ومنهجية علمية يلتزم بها الناقد التزاماً كلياً، ويتوجه إلى قارئ متخصص، فإن النقد الأدبي الصحفي هو ذلك النقد المكتوب لصحيفة يومية أو مجلة على مساحة من الورق محدودة وعدد من الكلمات معروف، ويتوجه إلى قارئ عام هو في أغلب الأحيان غير متخصص .

تبعاً لتلك الفروق تتحدد وظيفة وسمات النقد الأدبي الصحفي، فمن الناحية الوظيفية يجمع النقد المكتوب للصحافة بين طرفي المعادلة: الصحافة والنقد، فهو في جانب منه يؤدي وظيفة الصحافة في الإخبار والتنوير حول حدث ما، والحدث هنا هو النص الأدبي، سواء أ كان شعراً أم رواية أم قصة أم نقداً أم غير ذلك، ومن جانب آخر يقدم قراءة ناقدة لهذا الحدث تسعف القارئ برؤية تقييمية لهذا الإنتاج، تجعل القارئ يكوّن تصوراً عنه، وتجعله يواكب الساحة الأدبية باستمرار، وتدله على ما يختاره للقراءة مما ينشر من الكتب، وهذا الجمع بين الطرفين، هو الذي يحدد للنقد سماته، فيفرض عليه التخلي عن صرامة النقد الجامعي، فلا يطالب الناقد الصحفي ببسط المناهج وشرح المفاهيم، والنظريات التي يتبعها، أي أن مجاله ليس مجال التنظير، وإنما هو التطبيق، لكنه أيضاً تطبيق متخفف من الكثير من الغلو في التفريع لأن ذلك متعذر في الصحف لضيق المساحة، كذلك فإن الطابع الاستعجالي لقارئ الصحيفة لا يسمح بذلك الغلو، فهو يريد الوجبة السريعة المبسطة، لكن الدسمة أيضاً، والجمع بين البساطة والدسم أمر يحتاج إلى حذق وعقل ناقد أصيل، ذوّاقة للأدب، قادر على التقاط ومضات النص في تكثيفها وتناسقها المضيء، وبثها في رسالة مختومة بالوضوح إلى القارئ، ويعني ذلك أن مدار النقد الصحفي ونجاحه هو على نوعية كاتبه، فإذا كان الاتساق المنهجي والصرامة العلمية قد تغطّي على النقص في الجانب الإبداعي لدى الناقد الأكاديمي وتكمله، فإن غيابها في المعالجات الصحفية لا يترك للناقد الصحفي مجالاً ألا يكون مبدعا، فالإبداع فرض عليه وإلا فعليه ألا يقترف حماقة كتابة ستعرّي ظهره لسياط نقاد آخرين، ونعني بالإبداع القدرة على اكتشاف مواطن الجمال والقبح في النص وتعليل كل منهما تعليلاً منطقياً يتماشى مع منطق اللغة والجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص المعالج، وهذه القدرة لا بد لها من خلفية نقدية جامعية، أيْ لا بد أن يكون صاحبها قد قرأ في النقد والأدب، وكون في ذهنه خلاصات معرفية عامة عن ذلك الميدان، تساعده على الاكتشاف والتأويل، وإن كانت تلك المعارف لا تظهر بشكل مباشر في معالجته .

إذا تحقق شرط الإبداع فإننا نكون أمام نقد حقيقي، يؤدي دوراً مهماً وهو الوساطة بين القارئ وبين الأثر الأدبي، فعن طريقه يطلع القارئ على ما يكتب من إبداع، ويعرف القيم من الرديء، وهو يعمل على ترويج الأدب الرفيع وتسويقه للمتلقي، والتعريف بالمبدعين وتقديمهم للناس، فكم من ناقد أديب مبدع كان مغموراً حتى قيض الله له ناقداً صحفياً حاذقاً نفض عنه الغبار وقدمه للقرّاء، وفتح له باب الشهرة والعطاء واسعاً، وكم من كتاب مات صاحبه وفي حلقه غصة من أنه لم يجد التقدير الكافي على إبداع، ثم يأتي من يكتشف ذلك الإبداع ويبرزه وينتزع لصاحبه الاعتراف بقيمة ما تركه، وحكايات الناقد المصري رجاء النقاش مع عدد من الأدباء تؤكد هذه الفاعلية التي يتمتع بها النقد الصحفي، فقد ساعد هذا الناقد الفذ الكثير من الكتاب والشعراء على الوصول إلى القراء، وفتح لهم من الأبواب المغلقة ما أوصلهم إلى أن يتربعوا على قمم الإبداع، فهو الذي عرف القراء في الوطن العربي إلى رواية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال، وهو الذي قدم الشاعر محمود درويش وجيله من الشعراء الفلسطينيين للمصريين والعرب باعتراف درويش نفسه، وفعلها مع أحمد عبدالمعطي حجازي وغيرهم من المبدعين الذين تكفل قلم ذلك الناقد المبدع على مدى عقود بالكتابة عنهم وإنصافهم خدمة للذوق الأدبي السليم وسعياً لإبراز ما هو جيد، والوقوف في وجه الأدعياء والمتسلقين .