، ولكن من الذي ذهب إلى الكويت والسعودية وقطر، وذاق مرارة الغربة والبعد عن الأهل والأصدقاء سوى هؤلاء المواطنين؟ وكيف يتغرب شخص كسول ويلقى القبول في الدول الأخرى لو لم يكن كفؤاً؟، وحتى لو كان هناك مجموعة من الناس لا تريد العمل وتقضي وقتها في المقاهي وغيرها، وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان، فهل هذا ينطبق على الكل؟ لقد ربط الإنجليز سرعة إنجاز مشروعاتهم باستقدام عمالة من الخارج كما جاء في التقرير، ويبدو واضحاً أن سياسة اغراق الإمارات بالأجانب بدأت منذ تلك الفترة وازدادت مع مرور الوقت حتى أصبحت واقعاً لا يمكن التخلص منه .

إن الاستهزاء بمقدرات الآخرين والتقليل من شأنهم يعطيانا صورة واضحة لطبيعة التفكير الاستعماري، فكل شخص مهما كانت مهنته بسيطة، يمكن بالقليل من التدريب والتشجيع أن يتحول إلى أي مهنة أخرى أكثر صعوبة . ومن هؤلاء من ذهب إلى مواقع شركات النفط في دول الخليج الأخرى وعمل بمهن فنية صعبة وأثبت كفاءة أكثر من نظرائه الأجانب، إن هجرة الكثير من المواطنين في تلك الفترة وعملهم بمختلف المهن في دول الخليج النفطية كانت دليلاً واقعياً وواضحاً .

السكان والسوق المحلي

في عام ،1962 قدر المعتمد البريطاني عدد السكان في مدينة أبوظبي بما يقارب ال3 آلاف نسمة فقط، في حين قدر عدد سكان الإمارة بكاملها بنحو 11 ألف نسمة (8) . ويقول محمد الفهيم إن عدد السكان تم تقديره بدقة بعد انتشار مرض الجدري في دبي في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط ،1961 ولمنع انتشار هذا الداء في أبوظبي، أحضر البريطانيون فريقاً طبياً، وتم تلقيح ما يقدر ب90% من إجمالي السكان في المدينة نفسها، وكان عدد هؤلاء الذين تلقوا التلقيح 3564 شخصاً، أما في العين وبقية قراها، فقد قدر عدد السكان ب5 آلاف نسمة، ويعتقد أن عدد سكان ليوا التي لم يتم تلقيح أهلها نحو 3 آلاف نسمة، أي أن عدد السكان المقدر لإمارة أبوظبي 13 ألف نسمة (9) . وسواء كان العدد 11 ألفاً أو 13 ألفاً، فهو عدد صغير للغاية، وكانت هناك عوامل عدة لهذا العدد البسيط، أهمها الهجرة إلى دول النفط في تلك الفترة، وعدم استقرار أعداد كبيرة من البدو التي ترحل من منطقة إلى أخرى باستمرار مما يصعب معرفة الأسر المستقرة، خاصة أن أبوظبي تملك أراضي شاسعة، وكثير من البدو ينتشرون في الصحراء المترامية الأطراف، ويصف الفهيم وضع مدينة أبوظبي في بداية الستينات بقوله في الوقت الذي كان فيه عدد السكان المحليين يزداد ببطء، كان تدفق الأجانب يتصاعد بسرعة، فقد أصبح من الواضح أن أبوظبي بحاجة إلى أن تتطور بوتيرة أسرع بكثير مما كانت عليه، وكانت شركات النفط تجلب يومياً تقريباً الكثير من الأجانب، وكان معظمهم عمالاً آسيويين، ولم يكن توجد مطاعم لإطعام الأجانب، كما أنه لم تكن توجد مساكن لإيوائهم، بل لم يكن يوجد فندق في أبوظبي في ذلك الوقت، وحاول بعض المواطنين الاستفادة من تدفق الأجانب، فاستدانوا من بعضهم بعضاً، وقاموا ببناء غرف ومطاعم صغيرة لمواجهة الطلب المتزايد على السكن والطعام، ورحب المواطنون بوصول الوافدين، فقد رأوا في ذلك علامة على تطور الوضع الاقتصادي، ومصدراً لفرص العمل التي تحسن مستويات معيشتهم، وكان من مظاهر الاستفادة الأخرى التي استفادها المواطنون من تدفق الأجانب، أن قام بعضهم بتأجير أجزاء من بيوتهم، وتدبر بعضهم الآخر أمر شراء سيارة أو شاحنة صغيرة، وقام بتأجيرها للشركات الأجنبية، وحاول السكان المحليون إيواء الأجانب، لأن وجودهم كان يعني الرخاء، متأملين مستقبلاً أكثر إشراقاً، في تلك الفترة، كانت السيارات التي بدأت تصل إلى أبوظبي معظمها شاحنات عسكرية، أو سيارات دفع بالعجلات الأربع، وزادت شعبية هذه السيارات . ومع ازدياد الدخل، وانخفاض أسعار السيارات، ازداد عدد مشتريها رغم أنه لم يكن هناك طرق مسفلتة، وتدريجياً غدا التنقل على ظهور الجمال والخيول والحمير أقل شيوعاً، وكان الذين يملكون سيارات، يقودونها في أي وقت، وفي أي مكان، كالممرات الضيقة التي كانت تفصل بين البيوت، أو يقودونها عبر الصحراء، وعلى طول الشاطئ وأينما رغبوا، وأثناء القيادة، كانوا يحاورون ويناورون يمنة ويسرة حتى لا يعلقوا في الرمال، ويمكن رؤية هذه العادات الأولى لقيادة السيارات في الصور القديمة، حيث تتقاطع آثار إطارات السيارات في اتجاهات كثيرة، ويبدو منظرها غريباً وسط مجموعة من البيوت المبنية من سعف النخيل، والرمال الممتدة إلى ما لا نهاية . وبعد فترة من وصول سيارات الدفع الرباعي، تم استيراد سيارات الصالون وفي الوقت الذي كان فيه سائقو سيارات الدفع بالعجلات الأربع يواجهون صعوبة في القيادة في الرمل الناعم، كانت سيارات الصالون تعلق في الرمل أينما سارت . ويقول برنارد بوروز المقيم السياسي في الخليج عن ذكرياته في تلك الفترة كانت الطرق المؤدية إلى أبوظبي في تلك الفترة خطرة بسبب المناطق الموحلة قرب الساحل، وكانت السيارات تغرز فيها بسهولة، بينما كانت القيادة في الصحراء أكثر سهولة حيث الأرض أكثر صلابة من رمال أبوظبي الناعمة والعميقة (10) .

هوامش:

(1) Records Of The Emirates, 1962, P .402

Ibid (2)

Ibid (3)

Records Of The Emirates, 1962, P .211 (4)

Records Of The Emirates, 1962, P .224 (5)

(6) محمد عبدالجليل الفهيم، من المحل إلى الغنى رقصة أبوظبي، ص80

(7) Records Of The Emirates, 1962, P .225

(8) Records Of The Emirates, 1962, P .385

(9) محمد عبدالجليل الفهيم، م .س، ص ،63 64

(10) محمد عبدالجليل الفهيم، م .س، ص ،64 65